ملخص
الصين تدرك حقيقة أزماتها الاقتصادية والديموغرافية والتكنولوجية، لكنها تعيد تعريفها كمشكلات تقنية أو خارجية بدلاً من كونها بنيوية، وهذا التشخيص الجزئي يحد من الإصلاحات الحقيقية ويقود إلى حلول سطحية، مما ينذر بتباطؤ طويل شبيه بتجارب الإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفياتي، ويستدعي فهماً غربياً أعمق لطريقة تفكير بكين.
نادراً ما تفشل القوى العظمى لأنها تجهل مشكلاتها، ففي معظم الأحيان تتعثر لأنها تُخطئ في تشخيص جذور تلك المشكلات أو لا تدركها إلا جزئياً، فالقدرة على تحديد مواطن الضعف بدقة، والتمييز بين القيود الموقتة والاختلالات البنيوية، وتوفير الإرادة السياسية اللازمة لمعالجة المشكلات المتجذرة، هي ما يميز الدول القادرة على التكيف والازدهار عن تلك التي تركد أو تتداعى.
تواجه الصين اليوم مجموعة كبرى من التحديات التي تتطلب التقييم والمعالجة، فالنمو الاقتصادي يتباطأ، والمجتمع يشيخ، والنظام المالي يعاني الإجهاد، والبلدان الأخرى في العالم شددت ضوابطها التجارية، وتقوم برفع مستوى سياساتها الصناعية من أجل الدخول في المنافسة، إذ إن توسع الصين اقتصادياً كان قادراً لأعوام عدة على إخفاء نقاط الضعف الأساس التي تعانيها الجمهورية الشعبية، وتلك الحقبة الآن انتهت، وبات القادة الصينيون في بكين، عبر وثائق الحزب وأدبياته كما في الخطب المفصلية، يعترفون بهذه الضغوط ويقرّون بجوانب ضعف بلادهم.
بيد أن التعرف إلى المشكلات لا يمثل تشخيصاً، وهو لا يترجم تلقائياً إلى أفعال ذات مغزى، وتصف بكين الصعوبات التي تواجهها الصين عموماً بأنها تحديات تكنولوجية أو تنموية، أو قيود مفروضة من الخارج، وليست صادرة من مشكلات منهجية في قلب نظام البلاد، وهذا التمييز ذو بعد إستراتيجي، فهو يقلل من أهمية الزلات السياسية والمؤسساتية المسببة للمشكلات أو المفاقمة لها، والتي من ضمنها مظاهر مثل تركز السلطة بيد الزعيم الصيني شي جينبينغ، والتوترات بين التوجيهات المركزية وعمليات تطبيق السياسات محلياً، والحوافز غير المتعادلة بين القادة والكوادر العاديين في أوساط القواعد الشعبية، والحاجة الملحة إلى التشدد الأيديولوجي الذي يحد من احتمال مراجعة السياسات أو تصحيحها.
إن الطريقة التي تنظر بها الصين إلى نقاط ضعفها هي في الحقيقة بأهمية نقاط الضعف نفسها، وعندما تصور الصين المشكلات البنيوية التي تعانيها على أنها عقبات تقنية، أو ضغوط مصدرها الخارج، فإنها تحد من استعدادها للقيام بالإصلاحات، وتتملص في الوقت عينه من المسؤولية، عبر توجيهها اللوم إلى عوامل من خارج نظامها السياسي – الاقتصادي نفسه.
أما بالنسبة إلى صناع السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن فهم الطريقة التي تقوم بها الصين بتأويل مشكلاتها الخاصة، يمثل أمراً أساسياً لإدارة التنافس معها على المدى البعيد، ومعايرة سياسات الردع، وتحديد المجالات التي لا تزال تتيح تعاوناً حقيقياً مع بكين، مهما كانت تلك المجالات قليلة.
قول الحقيقة
على مستوى الخطابات لم يتردد الزعماء الصينيون في تحديد الصعوبات التي تواجهها بلادهم، ففي عام 2017 أشار شي جينبينغ إلى علمه بالمشكلات المتنامية طوال عقود الصعود الاقتصادي، وذلك عبر إعلانه أن التناقض الأساس في البلاد، المتمثل بالتوتر الذي يسم كل حقبة ويدفع عمليات التنمية، وفق إطار ماو تسي دونغ، قد تغير، إذ إن التناقض الصيني الأكبر اليوم لم يعد بين النمو والندرة، ذاك التناقض الذي مثّل القوة المحركة لحقبة الإصلاح، بل بين “عمليات التنمية غير المتوازنة والقاصرة، وحاجات الناس المتزايدة لحياة أفضل”.
بكلام آخر، وفيما أيد جينبينغ في العموم مزيداً من عمليات التنمية ومظاهر تحسينها، فقد أقر الزعيم الصيني بأن النمو الاقتصادي السريع خلق مخاوف تتعلق بنوعية الحياة، مثل التفاوت في المداخيل، والتردي البيئي، والحاجة إلى ما يتعدى مجرد تلبية ضرورات العيش الأساس.
كان شي جينبينغ صريحاً بالقدر نفسه في حديثه عن مواطن الضعف التكنولوجية في الصين، فمنذ عام 2016، حين أشارت الخطة الخمسية الـ 13 وغيرها من الوثائق الرسمية إلى تجدد تركيز القيادة على الهدف القديم المتمثل في تعزيز الابتكار المحلي، دأب شي على التحذير من أن “التقنيات الأساس والمحورية في الصين لا تزال خاضعة لسيطرة الآخرين”، وقد حدد أشباه الموصلات المتقدمة، والبرمجيات الصناعية، ومعدات التصنيع عالية الدقة، مثل آلات الطباعة الضوئية المستخدمة في صناعة الرقائق، بوصفها نقاط اختناق إستراتيجية، وخلصت تقييمات أعدتها جامعات ومراكز أبحاث صينية إلى أن الاعتماد على المدخلات الحيوية والتقنيات الأساس في المراحل الأولى من سلاسل الإنتاج لا يزال يقيد التقدم التكنولوجي للبلاد.
واستجابة لذلك تحركت بكين بقوة للحد من هذه الثغرات عبر أدوات عدة، من بينها الإعانات الحكومية والسياسات الصناعية الموجهة لدعم القطاعات الإستراتيجية، إضافة إلى توسيع الحوافز المقدمة للجامعات والشركات للاستثمار في البحث والتطوير، وكذلك أنشأت الصين صناديق مدعومة من الدولة لتمويل طموحاتها التكنولوجية، وسعت، حيثما أمكن، إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد على الواردات.
القيادة الصينية على علم بنقاط الضعف التي تعاني منها بلادهم
وفي إطار متصل، تظهر بيانات ومداولات حديثة للحزب الشيوعي الصيني استعداداً متزايداً لتحديد وتسمية نقاط الضعف التي كان القادة في السابق يتجاهلونها أو يقللون من شأنها، فتأتي الخطة الخمسية بصيغتها الـ 15 لترسم خطط سياسات البلاد حتى عام 2030، وتؤكد مجدداً في هذا السياق الحاجة إلى معالجة أخطار أساسية ثلاثة، وهي الانكماش العقاري الذي طال أمده، والديون الحكومية المحلية المفرطة، والمؤسسات المالية الضعيفة، وقد بدأت مرجعيات الحزب الرئيسة، ومن ضمنها مجلاته الرائدة، في مناقشة مسألة الشيخوخة السكانية المتسارعة في البلاد، باعتبارها تحدياً إستراتيجياً يتطلب تدخلاً استباقياً من الدولة.
واتخذت بكين في هذا السياق تدابير متواضعة لاحتواء تلك الضغوط الداخلية من دون التخلي عن جوهر نموذجها التنموي، وكي تُحلّ الاستقرار في سوق الإسكان، خفضت الحكومة الصينية متطلبات الدفعة الأولى، وزادت التمويل لاستكمال أعمال التطوير والبناء المتوقفة، وروجت للتجديد الحضري والإسكان الميسر، وفي القطاع المالي قامت الهيئات التنظيمية بتشديد الرقابة على المصارف الصغيرة المعرضة لأخطار الديون العقارية والحكومية المحلية، وشجعتها على الاندماج وإعادة هيكلة الرسملة للحؤول دون تحول الإجهاد الموضعي إلى أزمة بنيوية، أما في ما يتعلق بالمسائل الديموغرافية، فلم تقدم بكين سوى حوافز متواضعة لرعاية الأطفال، مثل زيادة إعانات الرعاية، وتمديد إجازة الأهل، ورفع تدريجي لسن التقاعد.
وتشير تلك السياسات إلى أن القيادة الصينية على دراية بنقاط الضعف التي تعانيها البلاد، وهي متنبهة للضغوط الاجتماعية والسياسية التي تولدها، وعلى رغم أن ثقة بكين الظاهرية تزايدت منذ استخدامها الناجح لضوابط التصدير بغية الضغط على واشنطن لتقليص التعرفات الجمركية التي فرضتها على الصين خلال الحرب التجارية عام 2025، لكن الخطاب الرسمي المتعلق بالتوقعات الصينية يبقى خطاباً مدروساً ومنضبطاً، وتؤكد وثائق الحزب في هذا الإطار على ميزات المرونة والجهوزية والتحكم، بدلاً من الحديث عن انتصارات محققة.
إلقاء اللوم على الأفراد لا على النظام
ومع ذلك فإن تشخيصات الحزب تكشف كثيراً أيضاً من خلال ما تغفله، ففي الخطب الرسمية والوثائق السياسية والمقالات المنشورة في وسائل الإعلام الحكومية، تُعرض نقاط الضعف الصينية في معظم الأحيان على أنها نواقص تقنية مرتبطة بمرحلة تطور البلاد، أو نتائج لسياسات فرضتها دول أخرى، وبعبارة أخرى تُصوَر على أنها مشكلات تتعلق بالقدرات لا بالبنية الأساس للنظام.
ويعزو القادة في بكين الاختلالات الاقتصادية إلى مرحلة الإنماء التي شهدتها الصين، لا إلى النظام الذي تسهم فيه هيمنة الدولة والأولويات السياسية في حرف الأسواق، ففي الخطاب عينه الذي ألقاه شي جينبينغ عام 2017، مثلاً، والذي وصف في سياقه حال التناقض الرئيسة الجديدة التي تعانيها الصين، ادعى الزعيم الصيني أن بلاده لا تزال في “المرحلة الأولى من الاشتراكية”، مشيراً إلى أن النظام القائم يمكنه توفير حلول للصعوبات والتحديات التي تواجهها البلاد في إطار مسارها الراهن، وكذلك، وعلى نحو غير مفاجئ، تتجنب أدبيات الحزب الإشارة إلى مظاهر التركيز المتزايد للسلطة السياسية أو الحضور المتزايد للحزب في الشركات الخاصة كمشكلات محتملة في هذا الإطار، فالقادة السياسيون لا يترددون في الاعتراف بأوجه القصور في الحوكمة، لكنهم غالباً ما يحمّلون المسؤولية لكوادر غير كفؤة أو لضعف الانضباط أو للفساد، أما المنطلق الأساس فيبقى أن النظامين السياسي والاقتصادي في جوهرهما سليمان، وأن الحفاظ على استقرارهما شرط مسبق لمعالجة بقية المشكلات.
ويؤثر هذا التباعد بين الخطاب الرسمي والواقع في تحليل القيادة للأوضاع، وفي خياراتها السياسية، وفي حدود ما تستطيع القيام به، فبكين تدرك أن المنافسة الداخلية المفرطة وضعف الاستهلاك المحلي يكبحان الاقتصاد الصيني، ولذلك أطلقت عام 2025 حملة للحد من المنافسة المدمرة بين الشركات الصينية والحكومات المحلية، عبر فرض ضوابط على الأسعار، وقيود على الإنتاج، وآليات لمكافحة التسعير الإقصائي في القطاعات التي تعاني فائضاً في الطاقة الإنتاجية، إضافة إلى تشديد الرقابة على عمليات الاندماج والاستثمار، ودخول شركات جديدة إلى تلك الأسواق، وكذلك أطلقت عام 2024 برنامجاً لتشجيع المستهلكين على استبدال السلع المنزلية القديمة بأخرى جديدة، بهدف تحفيز الإنفاق الاستهلاكي.
غير أن أياً من هذه المبادرات لا يشكك بصورة جوهرية في البنى التي أفرزت تلك المشكلات، بل يكتفي بمعالجتها على نحو سطحي، فمن الأسهل إرجاع حالات سوء السلوك لتصرفات فردية أو لـ “عناصر سيئة”، بدلاً من مواجهة الترتيبات المؤسسية التي تنتج هذه الظواهر من الأساس.
ونتيجة لذلك تواصل بكين تفضيل المعالجات التصحيحية قصيرة الأجل على الإصلاحات البنيوية الحقيقية، ويقدم الاستهلاك الأسري مثالاً واضحاً على ذلك، فمع أن الخطة الخمسية الـ 15 تضع الاستهلاك العائلي ضمن أولوياتها الاقتصادية، فإنها لا تتضمن أي التزام برفع حصة الاستهلاك من الناتج المحلي الإجمالي، والتحويلات المالية التي أُعلنت لتعزيز دولة الرفاه، تبقى محدودة إلى حد بعيد، ولا تكفي لوضع أموال إضافية في جيوب المواطنين بما يشجعهم على الإنفاق.
إن “برنامج مقايضة السلع الاستهلاكية”، مثلاً، أدى إلى تسجيل زيادة طفيفة في الاستهلاك عام 2025، لكن تأثيراته تباطأت عام 2026، وذلك مع انخفاض موازنته ونفاد الأدوات والأغراض التي يود الناس استبدالها، ولم تبدُ بذلك إستراتيجية تحسين الاستهلاك الصينية طويلة الأمد جديدة على الإطلاق، بل بدت أنها الإستراتيجية ذاتها التي اعتمدتها الصين على الدوام، أي إستراتيجية تركز على زيادة الإنتاج مع توقع ارتفاع مداخيل الأسر في النهاية، إثر تحسن الإنتاج على المدى البعيد، وهذه إستراتيجية تقصر تعاملها مع الأعراض فقط، وترفض التخلي عن الهياكل والبنى الاقتصادية والسياسية القديمة، تاركة المشكلات الجوهرية في مكانها من دون مساس.
دعوا المشكلات تتفاقم
الصين ليست القوة العظمى الأولى التي تجهد للقيام بتغييرات هيكلية مطلوبة، ففي أواخر القرن الـ 19 شعرت النخب البريطانية بالقلق إزاء تخلف إمبراطوريتهم أمام منافسين يسجلون نمواً أسرع، مثل ألمانيا والولايات المتحدة، اللتين كانتا تحققان تقدماً كبيراً في مجال الكيماويات والهندسة الكهربائية وإنتاج الصلب وتصنيعه، وقد سعت بريطانيا، في رد فعل على ذلك، إلى توسيع نطاق التعليم التقني، وحدثت بنيتها الصناعية من قطاعات راشدة مثل قطاعي الأنسجة والفحم، إلى قطاعات أكثر تطوراً تكنولوجياً، بيد أن تلك الحلول استخفت بمشكلات أعمق تمثلت في وهن الإمبراطورية وتفاوتاتها الاجتماعية الداخلية الشديدة، والاتحاد السوفياتي بدوره شكّل حالاً مماثلة، ففي الوقت الذي تولى فيه ليونيد بريجنيف السلطة عام 1964، كان القادة السوفيات يناقشون علناً مسألتي الركود والفساد، غير أن جهود الإصلاح وضعت المشكلات في إطار الإخفاق في تنفيذ السياسات، بدلاً من اعتبارها مشكلات في بنية النظام وجوهره.
تميل القوى العظمى إلى إدراك القيود المتراكمة التي تواجهها قبل وقت طويل من استعدادها لمواجهة الأسباب المؤسسية الكامنة وراء تلك القيود، ومع مرور الوقت يؤدي ذلك إلى إضعافها تدريجياً، وتتوقف سرعة هذا التراجع على مدى قدرة قادتها على حشد الإرادة السياسية اللازمة لإجراء إصلاحات أكثر جوهرية، وعلى رغم أن التاريخ حافل بأمثلة لدول أصغر أو قوى إقليمية نجحت في تأخير تراجعها، أو سلك مسار جديد بالكامل، فإن مثل هذه التحولات نادرة بين القوى العظمى، وغالباً ما تأتي عقب صدمات سياسية استثنائية، ففي أواخر القرن الـ 19 مثلاً، قادت إصلاحات ميجي في اليابان إلى تحديث الجيش، وتصنيع الاقتصاد، واعتماد نظام حكم دستوري استجابة لتنامي التهديد الإمبريالي الغربي، أما في حالي الإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفياتي، فعندما جاء التغيير الحقيقي أخيراً، كان بعد فوات الأوان.
ومن غير المرجح في هذا السياق أن يتمكن القادة الغربيون من إجبار بكين على مواجهة نقاط ضعفها، فالضغوط الخارجية لن تجبر الصين على مواجهة مشكلاتها البنيوية التي تعرفها سلفاً، وتتلكأ في التعامل معها بأي طريقة ذات مغزى، وبدلاً من ذلك يتعين على صناع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا، وهم يضعون إستراتيجيات جديدة للتعامل مع الصين والحد من الآثار السلبية لكثير من سياساتها الاقتصادية، أن يحددوا بدقة نقاط ضعفها الداخلية، وأن يقيّموا عناصر قوتها، وكيف يمكن أن تتطور، وأن يحلّلوا مواطن هشاشتها، بما في ذلك الفجوة بين التحديات الموضوعية التي تواجهها البلاد، والطريقة التي تنظر بها القيادة الصينية إليها.
تواصل بكين تفضيل المعالجات التصحيحية قصيرة الأجل على الإصلاحات البنيوية الحقيقية
إن فهم هذه الفجوة سيسمح لصناع السياسات الأميركيين والأوروبيين بتجنب الإخفاقات السياسية المكلفة، وتصور الوجهة التي تسلكها الصين تصوراً أكثر موثوقية، فعلى سبيل المثال أدت التقديرات الغربية للعلاقة بين الصين وروسيا، التي بالغت في التركيز على إحجام الصين التقليدي عن دعم الحروب خارج حدودها، والتزامها استقرار الاقتصاد العالمي، بدلاً من التركيز على المصالح المشتركة التي رأت بكين وموسكو أنهما تتقاسمانها، إلى سوء تقدير استعداد الصين لدعم الحرب الروسية في أوكرانيا. من هنا، ولأجل غدٍ أفضل، يحتاج صناع السياسات الغربيون إلى الانتباه للطريقة التي تبدّل بها تصور الصين لموقفها، إثر استخدامها الناجح لضوابط التصدير في الرد على التعرفات الجمركية الأميركية عام 2025، إذ إن جهود ردع الصين عن ممارسة سياسة الإكراه الاقتصادي، أو الاستجابة للتوترات التجارية، تعتمد على كيفية نظر الصين إلى نقاط قوتها وضعفها، وقد ولدت فعلاً في هذا السياق مساحة توتر جديدة، فالنجاح الصيني التكنولوجي حظي بإشادة عالمية واسعة، لكن التقارير السياسية من بكين تكشف عن شعور مستمر بالضعف والهشاشة.
من غير المرجح أن تنهار الصين أو تتحول في ليلة وضحاها، لكن السيناريو الأكثر احتمالاً يتمثل في عملية تكيف مطولة مع معدلات النمو الأبطأ، وتشديد الرقابة السياسية، وتزايد الحالات التي يؤثر فيها الأمن على الكفاءة، وهذا مسار مألوف في التاريخ، ويُرجح استمراره فترة طويلة، ففي الإمبراطورية البريطانية كما في الاتحاد السوفياتي، استمر الانحدار الناجم عن الفشل في معالجة نقاط الضعف البنيوية طوال عقود لا أعوام، والصين اليوم، المشابهة لهذين النموذجين، تواجه منافساً حيوياً وقوياً وهو الولايات المتحدة، على رغم امتلاك هاتين القوتين العظميين المعاصرتين مجموعة داخلية من القيود والضغوط الخاصة بكل منها.
وعلى رغم عدم ترجيح قبول بكين بأي تدابير تعالج مشكلاتها البنيوية الداخلية معالجة حقيقية، بسبب الأخطار التي يمكن أن تشكلها تلك المعالجات على السلطة، فإن التقييمات الذاتية الصينية تتطور باستمرار، وفهم هذا التحول في التصورات، بالنسبة إلى القادة الأميركيين والأوروبيين، يشكل أمراً ضرورياً يوازي في أهميته عملية تحليل البيانات بحد ذاتها، فتلك التقييمات سترسم مسار السياسة الصينية، وتقرر ما إذا كانت أية استجابة غربية إزاء الصين، ستنجح في نهاية المطاف.
فرانشيسكا غيريتي هي مديرة “مبادرة الاقتصاد والأمن والمرونة” وقائدة الأبحاث المعنية بالصين والأمن الاقتصادي في مؤسسة “راند” أوروبا (RAND)
مترجم عن “فورين أفيرز”، 5 يونيو (حزيران)، 2026
