مع تصاعد التوتّرات عقب انتهاء هدنة الستّين يوماً بين أميركا وإيران، تكاثرت الإشارات الصادرة عن مختلف الأطراف إلى سبل تجنّب الأضرار المحتملة الناجمة عن المواجهة بين الطرفين. وتواجه إيران في ظلّ الحصار والعقوبات الشديدة أكبر الأضرار. غير أنّ الأطراف الفرعيّة كالعراق ولبنان تواجه أيضاً ضغوطاً وإحراجاتٍ وأضراراً.
يريد الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان إنهاء الحرب وإيران لم تنهزم. بينما يريد “الحزب” التحدّث إلى أميركا. والحال هذه، فما أنفع العداوات، وما أضرّ الصداقات!
حفلت الأيّام الماضية بعدّة إشاراتٍ ربّما لا تعني شيئاً وربّما تعني الشيء الكثير. فالإدارة الأميركيّة (وهذه المرّة على لسان وزير الخزانة سكوت بيسنت) تقول إنّها ستفرض على إيران عقوبات اقتصاديّة وحصاراً بحريّاً وإجراءات أُخرى كما لم يحدث من قبل، وتنبّأ وزير الخزانة الشرس أن يؤدّي ذلك إلى سقوط النظام، وهو الأمر الذي لم يتوقّعه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نفسه، وإن قال إنّ الحصار سيكون خانقاً.
الحرب المؤجّلة والتّصعيد المستمرّ
في الوقت نفسه جرى إعلان شبكة مكوّنة من أتراك تهرّب الدولارات إلى “الحزب” من إيران عبر تركيا إلى لبنان. وقد سمّوا أعضاء الشبكة ورئيسها، وبلغت المبالغ المهرَّبة مئات ملايين الدولارات.
أيضاً، أتحفتنا الجهات الاستخباريّة الأميركيّة بمفاجأة، ما فاجأت غيرهم، مؤدّاها أنّ “الحزب” في لبنان تابعٌ للحرس الثوريّ الإيرانيّ، وهو بمنزلة فصيل منه. ولذلك ينطبق عليه ما ينطبق على الحرس الذي تعتبره الولايات المتّحدة منذ سنوات تنظيماً إرهابيّاً.
يتذمّر ترامب بين فترةٍ وأُخرى من عجز الحكومة اللبنانيّة عن أن تفعل شيئاً ضدّ سلاح “الحزب” لكي يسهل التعامل مع إسرائيل، ولذا دأب منذ عدّة أشهر على الإنذار من أنّه سيطلب من سوريا التدخّل ضدّ “الحزب” بلبنان. وتقديره أنّ السوريّين سيكونون أقدر من السلطات اللبنانيّة في التعامل مع إشكاليّة وجود الحزب المسلَّح. ثمّ خطر للرئيس ترامب أخيراً لإظهار حرصه على الإسراع في حلّ المشكل بين لبنان وإسرائيل أنّه مستعدٌّ للحديث مع “الحزب” بنفسه. وقبل يومين وقد تصاعد الغضب الأميركيّ الساطع على إيران أعلن “الحزب” قبوله التحدّث إلى الإدارة الأميركيّة.
طهران بين الضّغط والتّفاوض
لا يبقى من كلّ هذه الإشارات المتضاربة غير التوتّر المتصاعد بالفعل بين أميركا وإيران. إذ الواضح أنّ الرئيس ترامب لا يريد العودة إلى الحرب بعد نهاية هدنة الستّين يوماً. وكان الجميع قد توقّع بدءاً للحرب من جديد، بمن في ذلك الإيرانيّون. ورأيهم أنّهم يستطيعون الصمود في حربٍ جديدة (وهم يقولون: الانتصار) تكون نتيجتها أن يخسر ترامب في الانتخابات النصفيّة في شهر تشرين الثاني المقبل.
ربّما كان ذلك بالفعل هو الذي دفع ترامب لاستبدال التضييق الاقتصاديّ البالغ بالحرب، باعتبار أنّ الأميركيّين سيكونون أقلّ إحساساً بذلك، وربّما مع تخفيض أهوال النزاع تمرّ الانتخابات على خير بالنسبة لترامب والحزب الجمهوريّ.
على الرغم من تشبّث الإيرانيّين الشديد بمقولة الانتصار، يبدو أنّ تشديد الحصار عليهم قد أزعجهم، وعاد بزشكيان للمطالبة بالعودة إلى التفاوض ما دام جانب إيران قويّاً، ولم يتجنّب التنبيه إلى الصعوبات الاقتصاديّة والمعيشيّة بالبلاد. وكان رئيس البرلمان الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف أكثر جفاءً كعادته، لكنّه ذكر أيضاً الصعوبات التي تعانيها البلاد والتي نسبها بالطبع إلى الأميركيّين.
لم يمرّ التحالف الدفاعيّ الثلاثيّ السعوديّ – التركيّ – الباكستانيّ مروراً عابراً. ففي حين رحّب به الأميركيّون وحلف شماليّ الأطلسيّ (الناتو)، تساءلت إيران عن العدوّ الذي يستدعي قيام هذا التحالف، ما دام الخطر الماثل في نظرها واضحاً: الوجود الأميركيّ وضرورة انسحاب القوّات الأميركيّة من المنطقة.
بغداد وبيروت تحت الضّغط
سواء أكانت الإشارات المتكاثرة جدّيّة أو غير جدّيّة، فإنّ الأكثر إحراجاً من بينها كان على الحكومتين العراقيّة واللبنانيّة. العراقيّون جاء إليهم قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني ثمّ قاليباف لإقناعهم بترك الميليشيات مع سلاحها في هذه الفترة على الأقلّ. أجابهم العراقيّون أنّهم لا يستطيعون، فأموال النفط في الولايات المتّحدة، وإيران لا تسمح لهم بتمرير النفط للتصدير عبر مضيق هرمز، والعراق لا يملك موارد غير النفط، والميليشيات “المتأيرنة” بالعراق تشكّل خطراً على الأمن وعلى الأكراد وعلى دول الجوار، لكن ماذا يفعلون إن أبت الميليشيات نزع السلاح بآخر شهر أيلول المقبل؟ قال الحكوميّون إنّهم لن يقاتلوهم، والمسلّحون مصرّون على التمسّك بسلاحهم، فما العمل؟
أمّا في لبنان فقد أعلن الأميركيّون، كما سبق، أنّ “الحزب” شأنه شأن الحرس الثوريّ تنظيم إرهابيّ. ولأنّه فصيلٌ من فصائل الحرس، فكيف سيتعامل لبنان مع الأمر؟ الحُكم اللبنانيّ لا يعتبر “الحزب” تنظيماً إرهابيّاً، لكنّه يريد أخذ سلاحه بالحسنى، وقد أعلنت الحكومة أنّ سلاح “الحزب” غير قانونيّ أو غير شرعيّ (؟)، لا أدري.
بالطبع لا يستطيع اللبنانيّون جيشاً ومدنيّين أن يفعلوا شيئاً زيادةً على ما أنجزوا خلال عامٍ ونيّف. بل إنّهم لا يستطيعون التصريح أنّ “الحزب” تنظيم إرهابيّ، وعنده عشرات النوّاب والوزراء بالحكومة، وآلاف الجنود بالجيش. حتّى التعبير عن الإرادة والرغبة في إزالة سلاح “الحزب” يعني إمكان حدوث فتنة يُنذر بها عوامّ الشيعة وخواصّهم كلّ يوم. فالوضع لهذه الجهة ميئوس منه لأنّه لا فائدة من الاعتماد على “تسامح” إسرائيل ومعاضدة أميركا، فكلا الأمرين غير موجود. ولولا إرادة أميركا النكاية بإيران في لبنان، لكانت المفاوضات مع إسرائيل قد توقّفت منذ مدّة.
إيران تفاوض أعداءها وتستنزف جيرانها
استفادت إيران من العداوة الأميركيّة طوال أربعين عاماً. دائماً تهجم إيران على الولايات المتّحدة الأميركيّة وتجيب الأخيرة بالتهدئة والاستيعاب والتنازل. حتّى ترامب الهائج كان يحاول استيعاب الطرائق الإيرانيّة في التفاوض. فإيران حريصة على عدم قطع الخيط مع أعدائها المفيدين حتّى لو أعلن ترامب الويل والثبور وعظائم الأمور.
أمّا أصدقاء إيران من دول الجوار فقد تضرّروا: ضربتهم إيران بالصواريخ والمسيَّرات وضربت سفنهم بالبحر بحجّة أنّها تضرب القواعد الأميركيّة. وللجميع، وبخاصّة السعوديّة وتركيا، علاقات حسنة مع إيران. ولو كانت متضرّرةً بالفعل، لكانت تستطيع التحدّث إليهم بشأن هواجسها. وهكذا يبدو أنّ الدول التي تريد حماية نفسها ومصالحها يكون عليها التنمّر تجاه إيران بحيث يبدأ التفاوض والمحادثة عن المصالح مثلما تتحدّث إيران مع الصين وروسيا.
ما عاد الإيرانيّون من أنصار ولاية الفقيه يبحثون عن غير حماية النظام، ولذلك يريد الأميركيّون مضايقتهم وتهديدهم لهذه الجهة. أمّا دول الجوار فتحاول حماية نفسها من التصدّع الإيرانيّ، ومن إرادة نشر الفوضى على طريقة: عليَّ وعلى أعدائي.
