ملخص
لا ينبغي النظر كثيراً في نصوص البيانات الصادرة عن اجتماعات التفاوض في واشنطن، بقدر ما ينبغي مراقبة الخلفيات في المواقف الأولية للأطراف.
يختصر إحراق جماعة “حزب الله” لافتة رُفعت في شارع مطار رفيق الحريري، واجهة لبنان نحو العالم كما هو معروف، موقف الحزب السياسي في جوهره وعمقه. فهذا الحزب الذي يتولى الجبهة الإيرانية على البحر المتوسط لا يعنيه لبنان أبداً إلا بوصفه خندقاً أو متراساً متقدماً تسمح تضاريسه بخوض معارك الدفاع عن الوطن الأم الذي هو بطبيعة الحال إيران الخمينية وأحلامها الإقليمية.
أحرقت جماعة الحزب لافتة من لافتات إعلانية كتب عليها شعار “لبنان أولاً”، وهم الذين كانوا نشروا على طرقات المنطقة نفسها لافتات ضخمة تحمل صور الخامنئيين علي ومجتبى، وأخرى تقول بالخط العريض “شكراً إيران”.
أراد “حزب الله” هذه اللافتات لتأكيد التحاقه الكامل بإيران، في الحرب ينفذ أوامرها ولو أسفرت عن تدمير الجنوب وتوسيع الاحتلال، وعندما تتفق مع “الشيطان الأكبر” على مذكرة تفاهم يذهب إلى مواكبة مفاوضاتها، فإن احتاجت دفعة دعم حربية، يجري إطلاق مزيد من “الرصاص المقاوم” جنوباً بهدف تعزيز الموقع التفاوضي للبلد الأم، مما يجعلها تحمل بشائر نصر عتيد تجلبه طهران وتعمم فوائده على لبنان والإقليم.
يسير منطق “حزب الله” على خط نقيض لخطة الدولة اللبنانية في التفاوض من أجل استعادة الأراضي المحتلة وإنهاء أسباب تكرار احتلالها، وهي الأسباب التي تكاد تحصر بسياسات إيران عبر وكيلها. والدولة المستندة إلى شرعيتها ودعم المجلس النيابي وغالبية شعبية واسعة من مختلف الطوائف والمناطق، لا تتلاعب بعواطف ومصالح خارج منطق “لبنان أولاً”، وهي تعرف تماماً الصعوبات التي يثيرها الإيرانيون عبر أنصارهم، بما يجعلها في موقف يبدو ضعيفاً لولا توافر عاملين أساسيين يدعمانها في المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب شخصياً.
في الحقيقة لا ينبغي النظر كثيراً في نصوص البيانات الصادرة عن اجتماعات التفاوض في واشنطن، بقدر ما ينبغي مراقبة الخلفيات في المواقف الأولية للأطراف. فالموقف اللبناني في تلك المفاوضات قوي لسببين، الأول التزام ترمب بلبنان السيد المستقل، وقدرته، وهو الوحيد في العالم، على ممارسة الضغوط على إسرائيل وإجبارها على تنفيذ توجيهات ربما كانت لا تريدها.
والثاني تكرار إسرائيل موقفها الرسمي ألا أطماع لها في لبنان واستعدادها للانسحاب منه إلى الحدود الدولية ضمن شروط، لا تعد شروطاً في أوضاع الدول الطبيعية، وأبرز هذه الشروط ألا تكون هناك جهات مسلحة تنافس الدولة على ممارسة سلطتها، مما يعني إنهاء الوجود المسلح لـ”حزب الله” ومنظمات مماثلة.
في فلسفة التفاوض اللبناني – الإسرائيلي لا معنى لهذا التفاوض إذا جرى إغفال العاملين المذكورين، والتركيز فقط على نصوص قد لا تتمكن من التقاط الموضوع في جوهره. وفي تقييمه للبيان الأخير الصادر عن مفاوضات واشنطن قرأ رئيس الحكومة نواف سلام في ”الإطار الذي جرى التوصل إليه مع إسرائيل برعاية أميركية” هدفاً أساساً هو “تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية واستعادة سيادة الدولة عليها وعودة أبنائها إليها”.
أما بالنسبة إلى ما يجب على لبنان في هذا “الإطار”، والمتمثل ببسط سلطة الدولة اللبنانية عبر قواتها المسلحة على كامل أراضيها، فهو ليس سوى ما سبق أن اتفق عليه اللبنانيون في اتفاق الطائف، وهو الاتفاق الذي عاد وأكد قرار مجلس الأمن رقم 1701 ضرورة تنفيذه. كذلك فإن “إعلان وقف العمليات العدائية” لعام 2024 الذي أقرته الحكومة السابقة، فإنه بدوره ينص بوضوح في مقدمته على أن القوى الشرعية وحدها مخولة حمل السلاح في لبنان وهو يحددها حصراً. وقد أعاد البيان الوزاري لحكومتنا التي نالت على أساسه ثقة البرلمان تأكيد هذه الثوابت الوطنية، إضافة إلى التشديد على أن الدولة وحدها هي صاحبة قرار الحرب والسلم.
”كل الشكر للولايات المتحدة الأميركية ولأشقائنا العرب وأصدقائنا في العالم الذين أسهمت جهودهم في التوصل إلى هذا الاتفاق.
وإنني أتطلع إلى الساعة المباركة، التي ستباشر فيها إسرائيل الانسحاب، لكي يتمكن أهلنا الأعزاء من العودة الآمنة والكريمة إلى ديارهم التي اضطروا لمغادرتها قسراً، وإلى إطلاق ورشة الإعمار فيها.”
هذا هو الجوهر الذي يسعى إليه لبنان وهو الذي لم تجد فيه إيران ووكيلها سوى استسلام وسقطة وخيانة، وبدأت على أثره حملة توتير داخلي، بما فيها حرب اللافتات، تضمنت قطع طرقات وصدامات مع الجيش، في وقت لم تطلق رصاصة على القوات الإسرائيلية المتوغلة بحرية في أنحاء الجنوب وسماء لبنان.
جعلت إيران وحزبها من رئيس الدولة اللبنانية ورئيس حكومته عملاء وخونة، وحولت ملايين اللبنانيين المتمسكين بوطنهم المؤمنين به إلى جواسيس. وهنا بالذات ينطبق قول المثل القديم “الفاجر يأكل مال التاجر”. فالتاجر الإيراني لن يعجبه أن يستقل لبنان في قراره، إذ من دون ساحة لبنان والحزب الذي إقامته فيه، لن تكون لها جبهة متقدمة تقاتل من أجلها على بعد آلاف الأميال وتمنع وصول الحرب إلى أراضيها، كما قال برلماني إيراني بارز قبل أيام.
لا يمكن لإيران أن تقبل باتفاق إطار يمهد الطريق أمام التوصل إلى وقف الحرب على الجبهة اللبنانية، ويجعلها عنصراً عديم الفاعلية بعد نصف قرن من الجهد للإمساك بلبنان ورقة ضغط على حدود إسرائيل وأميركا.
لا يهم إيران، بل ترفض إعادة إسرائيل ولبنان “تأكيد هدفهما المشترك المتمثل في إرساء سلام وأمن دائمين”، وإعلانهما “طموحهما لإنهاء الصراع بينهما (…) وإقامة علاقات حسن جوار”، وتأكيدهما “حق كل دولة في أن تكون موجودة بسلام” عبر “تسوية خلافاتهما في “مفاوضات ثنائية مباشرة، وبوساطة ودعم من الولايات المتحدة”، تفضي إلى “مسار يستعيد بموجبه الجيش اللبناني سلطته السيادية الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية” بعد “التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك البنى التحتية المرتبطة بها، وهو ما سيتيح للجيش الإسرائيلي الانسحاب تدريجاً من الأراضي اللبنانية”.
ينص الاتفاق الإطار على أن يستعيد الجيش اللبناني تدريجاً السيطرة على أراضي البلاد، بدءاً من “منطقتين تجريبيتين”. وسيجري تحديد هاتين المنطقتين بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي الذي سيخلي له المكان تدريجاً بمجرد نزع سلاح “الجماعات المسلحة غير الحكومية” وتفكيك بنيتها التحتية.
وسيجري لاحقاً تحديد “مناطق تجريبية” أخرى بموجب اتفاق متبادل.
وبمجرد بسط الجيش اللبناني سيطرته الكاملة على هذه المناطق “تنطلق جهود إعادة الإعمار المدعومة من المجتمع الدولي، وسيكون بمقدور المدنيين اللبنانيين العودة بأمان إلى هذه المناطق الخاضعة للسلطة الحصرية لمؤسسات الدولة اللبنانية”.
هذه خلاصة الإطار الذي توصل إليه لبنان وإسرائيل برعاية ترمب، الذي اتصل على الفور برئيس الدولة اللبنانية في تأكيد على عمق التزامه بسلام لبنان.
لكن “حزب الله” وإيران يرفضان تماماً ما جرى التوصل إليه. فالحزب يعتقد أن التسوية المطلوبة هي التسوية التي تسمح له بالبقاء حزباً مسلحاً، وهذا ما تعده به إيران ويحمله في أدبياته التي تجعل من مسار إسلام آباد – سويسرا بديلاً من مسار واشنطن.
يرى المحلل السياسي الروسي ألكسندر كارغين أن مفاوضات واشنطن تفتقر إلى هدف واضح وقابل للتحقيق. فـ”إسرائيل، بصورة عامة، تقدم نفسها أنها في حال حرب مع ’حزب الله‘، وليس مع لبنان. فضلاً عن أن الحكومة اللبنانية نفسها لديها شكاوى من ’حزب الله‘. لذلك، فإن المفاوضات بين إسرائيل ولبنان ليست جوهرية تماماً”.
وبحسب الباحث في مركز الدراسات العربية والإسلامية بمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، غريغوري لوكيانوف، “تعمل إسرائيل على فصل الحكومة اللبنانية عن ’حزب الله‘. وهي مهتمة بوقف إطلاق النار مع لبنان، وليس مع ’حزب الله‘”.
وقال “لن يتحقق السلام بشروط مقبولة للبنان، من وجهة نظر إسرائيل، ما لم تحل دولة لبنان، بصورة مستقلة وبالتعاون مع الدول العربية أو الولايات المتحدة، مشكلة ’حزب الله‘ كما تفهمها القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية”.
ووفقاً للوكيانوف، لا توجد حالياً أي جهة مؤثرة داخل القيادة الإسرائيلية مستعدة لقبول التطبيع من دون حل قضية “حزب الله”.
وترى صحيفة “أزفستيا” الروسية التي تتابع أوضاع إيران من كثب أن “واشنطن مضطرة لمواجهة الواقع، بينما تزداد طهران جرأة في تحديد شروطها، بما في ذلك ما يتعلق بلبنان. ولهذا السبب تحديداً، من غير المرجح أن يتحقق السلام على الحدود اللبنانية الإسرائيلية في وقت قريب. لن تتوقف إسرائيل عن الضغط على لبنان و’حزب الله‘، ولا يستطيع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يظهر بمظهر الخاسر. كذلك تفتقر الولايات المتحدة إلى النفوذ الكافي لإجبار الأطراف على تقديم تنازلات. ونتيجة ذلك، أصبح لبنان ساحة لتضارب المصالح بين القوى العالمية والإقليمية، وسيتحمل سكانه العبء الأكبر من إعادة هيكلة الشرق الأوسط على نطاق واسع”.
في وجهة النظر الروسية ما يتبنى الرؤى الإيرانية غالباً، وفيها تقليل من أهمية العامل الأميركي بين لبنان وإسرائيل، الذي يمكنه دفع الأمور في مسارات إيجابية.
وفي الأوضاع التي تعيشها المنطقة راهناً، ربما تقود الصراعات المتجددة بين إيران وأميركا في الخليج والعناد الإيراني في لبنان، إلى المآلات التي تتحدث عنها الصحيفة الروسية، فلا شيء يضمن تنفيذ مبادئ مذكرة التفاهم الأميركية غير تمسك الطرفين بتنفيذها، من دون هيمنة الشعور بالانتصار الكلي لدى أي منهما، في ما يتعلق بالخليج والاعتراف الإيراني بضرورة الانسحاب من لبنان بدلاً من جعله ساحة أبدية لصراع واقتسام لا جدوى منهما مع إسرائيل. وفي كل حال فقد قرر لبنان عدم السماح بهذه اللعبة مهما كانت الأثمان.
