
عشيّة عيد الأضحى انتشر تسجيل لمسيرة تكبيرٍ تجوب شوارع في دمشق، منها الشعلان، يرفع المشاركون فيها الأعلام نفسها التي كانت قد صارت رايةً معروفة لهيئة تحرير الشام الحاكمة. وما أن انتشر التسجيل، ونال بعض الانتقادات، حتى انبرى موالو السلطة لتبرير تلك المسيرة بأنها من السُنّة، ليصبح الجدل حولها فقهياً، أي لا علاقة له بالجدل حول الفضاء العام نفسه؛ الجدل الذي يُفترض ألا يستثني أحداً بما أن الفضاء العام مشترك بين جميع الدينيين بمختلف مذاهبهم واللادينيين بمختلف مشاربهم.
قيل إن المسيرة عائدة لمجموعة سلفية لا تمثّل السلطة، بخلاف منظر الرايات الذي يحيل إليها، ورفع الرايات ليس من السُنّة حسبما يفيدنا ذلك الجدل الفقهي. الأهم أن مؤيّدي المسيرة، تحت زعم حرية التعبير، وقفوا قبل أسابيع قليلة إلى جانب قانون التظاهر، وهو يمنع التجمعات من دون ترخيص. وفي الدفاع عن الترخيص تأتي الحجة المتعلّقة بالاحتياطات الأمنية اللازمة، وهذه الحجة تغيب تماماً إزاء مسيرة التكبير التي هي تجمّع غير مرخّص، وقد يتسبب بحوادث أمنية، مثلاً من قبيل اعتداء المشاركين فيها على المارة أو المحلات التجارية التي لا تروق لهم، أو حتى من قبيل اعتداء المارة على المشاركين فيها!
وقبل نحو ما يزيد عن أسبوعين شاع خبر اعتقال امرأة ناشطة سورية، في زيارة إلى دمشق. والمهم أن أحداً لا يعرف التهمة الموجَّهة إليها، لأن اعتقالها تمّ على طريقة الإخفاء القسري، فلم يُسمح لأحد بالتواصل معها، ولم نقل “لم يُسمح بذلك لمحاميها” حتى لا نتشبّه بدول القانون! ما أن شاع خبر إخفائها حتى انبرى الموالون إلى ترويج رواية تنص على أن الموقوفة متهمة بالسرقة، وكأن هذه التهمة تبيح إخفاءها، وعدم تقديمها إلى القضاء ضمن مهلة محددة، مع السماح لذويها بزيارتها، بما أن هذه التهمة أيضاً لا تشير إلى كونها “إرهابية” خطرة على السلم المحلي والدولي.
تراجعَ سريعاً تداولُ تلك الرواية التي لا يُعرَف على أي كمبيوتر أو هاتف ذكي طُبخت، والتراجع حدث مع خبر يفيد بأن وزيرة الشؤون الاجتماعية توسّطت لتدبير لقاء لذوي المعتقلة بها. ثم بعد ذلك عمّ الصمت التام على القصة بأكملها، ولم يثر اهتماماً مماثلاً ما أعلنه شخص آخر عن خروجه من سجن في سرمدا، بعد توقيفه مدة 22 يوماً بتهمة “النيل من هيبة الدولة ومنصب أمانة الرئاسة ومنصب رئاسة الجمهورية”، التهمة التي تذكّر بالعهد السابق، كما يذكّر به التوقيف مدة ثلاثة أسابيع بلا إذن قضائي.
ولو أثار الاعتقال المذكور ضجة كبيرة، لانبرى فوراً الموالون لتبريره، وهو ما حدث مثلاً مع قليل من الضجيج الموازي للضجة التي أحدثتها قصة بتول سليمان علوش التي يقول أهلها إنها مختطفة، ضمن سياق اختطاف الكثير من النساء العلويات. أُظهِرت بتول لتنفي واقعة الاختطاف، وهي تلبس ثياباً قيل إنها “لباس شرعي”، ثم عُرِف أن هذا النوع من الزيّ، غير الشائع سورياً” يروّج له “الشيخ الذهبي”، ضمن خطته لتوزيع مليون نسخة منه في سوريا.
أيضاً، تحت شعار الحرية المخصص فقط لتبرير هذه المظاهر، سارع الموالون إلى التبرير لظاهرة الشيخ، حتى من دون دراية بها. ولا تُعرف قوانين أو قواعد الحرية التي تسمح لشيخ مصري بالنشاط في الأراضي السورية، ومن خلال مشروع ينضوي ضمن الهندسة الاجتماعية لمليون امرأة مستهدَفة. وقد صار شائعاً، وفيه الكثير من الاستسهال، القول إن التعبيرات الدينية في الفضاء العام تعويضٌ عن كبتها خلال حكم الأسد، والواقع أن هذا النوع من اللباس الشرعي ومسيرات التكبير وسواهما لم تكن شائعة قبل الأسد والبعث لتُسترجَع اليوم. الأهم فيما يوحيه هذا الكلام لجهة أن باقي أنواع التعبير كانت مباحة في الفضاء العام أيام الأسد، والدين وحده كان مُحارباً، ولعلّ هذه أكبر الأكاذيب التي راحت تُروَّج منذ إسقاط الأسد، وفيها استهانة متعمّدة بكل السوريين غير الإسلاميين سياسياً، والذين دفعوا أثماناً باهظة في عهد الأسد، أقلّها حرمانهم من حقهم في الفضاء العام.
كما نلاحظ هناك مساران للتبرير، أولهما فصل ظواهر مثل الشيخ عبدالرزاق المهدي “قائد مسيرة التكبير” والشيخ الذهبي عن السلطة، واعتبارهما ضمناً نشطاء على “يمينها” يتمتعون بحرية الرأي والدعوة. وثانيهما اختراع تبريرات للسلطة ذاتها عندما تُكمل ذلك السلوك الدعوي، وتنسجم معه تماماً، من خلال قرارات مثل منع استيراد الآلات الموسيقية، ومثل منع تقديم المشروبات الكحولية والاكتفاء ببيع الزجاجات في أماكن محدودة جداً في دمشق؛ تقطنها أغلبية مسيحية. وكذلك هو الحال مع قرارات لمحافظ اللاذقية، تحدّ من لبس المايوه على الشواطئ العمومية، وتمنع الموظفات من استخدام الماكياج.
المدافعون عن حرية الدعوة هم أنفسهم المدافعون عن “حرية” محافظ هنا وآخر هناك في إصدار قرارات تمسّ بالحريات الشخصية، وهم أيضاً الصامتون والموافقون على منع استيراد الآلات الموسيقية، والصامتون على حالات تم فيها مضايقة حاملي تلك الآلات من قبل موظّفين حكوميين. وقد صار دارجاً أن يُواجه الموالون أي اعتراض على المساس بالحريات الشخصية بتهمة الانتماء إلى الفلول، وعندما يعزّ استخدامها يُتهم المدافعون عن الحريات الشخصية والعامة بأنهم مصابون بالإسلاموفوبيا. هكذا يصبح الاعتراض على “الشيخ الذهبي”، والمليون “لباس شرعي” معاداة للإسلام، وتصبح استعراضات التكبير الاستفزازية في أحياء مسيحية نوعاً من الحرية الشخصية، بينما يصبح لباس البحر على الشاطئ تعدّياً على الحريات الشخصية لمشايخ الحشمة الذين لا يروق لهم هذا اللباس.
ما ليس طريفاً فحسب أن قسماً معتبراً من المغالين في هذا النمط من الموالاة يضمّ أفراداً من أهواء شتّى، وغير متدينين أصلاً، ومنهم طائفيون بلا هوادة رغم عدم تدينهم. الذرائع التي يسوقونها في مواجهة أي نقد تذكّر تماماً بأمثولة الضفدع والماء المغلي، الأمثولة التي تُستحضر عادة في سياقات مشابهة لما أوردناه. الضفدع، حسب ما يُروى، يقفز فوراً خارج الوعاء، إذا وُضع في وعاء فيه ماء يغلي، بينما يستكين إذا وُضع في إناء على نار هادئة جداً، حتى تبلغ النار درجة الغليان وهو راضٍ مستكين.
الأمثلة التي أوردناه، وغيرها كثير، تشير إلى أن غلي الضفدع السوري سهل جداً، فهو متوثّب أصلاً للقفز إلى الوعاء الذي على النار، ويكاد يطالب بألا تكون هادئة جداً، فهو مستعد للتكيّف معها فوراً. الضفدع السوري المنتشي بالماء المغلي يكره أبناء جنسه الذي لا يُظهرون الاستعداد نفسه، إنه يستكثر عليهم حتى النقيق.