عمر كوش.. كاتب سوري ضفة ثالثة
كانت الترجمة في بداياتها من اهتمام رجال الأدب، لكنها اكتسبت في القرن العشرين زخمًا كبيرًا، وذلك عندما أدرجها علماء اللغة ضمن اهتماماتهم. ثم توسّع الاهتمام بها كثيرًا، ولم تعد مقصورة على حقل معرفي بعينه في الدراسات الجامعية. وتعد الترجمة ظاهرة معقدة، ولا توجد إلا في المجتمعات المتعلمة. وقد شهد العصر العباسي تألق الحضارة العربية الإسلامية، وتميز بازدهار حركة الترجمة إلى العربية من التراث العالمي بشكل عام، ومن التراث اليوناني بصورة خاصة، حيث جرى اهتمام واسع بكافة الحضارات السابقة في القرون الثلاثة من عمرها، بعد أن وجدت الحضارة الوليدة نفسها في وجه حضارات ذات تراث إنساني وعلمي هائل، فلجأت إلى الترجمة كوسيلة للتعرف على علوم هذه الحضارات وثقافاتها وأخبارها، بغية الاستفادة مما تمتلكه من تراث زاخر، ومعارف في تنظيم الأعمال وإدارة شؤون الدولة، وشحذ أذهان طلاب العلم والإبداع، ونالت الفلسفة نصيبًا كبيرًا في النقل والترجمة. لكن الترجمة في ذلك العصر سرعان ما اضمحلت بشكل تدريجي مع انهيار الدولة العباسية، وتعرضت لحرب شرسة من قبل القوى المتطرفة التي اعتبرتها عدوها اللدود.
يقدم عدنان خالد عبد الله في كتابه، “عصر الترجمة: دراسة في الأصول المعرفية لحركة الترجمة في العصر العباسي” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2025)، دراسة علمية رصينة للترجمة في العصر العباسي، تناولت جذور حركة الترجمة في العصر العباسي، وسياقاتها المعرفية والسياسية والدينية، بغية إبراز الوجه الثقافي للحضارة العربية الإسلامية التي نهلت من حضارات الآخرين، لكنها لم تذُب فيها، بل أدخلتها في نسيجها الفكري والثقافي الحيوي.
يبحث المؤلف عن الدوافع العميقة التي غذّت حركة الترجمة، والآثار البعيدة التي تركتها في بنية الفكر والدين والمجتمع. ويتناولها بوصفها ظاهرة معرفية واجتماعية شديدة التعقيد، أدت إلى زيادة معرفية هائلة في المعرفة البسيطة التي كان يمتلكها العرب في ذلك الوقت، حيث إن علومًا جديدة، نافعة وضرورية للأفراد والمجتمع مثل الطب والصيدلة والهندسة والفلك، أضحت شائعة ورائجة، كما أن حقولًا معرفية جديدة، مثل الفلسفة والمنطق، أضحت مطلوبة من أجل الدفاع عن العقيدة ومحاججة الآخرين.
ظهرت بدايات الترجمة في العصر الأموي، لكنها أخذت منحى مؤسسيًا في العصر العباسي، بعد ربطها بمشروع سياسي وفكري كبير، وخاصة في عهد الخليفة المأمون، لذلك يركز المؤلف عليه، بالنظر إلى تميزه بانتعاش الترجمة وانتشارها وغزارة إنتاجها، ويعتبره بحق “عصر الترجمة”، الذي لم يتكرر عربيًا، حيث شكّل معلمًا فارقًا للحضارة العباسية في تنوع المعارف. ويرى أن كثيرًا من القضايا التي هيمنت على أذهان الناس وشغلت بال المفكرين والحكام، كالشعوبية والزندقة، لم تستمر طويلًا، بينما تحولت علوم ومعارف مثل التنجيم والنجوم إلى علوم إسلامية لا علاقة لها بمعرفة الحظوظ والمستقبل. وكان البديل هو “علم الهيئة”، أي هيئة الأرض، الذي اعتمد على الرياضيات والهندسة وسواهما.
يظهر اسم المأمون بوصفه من القلة القليلة من الحكام القدماء، الذين كرسوا قسطًا كبيرًا من وقتهم ومن ميزانية دولهم في تحصيل العلوم والمعارف، وتكفلوا بنقلها إلى لغتهم الأم. وكان من أكثر الحكام اهتمامًا بالفلسفة والعلم، وأنفق كثيرًا على الترجمة وتيسيرها للناس. وارتبط اسمه بـ”بيت الحكمة”، الذي يعد من أوائل المؤسسات العلمية التي تخصصت بنقل العلوم والمعارف، وجلب المترجمين والنساخ والفلاسفة إليه، وصرف لهم رواتب مجزية. وكان من نتائج ازدهار حركة الترجمة نشوء خزائن الكتب أو بيوت الحكمة، التي عُرفت في بداياتها كمخازن تُحفظ فيها الكتب النادرة، ثم تحوّلت فيما بعد إلى مؤسسات معرفية، أسست لمفهوم المكتبة العامة ومراكز البحوث المعروفة في عصرنا الراهن. ولم تكن هذه البيوت مجرد مخازن للورق، بل محاضن للفكر، استقطبت المترجمين والأدباء والعلماء، وأرست دعائم ثقافة تُعلي شأن المعارف والعلوم.
وقد عمل في بيت الحكمة عدد كبير من المترجمين والأدباء والفلاسفة والمثقفين، منهم حنين بن إسحاق، ويوحنا بن البطريق، والحجاج بن مطر، وقسطا بن لوقا، وأحمد بن محمد بن كثير الفرغاني، وبختيشوع جورجيس، وجبريل بن بختيشوع، وجبرائيل الكحال، والحسن بن سهل بن نويحت، وزكريا الطيفوري، وسهل بن سابور بن سهل، وسواهم.
يستند المؤلف إلى رأي ابن خلدون، في إرجاع سبب اهتمام المأمون بالترجمة، وخاصة ترجمة الفلسفة اليونانية، إلى اعتناقه مذهب الاعتزال، حيث وجد فيه سندًا للترويج لمذهبه القائم على القياس وتحكيم العقل بدون النقل. وقد عُرف عن المأمون مجالسته للمتكلمين والفلاسفة ومناقشتهم، والتصريح بأقوال لم يكن باستطاعتهم التصريح بها خوفًا من الفقهاء، مثل القول بخلق القرآن. ولم يكتفِ بهذا، بل حاول فرض الاعتزال بالقوة على الجميع، خاصة في أواخر حياته، وبالتالي، كان للترجمة دور هام في نشوء العلوم وازدهارها، ولم تكن معزولة عن السجال الفكري والديني والسياسي، بل دخلت ضمن صراعات كثيرة، كالشعوبية التي أثارها الفرس للردّ على تسلط العرب، والزندقة التي ظهرت بدعوى الانفتاح على شرائع غير إسلامية. وواجهت بعض الأفكار المنقولة معارضة دينية وفكرية لما حملته من تهديد للعقيدة، خاصة تلك المتعلقة بالفلسفة والتنجيم، الذي اعتبر نوعًا من التنبؤ بالغيب، ويتناقض مع جوهر العقيدة الإسلامية. لكن الرد عليها لم يكن بالرفض المطلق، بل بإيجاد بدائل أخرى، مثل علم الكلام وعلم الهيئة. وبرزت صراعات عديدة كنتيجة مباشرة لحركة الترجمة نفسها، كونها طرحت على العقل العربي أسئلة جديدة، وجعلته يتعامل مع معارف لم يألفها من قبل، ما يعني أن الترجمة لم تكن مجرد عملية نقل، بل كانت محفزًا على الجدل، وأساسًا لبناء تصورات وأسس معرفية جديدة.
استمرت حركة الترجمة في العصر العباسي على مدى ثلاثة قرون، ووصلت إلى ذروتها حينما تبنتها الدولة، ضمن مشروع تحوّل إلى ثورة معرفية، وأشرف عليه ووجّهه العديد من الحكام. وجُلبت ترجمات من الفارسية والهندية واليونانية في مختلف العلوم، بدأت من الطب والتنجيم، ثم توسعت لتشمل علوم الحياة والفنون، كالطبخ والعطور والجغرافيا والموسيقى والهندسة وسواها. وكان المترجمون في الطليعة يبتكرون المصطلحات ويعرّبونها ويشتقّونها، ويقع عليهم عبء النقد وحتى الاستياء الشعبي. وقد اضطر بعضهم إلى التوقف أو التوجه إلى مجالات أقل جدلًا، مثل حنين بن إسحاق. وعلى الرغم من التحديات الكثيرة، إلا أن العباسيين ظلوا أوفياء للترجمة، ولم يتعرض المترجمون في عصرهم إلى أي قمع أو اضطهاد.
تميزت الترجمة في العصر العباسي بنقل النصوص الطبية والصيدلانية والهندسية والفلكية من اللغات الإغريقية والفارسية والهندية، بالنظر إلى مبرراتها العملية والنفعية، فالناس في ذلك العصر استفادوا من معرفة طرق تشخيص الأمراض والعلاج، ومن زيادة معرفتهم في بناء الطرق والجسور والقصور، وكذلك الأمر مع باقي العلوم. إضافة إلى ذلك، فُصل الطب عن الدين، الأمر الذي أتاح ترجمة الأعمال الطبية من دون حساسية دينية. أما السبب وراء ترجمة كتب الفلسفة فتجسد في الحاجة إلى تعلم المنطق وأصوله للدفاع عن الدين والرد على الآخرين. وقد طوّر المسلمون ما يشبه الفلسفة وسموه علم الكلام، الذي اهتمّ بالعقائد الإسلامية وإثبات صحتها والدفاع عنها، وبالتالي يمكن اعتبار علم الكلام بمثابة التعبير الإسلامي عن الفلسفة.
يرى المؤلف أن المترجم في العصر العباسي لم يكن مجرد موظف بيروقراطي، بل كان فاعلًا ثقافيًا ساهم في تعريب المصطلحات، وتطوير أساليب التعبير، وتحويل اللغة العربية إلى أداة قادرة على استيعاب المصطلح في الفلسفة والطب والمنطق وسواها. ويربط المؤلف بين الترجمة والفنون البصرية، من جهة أنهما يمثّلان نقلًا وتحويرًا وإعادة تشكيل، حيث إن المترجم، مثل الفنان، لا يقوم عمله على تقديم صورة طبق الأصل، بل على إعادة بناء المعنى من داخل ثقافته، وصياغته في ضوء حساسيته، بحيث يمكن القول إن الترجمة كانت فعلًا فنيًا لا يقل مقامًا عن فن الرسم أو الشعر أو التأليف. وقد تلاقت في العصر العباسي الترجمة مع المعرفة والسياسة والدين والفن، الأمر الذي جعلها فعلًا حضاريًا مميزًا، لذلك ارتبط ازدهارها بالنهضة العباسية، وأعلن أفولها نهاية الفعل المعرفي في ذلك العصر.