
ما الذي يدعو دونالد ترامب إلى الرهان على العراق؟ من الواضح، أقلّه إلى الآن، أن الرئيس الأميركي، مدفوعا من سفيره في أنقرة توم براك، يعتقد أنّ في استطاعته إبعاد العراق عن إيران وتقريبه من سوريا، عبر إعادة تشغيل خط أنابيب النفط كركوك – بانياس. في حال إعادة تأهيل الخط سيكون في استطاعة العراق تصدير مليوني برميل من النفط عبره يوميّا. في النهاية، إن العراق يحتاج بدوره إلى تجاوز مضيق هرمز والوصول إلى البحر المتوسط عن طريق سوريا، وربّما لبنان أيضا.
هل يكون رهان الرئيس الأميركي في محلّه؟ هل يكون حظّ دونالد ترامب مع العراق أفضل من حظّه مع إيران؟ يطرح هذا السؤال نفسه في ضوء الترحيب الكبير، بل المبالغ به، للرئيس الأميركي برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في واشنطن. لم يترك ترامب مديحا إلّا وأغدقه على الزيدي متجاهلا أن الرجل كان إلى ما قبل فترة قصيرة صاحب مصرف وضع على لائحة العقوبات الأميركية بتهمة تبييض أموال لمصلحة “الحرس الثوري”!
خلافا لما يعتقده الرئيس ترامب لن يكون سهلا لا على علي الزيدي ولا على غيره من الزعماء العراقيين التخلص من إيران التي لا تزال تمسك بمفاتيح السلطة في العراق
استقبل ترامب رئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض في وقت تدور معارك متقطّعة بين الولايات المتحدة وإيران مع تركيز خاص على مضيق هرمز. اكتشف الرئيس الأميركي متأخرا أن مذكرة التفاهم التي وقعها مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لا تعني شيئا. لا تزال هناك هوة كبيرة تفصل بين واشنطن وطهران. كلّ منهما يغني على ليلاه، كل منهما لديه تفسيره الخاص لمذكرة التفاهم التي توصل إليها مع الإيرانيين نائب الرئيس الأميركي جي. دي فانس يرافقه المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ليست معاودة المعارك بين الولايات المتحدة سوى تعبير عن مدى خيبة ترامب من النتائج التي نتجت عن مسار إسلام أباد ومدى فشل دور الوساطة الذي تلعبه باكستان.
حسنا، أعاد الزيدي إعادة تأهيل نفسه واستطاع الوصول إلى موقع رئيس الوزراء، وهو الموقع الأهمّ في العراق، بعد الفيتو الذي وضعه الرئيس الأميركي على نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق والشخصية الشيعيّة الأبرز في ما يسمّى “الإطار التنسيقي”.
إلى الآن، أظهر الزيدي، من خلال الحملة على الفساد التي تشنّها حكومته، مقدارا كبيرا من الجدّية، علما أنّه ينقص هذه الحملة الذهاب لكشف الرؤوس الكبيرة التي هي في أساس الفساد. إنّها الرؤوس التي تقف خلف الفساد منذ العام 2003 تاريخ إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدّام حسين بكلّ سيئاته، تمهيدا لتسليم هذا البلد المهم إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران. هذه الرؤوس الكبيرة معروفة جيدا. لن تكون فائدة من أي حملة على الفساد من الوصول إليها وكشف ما قامت به في ظلّ حكومات أمعنت في تسييب الدولة العراقيّة، خصوصا أيام نوري المالكي أو محمّد شياع السوداني…
مطلوب من العراق، في ظل حكومة علي الزيدي، فصل مساره عن إيران. لا يبدو ذلك ممكنا، لا لشيء سوى لأن “الحرس الثوري” لا يزال يتحكّم بمفاصل السلطة. يظلّ الدليل الأهمّ على ذلك كلّه وجود “الحشد الشعبي” الذي يضمّ مجموعة من الميليشيات المذهبيّة الموالية لإيران كمركز ثقل في الحياة السياسيّة العراقيّة. عمل “الحشد” على لعب دور أمني لدى تشييع جثمان “المرشد” على خامنئي في كربلاء والنجف بحضور شخصيات كبيرة ذات وزن مثل نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي. أكثر من ذلك أعلن يوم تشييع خامنئي في العراق يوم عطلة رسميّة.
عاجلا أم آجلا، سيأتي يوم الاستحقاق العراقي. لا يتعلّق الأمر بمتابعة الحملة على الفساد التي لا يتوقع وصولها إلى ابعد مما وصلت إليه فحسب، بل إلى موضوع السلاح الموجود لدى فصائل “الحشد الشعبي” وميليشيات عراقيّة أخرى تابعة لـ”الحرس الثوري” الإيراني أيضا.
ليست معاودة المعارك بين الولايات المتحدة سوى تعبير عن مدى خيبة ترامب من النتائج التي نتجت عن مسار إسلام أباد ومدى فشل دور الوساطة الذي تلعبه باكستان
خلافا لما يعتقده الرئيس ترامب لن يكون سهلا لا على علي الزيدي ولا على غيره من الزعماء العراقيين التخلص من إيران التي لا تزال تمسك بمفاتيح السلطة في العراق. أي تفسير لدى الزيدي لإطلاق مسيرات في اتجاه الكويت من الأراضي العراقيّة وأي تفسير لاستمرار الاعتداء على القنصلية الكويتية في البصرة في وقت لا تتوقف “الجمهوريّة الإسلاميّة” عن الاعتداء على دول الخليج العربي وعلى الأردن من منطلق أنّ ذلك يشكل ردّا على الهجمات الأميركيّة؟
كانت لافتة شحنة الأسلحة، بينها 150 مسيّرة وصواريخ، التي صادرتها السلطات السوريّة عند الحدود العراقيّة في طريقها إلى بانياس حيث توجد مصفاة للنفط. كانت الأسلحة مرسلة إلى “حزب الله” الذي وصفته السلطات السوريّة بـ”الإرهابي”. من وضّب تلك الأسلحة في العراق، بطريقة متقنة، كي ترسل إلى “الحزب” ولبنان عن طريق سوريا؟ هل يكفي تشكيل لجنة تحقيق عراقيّة كي لا يعود في العراق من يتعاطف مع “حزب الله”؟
لا شكّ أن موقف الحكومة العراقيّة من “حزب الله” اللبناني ووضعه على لائحة الإرهاب خطوة في غاية الأهمّية. تبقى في نهاية المطاف حقيقة كبرى تتمثّل في عجز حكومة علي الزيدي، أقلّه إلى الآن، عن قطيعة تامة مع “حزب الله” الذي استطاع خرق أكثر من ميليشيا عراقية تتعاطف معه. لكن، من يدري؟ ربّما تلجأ الحكومة العراقية، عبر موقفها من “حزب الله” اللبناني، إلى ذر الرماد في العيون بدل الذهاب إلى معالجة وضع “حزب الله” العراقي.
تحدّث ترامب طويلا عن أهمّية النفط العراقي وما يعنيه بالنسبة إلى الشركات الأميركيّة. يخشى ألّا يكون الرهان على العراق أفضل من الرهان الذي قام به ترامب على إيران وعلى مذكرّة التفاهم التي توصل إليها جناح في إدارته مع “الجمهوريّة الإسلاميّة”.
سيبقى مثل هذا النوع من الأسئلة مطروحا في غياب التغيير الكبير في إيران، وهو تغيير يمكن أن يحصل ويمكن ألّا يحصل، وهو تغيير ستبقى المنطقة، بما في ذلك العراق رهينة له… بوجود علي الزيدي وعدم وجوده!