ملخص
إذا كان الغزو الأميركي للعراق فتح أمام إيران السد الذي اندفعت بعده نحو التمدد في العالم العربي وأصبحت قوة إقليمية كبرى صاحبة مشروع كبير، فإن ادعاء الحرس الثوري أن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران حولتها إلى “قوة دولية” هو كلام في عالم افتراضي.
كان الرئيس دونالد ترمب يرغب في أن يكون توقيع “مذكرة التفاهم” بين أميركا وإيران “هدية” عيد ميلاده الـ80 الذي صادف الأحد الماضي، لكن الحرب قدمت له سلفاً هدايا قيمة من السوق. والمسألة ليست التوقيع أو تأخير التوقيع، المسألة هي حرب المذكرة قبل الاتفاق عليها، ومناورات ما قبل التوقيع، ومعارك ما بعده على طاولة المفاوضات النهائية.
حرب داخل إيران كانت بدايتها تظاهرات غاضبة ضد المذكرة تمثل تياراً رافضاً طالب المتظاهرون فيها باستقالة رئيس مجلس الشورى كبير المفاوضين محمد باقر قالیباف والمفاوض الديناميكي وزير الخارجية عباس عراقجي.
حرب في قلب أميركا، حيث يحتج الديمقراطيون على شن حرب من دون موافقة الكونغرس، وينتقد جمهوريون تنازلات ترمب.
حرب تقودها إسرائيل على الاتفاق الذي رأت نفسها خارجه، وهي شريكة أميركا في الحرب على إيران.
كما في الحرب على “حزب الله”، وفي المفاوضات المباشرة مع لبنان، والتي فرضها عليها ترمب، وحرب التفاوض بين أميركا وإيران على تجسيد ما هو عاجل مع توقيع المذكرة، وما هو مؤجل للبحث فيه خلال 60 يوماً من وقف النار.
وليس أمراً عادياً أن يضطر الرئيس الإيراني مسعود بزشكیان إلى دعوة “جميع التيارات لالتزام قرارات مجلس الأمن القومي التي وافق عليها قائد الثورة مجتبى خامنئي”، لا بل أن يأسف لسماع متظاهرين “يخونون مسؤولين مارسوا مسؤولياتهم الوطنية”. والظاهر عن جهات في الحرس الثوري ليست راضية من تنازلات معينة، وتدفع في اتجاه إعادة فتح التفاوض، وربما معاودة الحرب للحصول على صفقة أفضل، وهذا ما يناسب نتنياهو (رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو) لجهة الاستمرار في القتال مع إيران ومع “حزب الله” في لبنان، بالتالي لتوسيع الاحتلال وضمان البقاء في “منطقة عازلة” تتجاوز “الخط الأخضر” الذي تجاوز “الخط الأزرق” بكيلومترات ممتدة من الناقورة على شاطئ المتوسط إلى جبل الشيخ، فضلاً عن تهديم المدن التاريخية مثل صور، والتي لها رمزية مهمة مثل النبطية.
ولا مهرب من الصعوبة في تسويق المذكرة، فلا حديث ترمب عن حصوله على صفقة نووية أفضل بكثير من صفقة الرئيس باراك أوباما عام 2015، يقنع كثيرين من الذين يعرفون شطارة الإيرانيين في إخفاء حقيقة البرنامج النووي حتى على المفتشين والمراقبين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا تجاهل طهران لتأثير الدمار الهائل الذي أصابها في ميزان الربح والخسارة، وإعلان النصر لمجرد أن ترمب فشل في إسقاط النظام “حجة لا تقلي عجة” حسب المثل الشعبي.
فبقاء الأنظمة في مصر وسوريا والأردن بعد حرب عام 1967 لم يحجب، ولا حال دون الاعتراف بالهزيمة المرة أمام إسرائيل التي صارت بعد الحرب قوة إقليمية.
وإذا كان الغزو الأميركي للعراق فتح أمام إيران السد الذي اندفعت بعده نحو التمدد في العالم العربي وأصبحت قوة إقليمية كبرى صاحبة مشروع كبير، فإن ادعاء الحرس الثوري أن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران حولتها إلى “قوة دولية” هو كلام في عالم افتراضي، ذلك أن كل شيء كان مكشوفاً في حرب أدارها ترمب على طريقة تلفزيون الواقع، فهي بالنسبة إلى أميركا وإسرائيل حرب وقائية بامتياز من أجل أهداف محددة: إسقاط النظام، وإنهاء البرنامج النووي، وتحديد مدى البرنامج الصاروخي، وضرب أذرع إيران المسلحة في المنطقة والتوقف عن تمويلها وتسليحها، بالتالي طي المشروع الإقليمي الإيراني، وتركيز ترمب على البرنامج النووي وامتناع “الجمهورية الإسلامية” عن منع أو شراء سلاح نووي لا يحجب الفشل في تحقيق الأهداف الأخرى، ولا يلغي الشكوك في قدرة واشنطن على أن تنجز في المفاوضات ما عجزت عنه بالحرب. فلا فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب هو إنجاز، ولا الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية المقرر سحبه فور توقيع المذكرة كان قبل الحرب.
ترمب يصف الاتفاق مع إيران بأنه “مشروع سلام للشرق الأوسط، وخصوصاً للبنان”، لكن ما بدا في غزة ولبنان قبل حرب إيران لم يكتمل في القطاع، ولا حال دون حرب إسناد لإيران بدأها “حزب الله” من دون اندفاع إسرائيلي في حرب دمرت معالم القرى في الجنوب اللبناني وزادت مساحة الاحتلال وهجرت مليون إنسان. والمرجح بعد حرب ناقصة واتفاق ناقص، هو تجميد الصراع بين المشروع الأميركي للشرق الأوسط والمشروع الإقليمي الإيراني، وإذا كان ما تكشف هو اختلاف المصالح الأساسية بين أميركا وإسرائيل، والربط العضوي بين إيران و”حزب الله” تحت عنوان لبنان، فإن ما يبدو مغطى هو موقع الخليج في الاتفاق بعدما تلقى الضربات الإيرانية بحجة الرد على القواعد الأميركية. والسؤال هو: هل يتمسك ترمب بدور الخليج وموقعه وأمنه في الاتفاق وبعده كما تصر طهران على دور أذرعها؟
و”الحرب الوقائية تشبه الانتحار خوفاً من الموت”، كما قال بسمارك.
