ملخص
أسهم النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، على رغم اختلالاته، في منع الحروب بين القوى الكبرى، والحد من الانتشار النووي، وحماية حرية الملاحة، وتعزيز الازدهار والديمقراطية عالمياً. ويهدد انسحاب واشنطن من دورها القيادي بتقويض هذه المكاسب وفتح المجال أمام العدوان والصراعات والانتشار النووي، فيما يتطلب الحفاظ على النظام إصلاحه، وزيادة إسهامات الحلفاء، وتحديث مؤسساته، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية التي أضعفت التأييد الشعبي له.
لا يتفق الأميركيون هذه الأيام إلا على نقاط قليلة جداً في ما يتعلق بالسياسة والعلاقات الدولية، بيد أن هناك إجماعاً متزايداً حول نقطتين أساسيتين: الأولى أن النظام الدولي الليبرالي القائم منذ زمن طويل، الذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية، واستند إلى منظومة من التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة، والمؤسسات متعددة الأطراف، والتجارة المفتوحة نسبياً، والدفاع عن القواعد والأعراف مثل سيادة الدول وعدم الاعتداء وحرية الملاحة، قد مات ودُفن، ووفقاً لهذا المنطق، كان هذا النظام آخذاً في التراجع منذ فترة، لكن إدارة ترمب الثانية تثبت أنها المسمار الأخير في نعشه.
أما النقطة الثانية التي يزداد حولها الإجماع فهي أن إعادة تشكيل هذا النظام بصورة جذرية أصبحت ضرورة ملحة، فالدور الأميركي في الحفاظ على النظام القديم أصبح غير مُجد وغير قابل للاستمرار، وكان ينبغي منذ زمن طويل أن يتخلى الأميركيون عن الأعباء اللازمة لمحاولة الحفاظ عليه، لكن المشكلة في هذا المنطق أن أياً من هذين الادعاءين غير صحيح، وأن التعامل معهما كما لو كانا صحيحين قد يحوّل هذا التصور الخاطئ إلى واقع خطر، فالرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يؤمن بالتأكيد بنظام ليبرالي قائم على القواعد وتقوده الولايات المتحدة، وليس هناك ما يضمن أن هذا النظام سيصمد أمام أربعة أعوام من الأضرار التي تُلحقها به إدارته، وفي الوقت نفسه، سيكون من السابق لأوانه الاستسلام للاستنتاج الحتمي بأنه لا أمل في عودة قيادة أميركية أكثر التزاماً بالمبادئ وأكثر موثوقية بعد ترمب، الذي تُذكّر سياساته أميركيين كثيرين اليوم بما يخسرونه عند التخلي عن مثل هذا النوع من القيادة، وسيكون أكثر تضليلاً الافتراض أنه إذا كان النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة يحتضر فعلاً، فلن يفتقده العالم بشدة عندما يختفي، ولإعادة صياغة ما قاله رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ذات مرة عن الديمقراطية، فإن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة هو على الأرجح أسوأ الأنظمة الممكنة، باستثناء جميع الأنظمة الأخرى التي جُرّبت من قبل.
وقد يتساءل المتشككون، أو في الحقيقة أي مراقب نزيه، إلى أي درجة كان النظام الليبرالي القائم على القواعد موجوداً فعلياً، فمن السهل إعداد قائمة طويلة من الأمثلة التي تُظهر كيف جرى التحايل على القواعد أو انتهاكها أو تجاهلها، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة نفسها، وكما أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه التاريخي أمام “المنتدى الاقتصادي العالمي” في دافوس في يناير (كانون الثاني) 2026، فإن فكرة وجود نظام قائم على القواعد كانت دائماً “صحيحة جزئياً وحسب”، فالدول الأقوى في العالم كانت باستمرار “تعفي نفسها من الالتزام متى ما كان ذلك مناسباً لها”، وكانت قواعد التجارة “تُطبق بصورة غير متكافئة”، وكان القانون الدولي “يُطبق بدرجات متفاوتة من الصرامة اعتماداً على هوية المتهم أو الضحية”، وفي الوقت نفسه، كما أقر كارني أيضاً، فإن النظام الدولي الليبرالي كان كذلك صحيحاً جزئياً، وعلى مدى ثمانية عقود ساعدت الهيمنة الأميركية في “توفير المنافع العامة العالمية، والممرات البحرية المفتوحة، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي، ودعم أطر حل النزاعات”، وخلال تلك الفترة تبنّت الولايات المتحدة وحافظت على رؤية واسعة ومستنيرة، غير مسبوقة تاريخياً بين القوى العظمى، مفادها أن من مصلحتها الوطنية أن تكون الدول الأخرى آمنة ومزدهرة وحرة، وقد منح هذا التصور بدوره الدول الأخرى مصلحة في دعم القيادة الأميركية والنظام المرتبط بها.
إن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والسائد منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، تخللته الحروب والظلم وعدم المساواة وغيرها من الفظائع، لكنه في الوقت نفسه شكّل الأساس لأكثر من 80 عاماً من الاستقرار والأمن والازدهار في تاريخ العالم، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير لأن كل رئيس أميركي قبل ترمب كان يؤمن بهذا النظام، ويدافع عنه، ويحظى بالدعم الشعبي اللازم للقيام بذلك، وبدلاً من قبول زواله بلا مبالاة، فضلاً عن الاحتفاء بذلك أو الإسهام فيه، ينبغي على الرئيس الأميركي الذي سيأتي بعد ترمب أن يعمل على تحديث فكرة عالم مستنير تقوده الولايات المتحدة، وتحسينها والترويج لها، عالم لا تزال فيه القيادة والقواعد والقيم والمؤسسات والأعراف ذات أهمية.
الجوانب المشرقة
في فيلم “مونتي بايثون: حياة براين” عام 1979، الذي تدور أحداثه عام 33 ميلادي، طرح ريغ، الشخصية التي يؤدي دورها الممثل الكوميدي جون كليز، سؤالاً شهيراً على رفاقه في جماعة مقاومة يهودية مناهضة للرومان “ما الذي قدّمه الرومان لنا؟”، فبدأ الآخرون بذكر القنوات المائية والصرف الصحي والطرق والري والطب والتعليم والنظام العام وحتى النبيذ، فوجد ريغ نفسه مضطراً إلى القول “حسناً، باستثناء الصرف الصحي والطب والتعليم، ما الذي فعله الرومان من أجلنا؟”
ويمكن إطلاق نكتة مشابهة على النقاد الأميركيين الذين يتجاهلون فوائد القيادة العالمية الأميركية على مدى الأعوام الـ 80 الماضية، فباستثناء تجنب الحروب بين القوى العظمى للمرة الأولى في التاريخ، والحفاظ على الممرات البحرية مفتوحة، والحد من انتشار الأسلحة النووية، وتعزيز ازدهار غير مسبوق، ودعم الديمقراطية، ومنح الولايات المتحدة المزايا الفريدة المترتبة على مكانتها العالمية المتفوقة، ماذا قدّم النظام الذي تقوده الولايات المتحدة للأميركيين؟
إن قول ذلك لا يعني تجاهل الصراعات والمظالم والنفاق الذي اتسمت به العقود الثمانية الماضية، بل هو إشارة إلى أن تلك الفترة كانت أكثر إيجابية من أي فترة سابقة في التاريخ، ولنأخذ مثلاً منع الحروب بين القوى العظمى، فخلال الأعوام الـ 80 التي سبقت عام 1945، أو خلال أي فترة مماثلة قبل ذلك، كانت أقوى دول العالم تخوض الحروب بصورة منتظمة ومتكررة، مسببة دماراً هائلاً للبشرية، فقد أودت الحربان العالميتان الأولى والثانية وحدهما بحياة نحو 100 مليون شخص، ووفقاً لهذا المعيار، تُعد الأعوام الـ 80 الماضية أفضل حالاً بكثير.
ولا شك في أن ما سماه المؤرخ جون لويس غاديس “السلام الطويل” الذي أعقب الحرب العالمية الثانية كان يعود جزئياً لتأثير الردع الذي أحدثته الأسلحة النووية، وقد تزامن اختراعها مع فجر النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وكما أشار عالم السياسة جون مولر، فإن السبب يعود أيضاً للحقيقة البسيطة المتمثلة في أن التكنولوجيا العسكرية الحديثة، حتى بمعزل عن الأسلحة النووية، تجعل الحرب كارثية لدرجة تثني القوى العظمى عن شنّها ضد بعضها، لكن جزءاً كبيراً من هذا السلام الطويل يعود أيضاً للحضور العسكري الأميركي وقوّته، وإلى شبكة التحالفات والاتفاقات الدفاعية المنتشرة في جميع أنحاء العالم، التي ردعت أشكال العدوان الإقليمي والحروب بين القوى العظمى التي كانت شائعة في السابق.
ويشكل منع انتشار الأسلحة النووية مثالاً آخر على ذلك، فالتحذير الشهير الذي أطلقه الرئيس الأميركي جون إف. كينيدي عام 1963 من أن العالم قد يضمّ ما بين 15 إلى 25 دولة نووية بحلول سبعينيات القرن الـ 20، وهي فكرة ظلّت تطارده، لم يكن احتمالاً مستبعداً، وقد وافقه الرأي كثير من الخبراء وأجهزة الاستخبارات.
لكن ذلك لم يحدث، ليس لعدم توافر المعرفة أو المواد أو التكنولوجيا النووية للدول، بل لأن الولايات المتحدة قدمت ضمانات أمنية موثوقة لكثير من الدول التي ربما كانت ستنظر في خيار امتلاك السلاح النووي، وأنشأت مؤسسات عدة الأطراف لحرمان الخصوم المحتملين من الوصول إلى هذه القدرات، ولم يكن هذا النظام مثالياً، إذ طوّرت خمس دول أسلحة نووية بعد تحذير كينيدي، لكن جرى ردع دول أخرى عن اتخاذ هذا المسار أو تقديم حوافز لها للامتناع منه، وربما لا يؤدي الانتشار الأوسع للأسلحة النووية بالضرورة إلى استخدامها أو إلى وقوع حوادث أو تهديدات إرهابية، لكنه ليس رهاناً يستحق المجازفة.
كذلك أسهم النظام الدولي الليبرالي، المرتكز على الضمانات الأمنية الأميركية التي وافرت الاستقرار لأجزاء واسعة من أوروبا وآسيا، وعلى الممرات البحرية المفتوحة أمام العالم بأسره، وعلى المؤسسات التي تقودها الولايات المتحدة، مثل “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” و”منظمة التجارة العالمية”، في تحقيق أكبر توسع للازدهار العالمي في التاريخ، وقد يزعم النقاد أن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة لم يعد بالنفع إلا على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية المتقدمة، وأن ثمار النمو الاقتصادي لم تكن موزعة بالتساوي بين الدول وداخلها، لكن الناتج المحلي الإجمالي العالمي ازداد منذ عام 1945 وحتى اليوم بأكثر من 10 أضعاف، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة لارتفاع مستويات الثروة في ما كان يُعرف بالدول النامية، وكذلك تضاعف متوسط الدخل العالمي ثلاث مرات، وانخفضت نسبة البشر الذين يعيشون في فقر مدقع من 60 في المئة عام 1950 إلى 10 في المئة عام 2025، وأدى ارتفاع الدخل العالمي إلى انتشال أكثر من مليار شخص من براثن الفقر، فيما نمت الطبقة الوسطى العالمية لتشمل أكثر من نصف سكان العالم، وارتفع متوسط العمر المتوقع من 46 سنة عام 1950 إلى 73 سنة عام 2024، ولا يمكن أن يعزى هذا النمو الاقتصادي بالكامل إلى النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، لكن ذلك النظام وافر ظروفاً مواتية بصورة استثنائية لحدوثه.
فضلاً عن ذلك، ساعدت القيادة العالمية الأميركية في تعزيز أكبر توسع في الحرية الفردية والديمقراطية شهده العالم على الإطلاق، ففي عام 1945 كان معظم سكان العالم يعيشون تحت أنظمة استبدادية، وبحلول تسعينيات القرن الـ 20 تجاوز عدد الدول الديمقراطية نصف دول العالم، وبحلول عام 2016 ارتفعت النسبة إلى ست دول من كل 10، وحتى مع التراجع الديمقراطي الذي شهده العقد الماضي، لا يزال العالم أكثر ديمقراطية بكثير مما كان عليه في أية حقبة سابقة، وغالباً ما استخدمت الولايات المتحدة قوتها العظمى لخدمة مصالحها الخاصة، لكنها مع ذلك قدمت نموذجاً يُحتذى به، وأتاحت مجالاً أوسع لتعزيز المجتمعات المنفتحة، وسيادة القانون وحقوق الإنسان على نطاق يتجاوز بكثير أية تجربة تاريخية سابقة.
النظام لم يمت بعد
قد يُقر بعض منتقدي النظام الذي تقوده الولايات المتحدة بأنه كان مفيداً للعالم، لكنهم يعتقدون أنه شكّل استنزافاً مستمراً للموارد الأميركية يفوق ما يمكن تحمله، فقد بنى ترمب حملته الرئاسية عام 2024 على سردية مفادها أن الولايات المتحدة ضعيفة وفي حال تراجع عالمي، ويبدو أن كثيراً من الناخبين صدقوا ذلك، ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة “غالوب” في فبراير (شباط) 2024، فإن نسبة الأميركيين الراضين عن مكانة الولايات المتحدة في العالم لم تتجاوز 33 في المئة، وهو انخفاض بمقدار 20 نقطة مئوية، مقارنة بما كان عليه الحال قبل أربعة أعوام فقط، ويشعر أميركيون كثر بأن النظام الدولي الذي سبق ترمب لم يخدم الولايات المتحدة على النحو الأمثل، وأصبحوا مقتنعين بأن بلادهم لم تعد قادرة على أداء دور قيادي عالمي.
لكن مراجعة الوقائع تكشف أن هذين الافتراضين لا أساس متين لهما، فقد فاق النمو الاقتصادي الأميركي خلال العقدين الماضيين نظيره في الدول الغنية الأخرى بفارق كبير، وكان الاقتصاد الذي ورثه ترمب هو ما وصفته مجلة “إيكونيميست” في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بأنه “موضع حسد العالم”، ففي حين كان اقتصاد الاتحاد الأوروبي عام 2008 أكبر من اقتصاد الولايات المتحدة، أصبح الناتج المحلي الإجمالي الأميركي اليوم أعلى بأكثر من 40 في المئة من نظيره في الاتحاد الأوروبي، وأكثر من سبعة أضعاف ناتج اليابان، أما التوقعات التي كانت شائعة في السابق بأن الصين ستتفوق اقتصادياً على الولايات المتحدة قريباً، فقد تلاشت إلى حد كبير، بعد انتهاء مسار النمو الاقتصادي الصيني ذي الأرقام المكونة من خانتين، والذي استمر لعقود، ومواجهة اقتصادها تحديات ديموغرافية وضعفاً في الاستهلاك وتضخماً في سوق العقارات، وكذلك الاقتصاد الروسي، الذي كان أضعف بكثير أصلاً، تعرّض لأضرار جسيمة بسبب العقوبات والقيود على الصادرات وأكثر من أربعة أعوام من الحرب، لدرجة أن موازنة الدفاع الأميركية وحدها باتت تعادل الآن نصف إجمال الناتج المحلي الروسي، ومن الواضح أن الولايات المتحدة تواجه مشكلات اقتصادية حقيقية، ولا سيما تزايد عدم المساواة وارتفاع الديون، لكنها لا تزال تمثل 26 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي أعلى حصة لها منذ ما يقارب عقدين، وتقارب المستوى الذي كانت عليه في نهاية عهد إدارة ريغان.
وتؤكد مؤشرات أخرى للقوة النسبية مدى متانة مكانة واشنطن عالمياً، فالقوة العسكرية الأميركية تتفوق على قوة أية دولة أخرى، إذ تتجاوز موازنتها الدفاعية ثلاثة أضعاف موازنة الصين، وتفوق مجموع الإنفاق الدفاعي للدول الـ 10 الأعلى إنفاقاً بعدها، وكذلك بلغ إنتاج الولايات المتحدة من الطاقة مستوى قياسياً، فهي تتصدر العالم في إنتاج النفط والغاز الطبيعي بـ 20 و25 في المئة على التوالي، وتهيمن شركات التكنولوجيا الأميركية على الأسواق العالمية، وتتفوق بصورة كبيرة على منافسيها في مجال الذكاء الاصطناعي، ويُستخدم الدولار الأميركي في نحو 90 في المئة من تعاملات الصرف الأجنبي، ويشكل نحو 60 في المئة من احتياطات النقد الأجنبي العالمية، مما يمنح واشنطن قدرة واسعة على فرض العقوبات وتجميد الأصول وتغطية عجزها المالي عبر الاقتراض.
ولا تزال الولايات المتحدة تواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة، ومثلما أن سياسات ترمب، ولا سيما الرسوم الجمركية المولدة للتضخم، وتقليص التمويل المخصص لأهم المؤسسات البحثية، والقيود العشوائية على الهجرة، وإضعاف المعايير الديمقراطية وسيادة القانون، تُلحق ضرراً بالغاً بمصادر القوة الأميركية، لكن فكرة أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على أداء دور قيادي عالمي، أو أن ممارستها لهذا الدور على مدى الأعوام الـ 80 الماضية لم تخدم مصالحها، هي فكرة لا تدعمها الحقائق.
هل يستحق الأمر كل هذه المخاطرة؟
مع تزايد شعور الأميركيين بالإرهاق من دور بلادهم العالمي، أصبحت حصيلة النظام الذي تقوده الولايات المتحدة ونتائجه عرضة لانتقادات حادة ومتزايدة من مختلف أطياف المشهد السياسي، فاليمين الأميركي، الذي كان يوماً ذا نزعة دولية، باتت تهيمن عليه اليوم إلى حد كبير تيارات موالية لترمب وأنصار شعار “أميركا أولاً”، يعتقد أن نخب السياسة الخارجية الأميركية قد أهدرت كميات هائلة من الدماء، وثروات طائلة سعياً وراء “هيمنة أميركية دائمة على العالم بأسره”، وفقاً لما ورد في إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025، وعلى النقيض من قادة أميركا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مثل الرئيس هاري ترومان أو وزيري خارجيته دين أتشيسون وجورج مارشال، ينظر ترمب إلى العالم بمنطق الربح والخسارة، فهو لا يبدي تقديراً يُذكر لمفاهيم مثل المنافع العامة أو المجالات المشتركة عالمياً مثل البحار والممرات الدولية، ولا ينظر إلى التحالفات على أنها مصدر قوة إضافية، بل باعتبارها آليات تستغل من خلالها الدول الحليفة الولايات المتحدة، ولا يضمر سوى الازدراء للمؤسسات متعددة الأطراف والقواعد والقوانين والأعراف.
أما في اليسار الأميركي فتوجد انتقادات مختلفة لكنها تتقاطع جزئياً مع هذا الطرح، إذ ترى أن تاريخ النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة هو تاريخ من السعي غير الضروري إلى الهيمنة، والإنفاق الدفاعي المفرط، والتدخلات العسكرية الفاشلة، والنفاق، وإهمال حقوق الإنسان، ويُقرّ كثير من التقدميين بالتحديات التي يفرضها خصوم الولايات المتحدة المختلفون، لكنهم غالباً ما يُلقون اللوم على السياسات والاستفزازات الأميركية، بقدر ما يُلقون اللوم على الخصوم أنفسهم، ويشيرون إلى أن الإنفاق الدفاعي الأميركي المرتفع شجع الحلفاء على الاستفادة المجانية من الحماية الأميركية، وجاء على حساب العمال الأميركيين، وأن القواعد الأميركية في الخارج وفرت أهدافاً لأعداء واشنطن بقدر ما أسهمت في ردعهم، ولهذا يشكك هؤلاء النقاد في قدرة الولايات المتحدة على ممارسة قيادة عالمية مسؤولة، ويعارضون مستويات الإنفاق الدفاعي التي تتطلبها تلك القيادة.
وبالطبع هناك اختلافات هائلة بين هاتين المدرستين الفكريتين، وداخل كل منهما أيضاً، لكن القاسم المشترك بينهما هو أن أياً منهما لا يعتقد أن استمرار النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة يصب في مصلحتها، ويميلان إلى التعامل مع فوائد القيادة الأميركية وكأنها مكاسب مضمونة، ويعجزان عن إدراك الأخطار التي قد تلوح إذا تخلى الأميركيون عنها.
سيكون الخطر الأكبر، في عالم تغيب عنه الولايات المتحدة القوية والملتزمة بحلفائها وبالقواعد والأعراف الدولية، أن تصبح كلفة العدوان أقل، وأن يرتفع تبعاً لذلك احتمال اندلاع صراعات كبرى، وكما أظهر الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، فإن الاستيلاء الصريح على أراضي الغير لم يختفِ من العالم، وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأن الدول الطموحة أو القلقة على أمنها لن تسعى إلى استغلال تراجع القوة العسكرية الأميركية، وضعف التزاماتها الأمنية.
يحب ترمب أن يتباهى، في الحديث عن نجاحه في دفع حلفاء الـ “ناتو” إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي، غير أن جعل الالتزام الدفاعي الأميركي مشروطاً، مع تقليص القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا، سيجعل القارة بأسرها أقل أمناً، وقد يدفع روسيا إلى الاعتقاد بأنها قادرة على الإفلات من تبعات عدوان جديد يتجاوز أوكرانيا، وكذلك فإذا لم تعد الالتزامات الأمنية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ مدعومة بقوات عسكرية موثوقة، فقد ينهار الردع الذي تعتمد عليه اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان.
أما فيما يتعلق بحرب ترمب الاختيارية في إيران من المحت انه إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها من الشرق الأوسط وتركت خصومها وشأنهم، فلا شيء في التاريخ يشير إلى أن هذه الدول ستتعايش بسلام، أو إلى أن الولايات المتحدة ستكون بمنأى عن العواقب إذا لم تفعل.
لا يوجد أي ضمان بأن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة سينجو من عهد ترمب
ومن بين الأمور المعرضة للخطر أيضاً المنافع العامة الحيوية، مثل حرية الملاحة البحرية، وهي منافع أصبحت تُعتبر من المسلّمات منذ أن تبنت الولايات المتحدة مبدأ حرية الملاحة بعد الحرب العالمية الثانية، وبنت أسطولها البحري لإنفاذه، وقد تلقى المشككون في هذا الدور تذكيراً قوياً بأهميته عندما ردت إيران على الهجمات الأميركية في فبراير الماضي بإغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود والسلع الأساسية الأخرى، فعلى مدى أكثر من 40 عاماً، نجحت القوات الأميركية في المنطقة في ردع إيران عن إغلاق المضيق حتى في أوقات التوتر والصراع، إلى أن شن ترمب الحرب. وفي غضون أسابيع ارتفعت أسعار المحروقات في أميركا 50 في المئة، واضطرت بعض الدول الآسيوية إلى تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع، بسبب نقص الوقود، ولم تتوافر للمزارعين في أفريقيا ومناطق أخرى الأسمدة اللازمة للزراعة الربيعية، وأصبح الاقتصاد العالمي بأكمله معرضاً للخطر بسبب موجة التضخم، وارتفاع أسعار الفائدة، وإذا تخلت الولايات المتحدة الآن عن مبدأ حرية الملاحة أو عن الوسائل اللازمة لإنفاذه، فإن ممرات مائية رئيسة أخرى، بما في ذلك مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي وقناة السويس، ستصبح عرضة إما لهيمنة قوى معادية، أو لصراعات بين القوى المتنافسة.
ولمن يقول إن الحفاظ على هذا الدور مكلف للغاية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فيشار إلى أن انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنسبة واحد في المئة، الذي يمكن أن ينتج بسهولة من إغلاق أي من هذه الممرات المائية الرئيسة، سيكلف الأميركيين أكثر من 300 مليار دولار في عام واحد، أما صدمة مماثلة للاقتصاد العالمي فستكلف أكثر من 10 تريليونات دولار.
وكذلك لا يمكن الافتراض بأن كابوس كينيدي المتمثل في مزيد من الانتشار النووي يمكن تجنبه، بل إن الشكوك المتزايدة حول استمرار الالتزامات الأمنية الأميركية ربما تكون قد مهدت الطريق بالفعل لمثل هذا الانتشار، فأكثر من 75 في المئة من الكوريين الجنوبيين يؤيدون الآن تطوير ترسانة نووية مستقلة، وقد اقترح الرئيس البولندي كارول ناوروتسكي أن تطور بلاده أسلحتها النووية الخاصة، بينما تسعى ألمانيا إلى تعزيز التعاون النووي مع فرنسا والمملكة المتحدة، أما ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي وقّعت بلاده اتفاق دفاع شامل مع باكستان المسلحة نووياً في سبتمبر (أيلول) 2025، فقد صرّح منذ عام 2018 بأن السعودية ستطوّر سلاحاً نووياً خاصاً بها “في أسرع وقت ممكن”، إذا فعلت إيران ذلك، وأعلن وزير الخارجية التركي في فبراير من هذا العام أن تركيا وغيرها من دول المنطقة قد تنظر في الخيار نفسه، وحتى اليابان، الضحية الوحيدة في العالم التي استُخدمت الأسلحة النووية ضدها حتى الآن، بدأت تناقش الحاجة إلى قوة ردع نووية مستقلة.
إن طريقة تعامل إدارة ترمب لحرب إيران لا ينفي حقيقة أن الجمهورية الإسلامية ربما كانت قد امتلكت أسلحة نووية منذ زمن بعيد، لولا قدرة الولايات المتحدة على منعها من ذلك، ويميل منتقدو النظام الذي تقوده الولايات المتحدة إلى التقليل من شأن هذه الأخطار أو تجاهلها، آملين بأنه إذا قلصت واشنطن دورها فستتولى دول أخرى زمام المبادرة لملء الفراغ، ويعتقد بعضهم أن الدول ستعترف بمجالات نفوذ القوى العظمى، وبالتالي ستتجنب الصراع، لكن في الحقيقة لا يوجد بديل لما تقدمه الولايات المتحدة، ومن خلال اعتبار السلام النسبي والازدهار والاستقرار أموراً مضمونة ومفروغاً منها، والتركيز فقط على كُلف القيادة الأميركية بدلاً من فوائدها، فإن هؤلاء المنتقدين يتجاهلون دروساً كثيرة من القرن الـ 20، ويطرحون رهاناً استثنائياً مفاده أن تلك الدروس لم تعد تنطبق على عالم اليوم.
لا تهدمه بل أصلحه
لا يوجد أي ضمان بأن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة سينجو من عهد ترمب، وهو يوجه ضربات قاسية إلى معظم ركائزه الأساس، ويقوض بصورة شاملة المؤسسات والمبادئ والثقة في الولايات المتحدة التي يعتمد عليها هذا النظام، وفي الواقع يجسد ترمب المواقف الأميركية بقدر ما يؤثر في تشكيلها، وبعد انتخابه مرتين لم يعد بإمكان أحد الادعاء بأن الترمبية ظاهرة عابرة، وكما كتبنا، أنا ومارا كارلين، في مجلة “فورين أفيرز” خلال وقت سابق من هذا العام، فسيكون من الإهمال ألا يبادر حلفاء واشنطن إلى الاستعداد بإلحاح لعالم قد لا يشهد عودة القيادة الأميركية المسؤولة مرة أخرى، وكذلك فإن الأميركيين الذين يؤمنون بمثل هذه القيادة العالمية ليسوا في موقع يسمح لهم بأن يعدوا بعودتها حتماً.
لكن ليس على الأميركيين أن يتقبلوا هذا المستقبل باعتباره أمراً محتوماً، فبدلاً من القبول الاستسلامي بفكرة أن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة قد مات ولا يمكن إحياؤه، ينبغي على الرئيس القادم أن يُذكر الأميركيين بقيمته، وأن يعترف بأوجه قصوره، وأن يطرح رؤية جديدة للقيادة الأميركية، فالولايات المتحدة بعد ترمب ينبغي أن تسعى إلى إصلاح النظام العالمي الذي تقوده، لا أن تتنصل من مسؤولياتها في الحفاظ عليه، وستكون الخطوة الأولى في هذا المسار هي اقتراح اتفاق جديد مع الحلفاء، ولمعالجة المخاوف المشروعة من أن نظام التحالفات القديم فرض أعباء غير عادلة على الولايات المتحدة، فسيتعين على الترتيب الجديد أن يتضمن إسهامات أكبر من جانب الحلفاء، سواء للتعامل مع التهديدات المتزايدة، أو لجعل التحالفات قابلة للاستمرار سياسياً داخل واشنطن، ولحسن الحظ فإن عملية تقاسم الأعباء بصورة أكبر قد بدأت بالفعل، ومن المرجح أن تستمر، وحتى لو كانت الإدارة الأميركية المقبلة تؤمن إيماناً راسخاً بقيمة شراكات الولايات المتحدة، فإن الحلفاء سيدركون أن العودة المحتملة لسياسة خارجية ترمبية لا تفصلهم عنها سوى دورة انتخابية واحدة، ففي نهاية المطاف هذا ما ظل المسؤولون الأميركيون يحذرون منه حلفاءهم لأعوام، أثناء مطالبتهم بتقاسم أكبر للأعباء، أما الآن فقد أصبحت لدى تلك الدول أسباب وجيهة لأخذ ذلك التحذير على محمل الجد.
وسيتعين أيضاً تحديث نظام التحالفات الأميركية ليواكب التحديات العالمية الأكثر ترجيحاً في الربع الثاني من القرن الـ 21، وتشمل هذه التحديات التنافس بين القوى العظمى، ولا سيما الصين وروسيا، وتنامي التعاون بين هاتين القوتين وخصوم آخرين مثل إيران وكوريا الشمالية، وظهور الذكاء الاصطناعي العام، والحاجة إلى تعزيز مرونة سلاسل التوريد وصمود قاعدة الصناعات الدفاعية الأميركية، فضلاً عن آثار التغير المناخي، ولتحقيق ذلك وتعزيز الروابط بين حلفاء الولايات المتحدة في المناطق المختلفة، يمكن توسيع “مجموعة السبع” لتشمل شركاء مثل أستراليا وكوريا الجنوبية، ومنحها صلاحية التعامل مع ضوابط التصدير المرتبطة بالأمن القومي، والقيود على الاستثمارات الخارجية، والاستجابات الجماعية للإكراه الاقتصادي، ومن المرجح أن رئيساً أميركياً جديداً، يعيد تأكيد التزام الولايات المتحدة بالضمانات الأمنية الراسخة التي أسهمت في ردع العدوان لعقود، ويعامل الحلفاء مجدداً بثقة واحترام، سيُستقبل بحماسة كبيرة، باعتباره قائداً لهذا التحالف المُحدث.
وسيتعين على الرئيس الأميركي القادم أيضاً أن يُظهر احتراماً للقواعد والأعراف والمؤسسات …، وربما كان الادعاء بأن الرؤساء الأميركيين السابقين التزموا دائماً بهذه القواعد مبالغاً فيه، لكن لم يسبق لأي رئيس أن بلغ درجة الاستخفاف بالقوانين محلياً ودولياً التي يُظهرها ترمب، فجميع القوى العظمى ستميل إلى استغلال النظام الدولي لمصلحتها، ولن يكون أي نظام متعدد الأطراف قوياً بما يكفي لضمان الاحترام الكامل لجميع القواعد والقوانين الدولية، لكن التخلي التام عن المؤسسات والقواعد والقانون الدولي والأعراف في عالم يسوده منطق “القوة تصنع الحق”، سيكون مدخلاً إلى الظلم وتجدد الصراعات بين القوى العظمى.
كذلك سيتعين على النظام العالمي المتجدد الذي تقوده الولايات المتحدة أن يعالج الاختلالات والتفاوتات الاقتصادية العالمية التي أسهمت كثيراً في تراجع التأييد للنظام القديم، ولن يكون ممكناً العودة لعالم كانت تُقدم فيه العولمة واتفاقات التجارة الحرة على أنهما طريق إلى الازدهار للجميع، من دون الاعتراف بجوانبهما السلبية، مثل الاختلالات التجارية مع الصين، وتراجع الوظائف الصناعية في بعض المجتمعات الأميركية، لكن سيكون من الضروري أيضاً التراجع عن المبالغة في التصحيح التي حدثت خلال العقد الماضي، بخاصة خلال ولاية ترمب الثانية، حين أصبحت كلمة “تجارة” بحد ذاتها من المحرمات، وأدت الزيادات الضخمة في الرسوم الجمركية الأميركية إلى عرقلة التدفقات التجارية، ورفع الأسعار على المستهلكين، والفشل في استعادة الوظائف الصناعية، وتقليص مداخيل المزارعين، وخلق حال هائلة من عدم اليقين الاقتصادي، من دون أن تؤدي إلى تغيير ملموس في العجز التجاري الإجمالي للبلاد.
أيضاً سيتعين على الرئيس القادم أن يكون صريحاً مع الشعب الأميركي، موضحاً أن الرسوم الجمركية ضريبة تُثقل كاهل الأميركيين، من ذوي الدخل الأدنى، أكثر من سواهم، وأن زيادة الإنتاجية والتقدم التكنولوجي لا التجارة، هما المسؤولان الأكبر عن تراجع قطاع التصنيع الأميركي خلال العقود الماضية، وأن المستفيدين الأكبر من الواردات منخفضة الكلفة هم الأسر ذات الدخل المحدود، وأن خفض الحواجز التجارية وفتح أسواق جديدة يمكن أن يخلق وظائف جيدة وعالية الأجر للأميركيين، وأن الحمائية والحروب الجمركية المتبادلة أقرب إلى درب الكساد الاقتصادي الكبير، كما في ثلاثينيات القرن الماضي، لا إلى الازدهار الهائل الذي شهدته الولايات المتحدة والعالم بعد الحرب العالمية الثانية.
وإذا تعذّر إصلاح “منظمة التجارة العالمية” وغيرها من المؤسسات القائمة، فينبغي للرئيس القادم أن يسعى إلى تطوير شراكات جديدة ومرنة ومتداخلة بين الدول ذات التوجهات المتشابهة، ويمكن لمثل هذه التكتلات أن تتفق على استخدام نفوذها الجماعي، فدول “مجموعة السبع” الحالية وحدها تمثل نحو 750 مليون نسمة و55 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي، لمعالجة قضايا مثل هشاشة سلاسل التوريد العالمية، والممارسات التجارية الصينية الجائرة، والإكراه الاقتصادي بصورة عامة، وسيكون هذا النهج أكثر منطقية بكثير من إقامة حواجز تجارية داخل هذه التكتلات، والسماح للصين باستغلال الخلافات بين أعضائها.
ينبغي للولايات المتحدة أن تكون مستعدة للبحث في إبرام اتفاقات تجارة ثنائية وإقليمية، لا تقتصر على خفض الحواجز أمام التجارة والاستثمار وحسب، بل تشمل أيضاً معايير قابلة للتنفيذ، تتعلق بحقوق العمال والدعم الحكومي وحماية البيئة، ومن خلال تعزيز الصادرات وجعل الواردات أقل كلفة، ستسهم هذه الاتفاقات في رفع مستويات المعيشة داخل الولايات المتحدة بصورة عامة، وستولد إيرادات يمكن استخدامها لمساعدة العمال في الانتقال إلى وظائف جديدة، وتوفير التدريب ورفع مستوى المهارات، والاستثمار في المجتمعات المحلية المتضررة من التجارة، بل إن ربط هذه الالتزامات الاستثمارية رسمياً باتفاقات التجارة نفسها، من شأنه أن يعزز الدعم السياسي المحلي لهذا النوع من الاتفاقات.
ويجب على الإدارة المقبلة أن تدرك استياء الرأي العام الأميركي من أعباء القيادة العالمية، والحروب التي لا تنتهي، وذلك بإظهار قدر أكبر من التعقل والتدبر في توظيف القوة العسكرية الأميركية، والسماح للكونغرس بأداء دوره الدستوري، فمشكلات النظام السابق لم تكن في الدخول العسكري والوجود الخارجي أصلاً، بل في الإفراط فيهما، والتمدد خارج حدودهما، فالولايات المتحدة تحتاج فعلاً إلى ردع الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا، لكنها لم تكن بحاجة إلى إنفاق 4 تريليونات دولار على مدى 20 عاماً، والتضحية بعدد لا يحصى من الأرواح، في محاولة لتحويل أفغانستان والعراق إلى ديمقراطيتين مواليتين لأميركا، فالولايات المتحدة بحاجة إلى بناء وصون تحالف عالمي للمساعدة في إنقاذ أوكرانيا من الاحتلال، وترسيخ مبدأ عدم الاعتداء، لكنها لم تكن بحاجة إلى شن حرب أحادية اختيارية في محاولة لتغيير النظام في إيران، في حين كانت البدائل الدبلوماسية متاحة.
وبطبيعة الحال لا تستطيع أية إدارة أن تتحلى دائماً بالحكمة المناسبة في مواجهة تحديات السياسة الخارجية الصعبة، لكن التخلي عن القدرة على الدفاع عن النظام الدولي، هو سبيل مؤكد لكارثة سيندم عليها الأميركيون لاحقاً.
لا تزال مستعدة للقيادة
قد يقر الأميركيون القلقون من التداعيات السياسية الداخلية، الناجمة عن الدفاع عن الدور القيادي العالمي للولايات المتحدة، بأن هذه القيادة منطقية من حيث الجوهر، لكنها غير قابلة للاستمرار سياسياً، لأنهم سئموا الأعباء التي تفرضها عليهم، ويشعرون بغياب نتائج ملموسة، وهذا ما فُهم على نطاق واسع من خلال فوز ترمب بولاية ثانية، ومع ذلك، وبعد أقل من عامين على بدء ولايته، بدأت نتائج سياساته الأحادية القائمة على الصفقات والخالية من القيم ترتد عليه سلباً، فهو الرئيس الأقل شعبية في هذه المرحلة من ولايته، مقارنة بأي رئيس سابق، وتُظهر استطلاعات الرأي الآن أن الدعم الأميركي للتحالفات والمشاركة الدولية بلغ أعلى مستوياته على الإطلاق، ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة “غالوب” أوائل فبراير الماضي، يعتقد 64 في المئة من الأميركيين أن على الولايات المتحدة أن تؤدي دوراً رئيساً أو قيادياً في حل المشكلات الدولية، وترى النسبة نفسها أنه من المهم أن تكون الولايات المتحدة القوة العسكرية العظمى الرائدة في العالم.
وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة “إبسوس” بالتعاون مع شبكة “إن بي آر” الإخبارية الأميركية في يناير الماضي أن 61 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن الولايات المتحدة يجب أن تكون القائد الأخلاقي للعالم، وإن كان 39 في المئة فقط يعتقدون أنها تؤدي هذا الدور بالفعل.
كذلك أظهر استطلاع آخر أجراه “مجلس شيكاغو للشؤون العالمية” في يوليو (تموز) 2025 أن ثمانية من كل 10 أميركيين يعتقدون أن التجارة الدولية تعود بالنفع على الولايات المتحدة، وأن اتفاقات التجارة الحرة تُسهم بفاعلية في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية، وبحلول نهاية ولاية ترمب الرئاسية عام 2029، قد تصبح الحجة في مصلحة رؤية أميركية قيادية مُحدثة للعالم، أقوى إقناعاً مما كانت عليه منذ أعوام.
وقد يجادل النقاد بأن الضرر الذي لحق بحلفاء الولايات المتحدة، بعد أن “خُدعوا مرتين”، قد يكون بالغاً إلى درجة تجعلهم غير قادرين على تصديق أية التزامات أميركية جديدة، تجاه الانضمام الدولي أو الردع أو المؤسسات أو القواعد، وفي الواقع فحتى بعد كل ما حدث منذ يناير 2025، أو ربما بسببه، فمن المرجح أن يستقبل الحلفاء حول العالم شكلاً جديداً من القيادة الأميركية بأذرع مفتوحة، أما خصوم واشنطن فهم الذين لن يرحبوا بذلك.
بعد الحرب العالمية الثانية، واجه القادة الأميركيون شكوكاً حول دور بلادهم في العالم، ولم يكن النظام الذي أنشأوه في أعقاب تلك الحرب نتيجة حتمية أو مقدرة سلفاً، وبعد “حرب فيتنام” و”فضيحة ووترغيت” في سبعينيات القرن الـ 20، خلص كثير من المراقبين إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك القوة أو الإرادة أو السلطة الأخلاقية اللازمة للقيام دور فاعل على الساحة الدولية، ومع ذلك أدرك القادة الأميركيون، في كلتا الحالين، أن تحقيق السلام والازدهار والأمن عالمياً يتطلّب وجود الولايات المتحدة القوية والفاعلة والملتزمة بالمؤسسات والقواعد والأعراف، ونجحوا في إقناع مواطنيهم بدعم هذا التوجه، محققين نتائج غير مسبوقة تاريخياً، وبينما يُعيد الأميركيون النظر في دورهم المستقبلي وهم منكبّون على التفكير في ضرورة التغيير، فلا ينبغي لهم أن يغيب عن أذهانهم هذا السجل التاريخي.
ترجمة عن “فورين أفيرز”، 9 يونيو (حزيران) 2026
فيليب غوردون هو باحث “سيدني شتاين الابن” في معهد بروكينغز، ومحاضر بارز بكرسي “فرانك إي. وآرثر باين” في جامعة ستانفورد. شغل منصب مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس في إدارة بايدن، ومنسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط في إدارة أوباما.
