ساطع نورالدين… كاتب لبناني
أهم ما في اللقاء اللبناني الإسرائيلي، المحزن، وليس الآثم، في مقر وزارة الخارجية الأميركية، وهو لم يكن اللقاء المباشر الأول من نوعه، ولن يكون الأخير طبعاً، أن إيران كانت خارج الصورة، وخارج السياق، للمرة الأولى منذ ثمانينات القرن الماضي، وحتى اليوم الذي لا تزال فيه جبهة لبنان، هي الوحيدة التي لا تزال مشتعلة في “منطقة غرب آسيا والسواحل الجنوبية للخليج الفارسي”، حسب التوصيف الإيراني الثابت لبلدان المشرق العربي والخليج العربي أيضا.
بلدة الناقورة الجنوبية شاهدة على الكثير من مثل هذه اللقاءات والمفاوضات، التي غلب عليها الطابع العسكري، لكن محتواها السياسي لم يكن معدوماً. هذه المرة أملت ضرورات الصورة العلنية المنشودة من قبل الاميركيين على اللقاء بعداً يكاد يكون استراتيجياً، بما يعد به مستقبلاً، برغم الوحشية والمراوغة الإسرائيلية، التي لا تغير في جوهر الصورة ولا توحي بأن لبنان جلس الى الطاولة في واشنطن باعتباره مهزوماً، كدولة ومجتمع، بل فقط كشريحة شعبية محاصرة، وحزب مغامر ومتمرد على حسابات الوطنية اللبنانية. وعليه، لن يكون لبنان الدولة والشعب، مدعواً ولا مضطراً لدفع ثمن هزيمة سواه، في حرب لم يوافق عليها ابداً.
لقاء واشنطن الذي افتتح مساراً طويلاً، ويحتمل كل أنواع الكذب والصلف الإسرائيلي، لا يقرب في الواقع موعد وقف اطلاق النار، بل يؤجله الى ما بعد انتهاء القوات الإسرائيلية من مهماتها العسكرية الواسعة النطاق التي تبدأ من الاحتلال المباشر للحزام الأمني الجنوبي، والتي ليس لها سقف محدد، ولا غاية واضحة، سوى نزع سلاح حزب الله، الذي قال الإسرائيليون صراحة، انه هدف يستحيل عليهم تحقيقه من دون اللجوء الى احتلال لبنان كله، وهو ما لا يقدرون عليه.
وعليه، يصبح الحديث عن طريق طويل من الضغط والتوجيه الأميركي الإسرائيلي للدولة والمجتمع في لبنان، لكي يقوم بهذه المهمة تحت الرقابة المباشرة، والحثيثة أكثر من ذي قبل، وصولا الى تجريد الحزب من سلاحه وتفكيك بناه العسكرية، على نحو في بلدان عديدة في افريقيا وأميركا اللاتينية، واستغرق سنوات قبل ان ينجز ويتوصل الى السلام الداخلي المنشود للبنان، وتصفية قدرة الحزب على العمل خارج حدود لبنان.. وبمعزل عما اذا ذلك سيتم قبل تجريد إيران من أسباب قوتها العسكرية.
الإنجاز الوحيد الذي تحقق حتى الآن هو أن لبنان صمد كدولة وشعب، ولم (ولن) ينجر الى حرب أهلية جديدة، كانت إيران بالذات أحد دوافعها، مثلما كانت سوريا الاسدية في الماضي أحد رعاتها، مثلما كان السلاح الفلسطيني أحد مصادرها الاصلية. الكلام عن أن إيران سلمت بخسارتها النفوذ في لبنان، لا يحتاج الى دليل، ولا ينتظر سوى الإعلان الرسمي عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.. بعدما أن يتثبت حليفها اللبناني الذي يواجه حملة عسكرية إسرائيلية لم يسبق لها مثيل، من ان المعركة قد انتهت، عندما تخلت طهران وحكامها الجدد عنه، وللمرة الأولى منذ ان أغرقت لبنان بالسلاح والمال في ثمانينات القرن الماضي، لمصلحة مفاوضات اسلام اباد التي انهت او تكاد تنهي حملة تدمير أميركية إسرائيلية شاملة للنظام الإيراني ورموزه ومقوماته.
لبنان وحده في مواجهة العدو الاسرائيلي. زمن السلاح يوشك على الانتهاء. وزمن الصواريخ والمسيرات التي جعلته جبهة متقدمة ومكشوفة في الحرب مع العدو الإسرائيلي، ثم تركه وحيداً يصارع الآلة العسكرية الإسرائيلية والأميركية الفائقة، على حافة الافول. حان الوقت للتفكير في مرحلة ما بعد الحياد العسكري اللبناني.. بعيداً عن اللقاءات المباشرة في واشنطن، وفي سواها من العواصم التي يمكن ان تستضيف محاولات إخراج لبنان من فوهة البركان، من دون أن يتحول الى رهينة للعدو الإسرائيلي.
بيروت في 15 / 4 / 2026
المصدر صفحة الكاتب