أيوب سعد – صحافي عراقي
المفارقة الأكثر وضوحاً في الرواية العراقية، الجميع تقريباً ينفي وجود “قواعد”، لكن عدداً من المسؤولين يقرون بوجود قوات إسرائيلية أو عمليات إسرائيلية على الأرض العراقية، أي أن الخلاف الحقيقي لم يعد حول “هل حدث الأمر؟”، بل حول “ما طبيعة ما حدث؟”.
في الصحراء التي اعتاد العراقيون النظر إليها بوصفها فراغاً جغرافياً مفتوحاً على العواصف والتهريب والمطاردات العسكرية، ظهرت هذه المرة رواية أكثر تعقيداً وإرباكاً: قواعد إسرائيلية سرية في العراق. راعي غنم قُتل بعدما شاهد ما لا ينبغي له أن يراه، قوة عراقية تعرضت لإطلاق نار، تضارب رسمي بين النفي والإقرار الجزئي، فيما تتكشّف طبقات جديدة من الصراع الإقليمي فوق الأرض العراقية.
التحقيق المطوّل الذي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” عن هذه القواعد لم يكن مجرد سرد أمني عن “موقع سري”، في عمق الصحراء الغربية، بل بدا كأنه إعادة رسم لخريطة النفوذ العسكري غير المعلن داخل العراق، خصوصاً بعد أيام فقط من تقرير صحيفة “وول ستريت جورنال”، الذي تحدث عن قاعدة إسرائيلية في منطقة النخيب. وبين التقريرين، بدأت تتشكل رواية أكثر خطورة، إسرائيل لم تنفذ مجرد عملية عابرة، بل بنت بنية عملياتية مؤقتة أو شبه دائمة داخل الأراضي العراقية استعداداً لمواجهة إقليمية مع إيران.
القصة، كما روتها “نيويورك تايمز”، بدأت من راعٍ شاب يدعى عوض الشمري، (29 عاماً)، كان يسير في فضاء الصحراء المفتوح بين مخيمه وقضاء النخيب. هناك، وبمحض المصادفة، عثر على موقع عسكري غير مألوف، مروحيات، جنود، خيام، ومدرج للطائرات. مشهد كهذا، في منطقة يفترض أنها تخضع للمراقبة العراقية، كان كافياً لتحويل الراعي من شاهد عابر إلى هدف يجب إسكاتُه، بحسب ما يعتقد أقاربه وشهود من المنطقة.
الرواية التي نقلتها الصحيفة الأميركية أن مروحية لاحقت سيارة الشمري الصغيرة وأطلقت النار عليها مراراً حتى توقفت وسط الرمال، قبل العثور عليه مقتولاً داخل مركبته المحترقة. لكن الأخطر من ذلك، أن الشمري ـ وفق التقرير ـ كان قد أبلغ القوات العراقية بما شاهده قبل انقطاع الاتصال به، ما يعني أن المؤسسة العسكرية العراقية دخلت مبكراً في قلب هذه القصة، وليس بعد تداولها إعلامياً فقط.
التقرير ينقل عن مسؤولين عراقيين وإقليميين أن إسرائيل استخدمت القاعدة لدعم عملياتها ضد إيران، خصوصاً خلال “حرب الأيام الاثني عشر”، في حزيران/ يونيو 2025، عبر تقليص مسافات الطيران وتأمين التزود بالوقود والدعم اللوجستي والعلاج الطبي للقوات الإسرائيلية. بهذا المعنى، فإن الحديث لا يدور عن وجود استخباري محدود، بل عن منصة عمليات متقدمة داخل العراق، وهو ما يمنح القضية بعداً سيادياً شديد الحساسية.
الأكثر إثارة أن الصحيفة تحدثت عن قاعدة ثانية لم يُكشف عن موقعها حتى الآن، وأن التحضير لإنشاء مواقع سرية في المناطق الصحراوية العراقية بدأ منذ أواخر عام 2024 تحسباً لأي مواجهة مستقبلية مع إيران. هذه النقطة تحديداً تنقل القضية من إطار “حادثة اختراق”، إلى فرضية وجود استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد للاستفادة من الجغرافيا العراقية بوصفها مساحة خلفية للصراع مع طهران.
لكن داخل العراق، لم تكن الروايات الرسمية متطابقة، بل بدت متناقضة أحياناً إلى حد الإرباك.
ففي حين أكدت “نيويورك تايمز”، أن قوة استطلاع عراقية أُرسلت إلى الموقع بعد بلاغ الراعي، وتعرضت لإطلاق نار أدى إلى مقتل جندي وإصابة اثنين وإعطاب مركبتين، فإن الرواية العراقية الرسمية حاولت تقليل حجم الحادثة أو إعادة توصيفها.
قيادة العمليات المشتركة تحدثت بالفعل عن تعرض قوات عراقية لهجوم من “قوات أجنبية”، بينما نقل التقرير الأميركي أن رئيس أركان الجيش العراقي تواصل مع الجانب الأميركي الذي أبلغه بأن القوة “ليست أميركية”، الأمر الذي عزز الاعتقاد العراقي بأنها إسرائيلية.
وقبل نحو عشرة أيام، كان مجلس النواب قد تحرك على خلفية هذه التقارير، إذ كشف مسؤول عراقي في بغداد عن استدعاء وزيري الدفاع والداخلية، لمناقشة ما نشرته وسائل إعلام دولية بشأن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية سرية في صحراء النخيب بين النجف والأنبار قرب الحدود السعودية.
وعلى رغم التزام غالبية النواب الصمت، خرج النائب حسن فدعم بتصريح لافت لصحيفة “التايمز”، قال فيه إن “إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً آخر على الأقل داخل العراق”، مضيفاً أن “الموقع الموجود في النخيب هو الموقع الوحيد الذي اكتُشف”. كما أكد مسؤول عراقي ثانٍ وجود قاعدة ثانية في منطقة صحراوية غربية، من دون تحديد مكانها.
هذه التصريحات تعني أن هناك جزءاً من الطبقة السياسية العراقية بات يتعامل مع الوجود الإسرائيلي بوصفه أمراً واقعاً، لا مجرد “شائعات إعلامية”، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً بالغ الخطورة حول سؤال السيادة، كيف تمكنت إسرائيل من إنشاء مواقع عمليات داخل العراق من دون كشفها لفترة طويلة؟ وهل كانت واشنطن تعلم بذلك؟
وفق “نيويورك تايمز”، أكد مسؤولون عراقيون رفيعون أن البروتوكولات العسكرية تفرض على الولايات المتحدة إبلاغ بغداد بأي نشاط عسكري داخل الأراضي العراقية، ما يعني أن واشنطن إما أخفت النشاط الإسرائيلي عمداً، أو أن بعض القيادات العراقية كانت تعتقد أن المواقع أميركية. وفي الحالتين، فإن المؤسسة العراقية تبدو وكأنها كانت خارج الصورة أو على هامشها.
النائب وعد القدو وصف ما حدث بأنه “استهتار صارخ بسيادة العراق وكرامة شعبه”، وهي عبارة تختصر حجم الإحراج السياسي الذي ولّدته القضية، خصوصاً في بلد لا يزال يعيش توازنات معقدة بين النفوذ الأميركي والإيراني.
من هنا، يصبح بعد القضية الداخلي أكثر أهمية من بعدها العسكري. فوجود قواعد إسرائيلية ـ أو حتى فرق عمليات مؤقتة ـ داخل العراق يمنح الفصائل المسلحة الموالية لإيران مادة سياسية ودعائية هائلة. إذ بإمكان هذه الفصائل استخدام القضية لتبرير استمرار سلاحها ورفض أي مساعٍ حكومية أو أميركية لنزع هذا السلاح، تحت شعار “مواجهة الاختراق الإسرائيلي”.
هذا ما ألمحت إليه “نيويورك تايمز”، نفسها عندما تحدثت عن أن الغضب العراقي من وجود قواعد إسرائيلية قد يهدد الجهود الأميركية الرامية إلى الحد من النفوذ الإيراني داخل العراق.
عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، ياسر إسكندر وتوت، قال إن ما حصل لا يتعلق بإنشاء قاعدة جديدة، بل بهبوط قوة إسرائيلية في مهبط قديم يعود إلى حقبة نظام صدام حسين. وبحسب روايته، فإن القوة الإسرائيلية كانت تبحث عن مواقع انطلاق الطائرات المسيّرة من العراق، وإن القوات العراقية عندما وصلت إلى المكان لم تجد الإسرائيليين، لكنها عثرت على بقايا طعام ومخلفات.
هذا التوصيف يحاول نقل القضية من فكرة “القاعدة الثابتة” إلى “العملية المؤقتة”، لكنه يقر ضمناً بأن قوة إسرائيلية دخلت فعلاً إلى العمق العراقي، وتحركت فيه قبل أن تنسحب.
أما الحكومة العراقية، فقد بدت أكثر ميلاً إلى تبريد الملف سياسياً. حسين علاوي، مستشار رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، قال إن ما حدث كان مجرد “إنزال جوي”، لمحاولة التقاط شيء سقط من السماء خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وإن معلومات استخبارية من “راعٍ للأغنام”، أفشلت العملية بعد تحرك القوات العراقية نحو الموقع.
علاوي انتقد أيضاً ما نشرته “وول ستريت جورنال”، معتبراً أن الصحيفة “تحاول إثارة قضايا”، وأن الدولة العراقية تعاملت مع الحادثة عبر القنوات العسكرية والدبلوماسية مع واشنطن والتحالف الدولي.
لكن اللافت في حديث علاوي أنه، على رغم نفيه وجود “قاعدة”، أقر بوجود حادثة أمنية فعلية وبوجود قوة أجنبية تحركت في الصحراء العراقية، ما يعني أن الخلاف لا يدور حول أصل الحادثة، بل حول توصيفها وحجمها.
كما اعتبر علاوي أن إعادة إثارة الملف إعلامياً تهدف إلى “خلق فجوة بين القوات المسلحة العراقية والمواطن العراقي”، في إشارة إلى حساسية الرأي العام تجاه أي اختراق خارجي للبلاد.
وفي السياق، نفى قائد عمليات كربلاء علي غازي الهاشمي وجود أي قواعد أو معسكرات إسرائيلية في صحراء النجف وكربلاء، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن “القوة التي كانت في صحراء النجف بشهر آذار/ مارس هي قوة إسرائيلية ولم تبق أكثر من 48 ساعة”.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر وضوحاً في الرواية العراقية، الجميع تقريباً ينفي وجود “قواعد”، لكن عدداً من المسؤولين يقرون بوجود قوات إسرائيلية أو عمليات إسرائيلية على الأرض العراقية، أي أن الخلاف الحقيقي لم يعد حول “هل حدث الأمر؟”، بل حول “ما طبيعة ما حدث؟”.
لكن جوهر القضية لا يتوقف عند احتمال وجود قاعدة مخفية أو تحرك قوة أجنبية عبر الصحراء، بل يتجاوز ذلك إلى ما كشفته الحادثة من هشاشة البنية الأمنية التي سعى العراق طوال السنوات الماضية إلى ترميمها بعد الحرب على داعش. فالدولة التي أعلنت أكثر من مرة استعادة سيطرتها على كامل أراضيها، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً، حدود شاسعة، وصحارى مفتوحة، وسماء لا تملك بغداد السيطرة الكاملة عليها، فيما تتحول الجغرافيا العراقية مجدداً إلى مساحة تتقاطع فوقها حسابات القوى الإقليمية والدولية.
تبدو الصحراء العراقية من جديد كأنها عادت إلى دورها التقليدي كساحة صراع غير معلن، حيث تتداخل الحسابات العسكرية والاستخبارية للدول الفاعلة في المنطقة، وتتحرك الأطراف المختلفة ضمن فراغات أمنية تفرضها طبيعة الأرض أكثر مما تفرضها خرائط السيادة. وهكذا يظهر العراق في موقع شديد الحساسية، بين نفوذ إقليمي متشابك وضغوط دولية متقاطعة، في بيئة لا تمنحه القدرة الكاملة على ضبط كل مساراتها.
في هذا التداخل، تجد بغداد نفسها أمام معادلة سياسية وأمنية ضيقة الهامش، إما الاعتراف بحجم الاختراق وما يحمله ذلك من تبعات سيادية ثقيلة، أو التعامل معه بوصفه حادثة محدودة، مع ما يرافق ذلك من مخاطر التشكيك بالقدرة على الإمساك بالأرض والمجال الجوي معاً. وفي الحالتين، يبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على تحويل سيادتها من إعلان سياسي إلى واقع عملي قابل للفرض.
وفي المحصلة، لا تتعلق خطورة ما حدث فقط بصحة الروايات المتداولة أو بتضارب التفسيرات الرسمية والدولية، بل بما إذا كان العراق يمتلك فعلاً القدرة على فرض معادلة سيادية متماسكة تمنع تحويل أراضيه إلى ساحة تشغيل أو عبور في صراعات الآخرين. إذ إن ما ظهر حتى الآن قد لا يكون سوى الجزء المرئي من صورة أوسع وأكثر تعقيداً لم تتكشف بعد بالكامل.
أنجز هذا المحتوى بدعم من برنامج قريب الممول من الوكالة الفرنسية للتنمية AFD وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية CFI.