وضعت الصحافة وصف دونالد ترامب للنظام الإيرانيّ “بالحثالة والمرضى والمنافقين والأشرار” في خانة التقلّبات المزاجيّة المفاجئة للرئيس الأميركيّ. فهو، على ما ذكّره أحد الصحافيين، كان قد وصف أركان هذا النظام نفسه، قبل شهر واحد، خلال قمّة مجموعة السبع (G7)، بأنّهم “عقلانيّون، ولطفاء، وأقوياء، وأذكياء”. ردّ ترامب موضّحاً أنّ هذا التغيير حيال الإيرانيّين ناتج عن كونه “بات يعرفهم جيّداً”. ثمّ بدأت جولة حربيّة جديدة هي الأعنف منذ وقف إطلاق النار في نيسان الفائت.
سيدخل هذا التصريح المقتضب في تاريخ ترامب بوصفه الجملة الأكثر صدقاً التي نطق بها رئيس أميركيّ بشأن إيران منذ جيل كامل، وتكمن أصالتها تحديداً في أنّ ترامب لم يكن يقصد صياغة أطروحة فكريّة، بل كان يعبّر عن استسلامه لواقع صدمه.لو دقّقنا في السلوك السياسيّ لترامب سنجد أنّه، خلافاً للظاهر، يمثّل الحالة القصوى للرهان على إمكانيّة إصلاح إيران، وأنّه الرئيس الذي خاطر بأكبر قدر للفوز برهانه. تقوم نظريّته تجاه إيران بأكملها على فرضيّة وجود اتّفاق يمكن انتزاعه، وأنّ النظام يمثّل شريكاً يمكن الاعتماد عليه، وأنّ في إيران قادة شجعاناً يريدون تغيير مسار بلادهم، لا سيما إذا ما شعروا بأنّ التهديد حقيقيّ وأنّ الفرصة الممنوحة لهم جديرة بالاهتمام.
عندما يختزل رجل، يملك مثل هذه القناعات المسبقة، انهيار آماله في بضع كلمات، تصبح تلك الكلمات بمثابة تقرير مخبريّ دقيق لتجربة أجراها على نفسه وباءت بالفشل.
الحقيقة الموضوعيّة التي تكشفها تصريحات الرئيس الأميركيّ، هي أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة نظام عصيٌّ على الإصلاح. وهي مغلقة تماماً أمام أيّ مسعى في هذا الاتّجاه بفعل هندستها البنيويّة ذاتها، بحيث لا يمكن أن تصبح إيران دولة طبيعيّة وتظلّ محتفظة بهويّتها في آن واحد.
هذا تماماً ما ظلّ الفكر السياسيّ الغربيّ يغطّي عليه، بإرجاع فشل المفاوضات تارةً إلى عدم وجود الرئيس المناسب، أو المبعوث المناسب، أو اللحظة الاستراتيجيّة المؤاتية. والحال، فإنّ الاعتقاد بأنّ الانخراط الدبلوماسيّ سيفضي يوماً ما إلى ولادة هذه الدولة الإيرانيّة الطبيعيّة صار هو الوهم الأطول عمراً في تاريخ السياسة الغربيّة، والملفّ الأكثر توليداً لخيبات الأمل.
فالدولة والثورة تستمدّان شرعيّتهما من منبعين متناقضين تماماً.
إيران تجسيد لسلسلة من اللّاءات القاطعة
تكتسب الدولة حاكميّتها الشرعيّة ممّا تقدّمه وتنجزه من أمن ورخاء واستقرار ومؤشّرات نمو تصاعديّة. كلّما تحسّن هذا الأداء قويت الدولة، ما يعني أنّ الإصلاح بالنسبة لها هو مصلحة مباشرة تتحقّق عبر عمليّة مستمرّة للصيانة والتطوير والتصحيح.
أمّا الثورة، فتكتسب شرعيّتها في الحكم ممّا ترفضه وتعاديه وتسعى لهدمه. لقد وُلدت الجمهوريّة الإسلاميّة كتجسيد لسلسلة من اللّاءات القاطعة: للملَكيّة، لأمريكا، لإسرائيل، ولنظام إقليميّ متحالف مع الغرب. هذا الرفض هو العلّة الوحيدة وراء استئثار هذا النظام بالسلطة دون غيره. الطلب منه تطبيع العلاقات مع واشنطن، أو التخلّي عن البرنامج النوويّ، أو تفكيك شبكة الوكلاء، أو الاعتراف بإسرائيل، يعني أن يوضع أمامه سؤال واحد يهدّد وجوده: إذا أُسقطت اللّاءات، فلماذا يستمرّ الملالي بالاستئثار بالحكم؟
الإصلاح هنا هو اعتراف بالهزيمة واستعداد للانتحار. من هذه الحقيقة البسيطة يولد كلّ شيء آخر، بما في ذلك السلوك الإيرانيّ الذي يشتكي منه العالم ويسيء قراءته باستمرار.
كلّ مفاوض غربيّ اكتشف بذات الدهشة أنّ إيران تفاوض بسوء نيّة، أو تتراجع بخبث عن الوعود والتواقيع، اعتبر أنّ ذلك نتاج طباع وشخصيّات الرجال الجالسين أمامه، وأنّ ما على خلفه إلّا انتظار الشريك المناسب. لا أحد يريد أن يصدّق أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة غير قابلة للإصلاح، وأن لا علاقة لشخصيّة الطرف الإيرانيّ المقابل بالأمر، فسوء النيّة هنا هو نتيجة حسبة رياضيّة حتميّة.
عقل المفاوض الإيرانيّ مُركّب ليستنزف صبر نظيره
لو جرّدنا أيّ اتّفاق جدّيّ مع إيران من رداء الدبلوماسيّة الأنيقة، لوجدنا أنّه ليس أقلّ من أمر بـ”تفكيك النظام” بأسلوب مهذّب: إنهاء التخصيب الذي يمثّل مظلّة الأمان للنظام، وتفكيك الشبكة الإقليميّة التي تشكّل خطّ دفاعه المتقدّم وعلّة وجوده الإقليميّ وتحرير مضيق هرمز، الذي يمثّل آخر مقدرات إيران الاستراتيجيّة. يتلخّص مجموع المطالب الغربيّة والعربيّة الجادّة من إيران في جملة واحدة: “أرجوكم، توقّفوا عن كونكم ما أنتم عليه”. لا يوجد نظام يتفاوض بحسن نيّة لمحو نفسه، ولذلك تفعل طهران الشيء العقلانيّ الوحيد المتاح لها: أن تتّخذ من المفاوضات نفسها آليّة لشراء الوقت، وتخفيف العقوبات، وتعزيز شرعيّتها الدوليّة نتيجة الاعتراف بها شريكاً.
هذا هو تحديداً ما تعرّف عليه ترامب حين أدرك أنّ الطاولة التي يجلس إليها مصمّمة في العقل الإيرانيّ لاستنزاف صبره، وأنّه لا يوجد اتّفاق حقيقيّ ينتظره في نهاية المطاف.
قدرة النّظام الإيرانيّ على توزيع الأدوار
غالباً ما يحاجج المراهنون على إصلاح إيران ردّاً على هذا المنطق برمي أسماء “المعتدلين” من أمثال محمّد خاتمي، حسن روحاني، ومسعود بزشكيان، وأحياناً محمّد باقر قاليباف، من دون تحديد علميّ مثبت لتعريف “الإصلاحيّ”، أو يحاججون بأنّ الحركة الخضراء والمجتمع الشابّ المنفتح يشكّلان بديلاً جاهزاً أو محتملاً عن النظام الدينيّ، وأنّ المهمّة تكمن في تقويته وانتظاره من دون مواجهة النظام كما فعل ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.
تنطوي هذه المحاججة على خطأين:
ـ الخطأ الأوّل هو أنّ النظام نفسه يسمح للوجه المعتدل بالصعود في فترات متباعدة لأنّه يؤدّي وظيفة حيويّة لا يمكن للنواة الصلبة الاستغناء عنها. يقدّم الإصلاحيّ للشعب “أملاً وهميّاً” يمتصّ الإحباط الذي قد ينقلب ضدّ النظام ككلّ، ويقدّم للغرب شريكاً متخيّلاً يبقي الباب مفتوحاً للتفاوض ويضبط حدّة الضغوط. كلا الأمرين يمنحان النظام أثمن ما يحتاجه: الوقت، وإرجاء حدث ثوريّ ينهيه. فالمعتدل ليس سوى صمام أمان لمنع التصدّع والانهيار. ولهذا السبب، لم يزحزح عقدان من دعم المعتدلين النواة الصلبة للنظام شبراً واحداً.
ـ الخطأ الثاني هو اعتبار أنّ وجود مجتمع شابّ وليبراليّ يتطلّع إلى التغيير يعني بالضرورة أنّ النظام قابل للإصلاح. يتغافل هذا الافتراض عن أنّ النظام الإيرانيّ مُصمّم بنيويّاً ليكون معزولاً ومحصّناً ضدّ إرادة شعبه، وهذا هو الدور الوجوديّ لجهاز القمع لديه داخل الحرس الثوريّ وقوّات الباسيج. وبناءً على ذلك، فإنّ الصدام بين مجتمع منفتح ونظام عصيّ على التغيير لا يؤدّي إلى إصلاح تدريجيّ، بل يفضي حتماً إلى خيارين: إمّا إلى إسقاط النظام بالكامل أو جمود يفرضه النظام بقوّة السلاح وسحق الانتفاضات، كما حصل منذ عام 2009.
إيران عاجزة عن إصلاح نفسها
صحيح أنّ ثمّة ثورات أصلحت نفسها. فالصين وفيتنام فعلتا ذلك، حيث أعادت الأنظمة الثوريّة تأسيس نفسها على الرخاء الاقتصاديّ وانفتحت على العالم واحتفظت بالسلطة كما بهيكلها العقائديّ.
بيد أنّ خمسة شروط مهّدت طريق الإصلاح لهذين البلدين، ولا تملك إيران منها واحداً.
– أوّلاً: طبيعة الفكرة المؤسّسة. الماركسيّة أيديولوجية مادّيّة تقاس نتائجها في هذا العالم، ولذا تمكّن دنغ كسياو بينغ (سياسيّ ومنظّر، قاد الصين بين عامَي 1978 و1992 نحو تبنّي رؤية اقتصاديّة كبرى) من إعلان أنّ ثراء المجتمع يخدم الاشتراكيّة من دون أن يشكّل ذلك خيانة لشرعيّته الثوريّة. أمّا الفكرة المؤسّسة للجمهوريّة الإسلاميّة فهي لاهوتيّة غيبيّة، تقاس نتائجها بالرضا الإلاهيّ في العالم الآخر لا بمعدّلات النموّ الاقتصاديّ، في هذه الدنيا “الفانية”!
– ثانياً: طبيعة عدوّ الثورة وتموضعه. واجهت الثورة الصينيّة عدوّاً داخليّاً بالدرجة الأولى هو بنية الإقطاع، التي سحقتها الثورة. وواجهت فيتنام احتلالاً فرنسيّاً ثمّ أميركيّاً. ما لبثا أن غادرا بحلول عام 1975، فكان الانفتاح تتويجاً للمشروع الوطنيّ لا تنازلاً للعدوّ. أمّا عدوّ إيران الرئيسيّ فخارجيّ وما زال قائماً ومشرفاً على حدودها (الولايات المتّحدة، وإسرائيل، والنظام الغربيّ في الخليج)، ما يعني أنّ الانفتاح ليس تتويجاً للثورة، بل استسلام للإملاءات والوصاية.
– ثالثاً: بنية السلطة. بعد ماو تسي تونغ (سياسيّ ومخطّط استراتيجيّ وثوريّ شيوعيّ صينيّ ومؤسّس الصين الشعبيّة التي حكمها من خلال قيادته للحزب الشيوعيّ الصينيّ منذ تأسيسه عام 1949 حتّى وفاته عام 1976)، مأسست الصين السلطة في قيادة جماعيّة مفوّضة للحكم لمدد محدّدة، وظلّ الحزب يملك الحقّ في إعادة تعريف مهمّته. أمّا السلطة الإيرانيّة فتتدفّق رأساً من رجل واحد يستمدّ شرعيّته من “الحقّ الإلهيّ”، وهو لا يملك مراجعة المهمّة لأنّ المهمّة هي مبرّر وجوده. فالصين أنتجت كسياو بينغ لأنّ الحزب كان أعلى من العقيدة، في حين تعجز إيران عن ذلك لأنّ العقيدة أعلى من أيّ منصب داخل النظام.
– رابعاً: طبيعة نظام المحسوبيّة. في الصين، أثْرت النخبة العسكريّة والحزبيّة من الانفتاح والتجارة، فصارت مصلحتهم تدفع نحو فتح الأبواب أكثر. أمّا في إيران، فتُثري نخبة النظام (الحرس الثوريّ والمؤسّسات الدينيّة) من الإغلاق والحصار والتهريب وأنشطة الجريمة المنظّمة، ما يعني أنّ الانفتاح الحقيقيّ سيجفّف موارد بُنيت خلال عقود.
– خامساً: ذوبان الثورة في الدولة. صهرت الصين وفيتنام (وتركيا أتاتورك وفرنسا) ثوراتهما في أجهزة دولة بيروقراطيّة تنفذ الأوامر فور صدورها. أمّا إيران، فقد أبقت ثورتها كبنية موازية فوق الدولة (الحرس، الباسيج، مكتب المرشد)، وهندسَتْها خصّيصاً لمنع مؤسّسات الدولة العاديّة من التحوّل نحو حالة طبيعيّة؛ فالثورة الإيرانيّة وظيفتها حراسة وظيفته نهش الدولة إذا ما تحرّكت نحو التطبيع.
عاشت أطروحة “إمكانيّة الإصلاح” أربعة عقود عبر صياغة عذر جديد لكلّ خيبة أمل، وهي نظريّة تحتاج صيانة مستمرّة لتبقى على قيد الحياة.
النّظام الإيرانيّ لا يمكنه الاعتدال والاحتفاظ بنفسه
في المقابل، لا تحتاج أطروحة “استحالة الإصلاح” إلى أيّ صيانة. فقد تنبّأت بفشل الرئاسات الإصلاحيّة وأصابت، وتنبّأت بأنّ المفاوضات مجرّد آليّة لكسب الوقت وأصابت، وتنبّأت بسحق الانتفاضات وأصابت. عندما تحتاج نظريّة إلى أعذار لا تنتهي وتفسّر الأخرى المشهد كاملاً دون عذر واحد، فإنّ الثانية تصبح هي الحقيقة الواقعة في حين أنّ الأعذار ليست سوى محاولة لدفنها.
لا يفضي هذا السياق إلى الاستنتاج بـ”استحالة الإصلاح” وحتميّة خلود نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، بل يعني أنّ النظام لا يمكنه الاعتدال مع الحفاظ على ذاته.
عليه، هناك مخرجان أمام الجمهوريّة الإسلاميّة: إمّا الاستمرار في شكلها الحاليّ، متأرجحة بين وجوه متشدّدة وأخرى ناعمة مع الحفاظ على النواة الصلبة، أو سقوط النظام. أمّا الطريق الأوسط والتطوّر التدريجيّ لثورة تحوّل نفسها إلى دولة طبيعيّة عبر صناديق الاقتراع والاتّفاقيّات، فكان دائماً مجرّد سراب ركضت خلفه قوى عظمى لثلاثين عاماً.
أطروحة الإصلاح تموت بالاحتكاك المباشر معها
لم يقرأ ترامب شيئاً من هذا التحليل البنيويّ، حين أطلق العنان لكلماته في قمّة الناتو في تركيا، ولم يكن بحاجة لقراءته. لقد دخل في هذا الامتحان المعقّد مثل كلّ من سبقه حاملاً الآمال نفسها، وخرج بعد أن تلقّى الدرس الوحيد الذي تملكه إيران لتعليمه للآخرين. إنّ أطروحة الإصلاح لا تموت بالنقاش الفكريّ، بل تموت بالاحتكاك المباشر معها، ومواجهة استحالتها وجهاً لوجه.
“لقد بتّ أعرفهم جيّداً”. إنّها التفنيد الأقصر والأكثر شموليّة لسياسة الغرب تجاه إيران طوال ثلاثين عاماً، بصرف النظر إن أدرك قائلها حجم الثقل التاريخيّ لما نطق به أم لا. فقد ظنّ أنّه يصف خيبة أمل شخصيّة، بينما كان في الحقيقة يكتب مرثيّة لفكرة الحلّ السلميّ مع نظام الجمهوريّة الإسلاميّة.
