ملخص
ماذا لو كانت مستلزمات السوبرماركت في الدولة المجاورة أرخص من المركز التجاري أسفل منزلك؟ وماذا لو كان توثيق عقد الزواج خارج الحدود هو الأكثر ملاءمة لك؟ فهل ستتردد في السفر للتمتع بتلك المزايا، لا سيما إذا انتفت قيود مشقة السفر والاجراءات؟ السفر خارج الحدود للقيام بمهام البعض يعتبرها بسيطة ليست رفاهية في كل الأحوال، إذ تتحول تلك المناطق إلى فرص لتحقيق مكاسب على أكثر من صعيد، هذه السفريات الصغيرة جزء من اقتصاد كامل ينشط ليتوافق مع حاجات السكان وتغذيه الإجراءات الميسرة والتجارب المتبادلة.
هل فكّرت يوماً أن رحلة لتسوق مستلزمات المنزل من السوبر ماركت من الممكن أن تتحول إلى رحلة دولية تماماً، فالسفر الدولي الذي يعتبر بالنسبة إلى البعض قراراً كبيراً، ويتطلب تحضيرات، ولا يحدث إلا لأسباب قوية بالنسبة إلى آخرين قرار أبسط بكثير، كأن يفاضل أحدهم مثلاً: “هل أشتري اللحم والجبن من المتجر في الشارع الذي أسكن به أم أذهب إلى دولة مجاورة لأتمتع بتجربة تسوق أفضل”.
قد يبدو الأمر غريباً أو هزلياً بالنسبة إلى البعض، لكنه في الحقيقة واقع يحدث كل يوم، يتدفق المسافرون بين الدول وبعضها البعض من أجل إنجاز أمور تصنّف على أنها بسيطة يمكن إتمامها في دولهم، لكنهم يبحثون عن جودة أعلى أو هرباً من الإجراءات المعقدة، وللاستفادة من مرونة بعض القوانين، وكذلك التمتع بمزايا في الأسعار وتوفير المال.
يبدأ الأمر من الجبن وزيت الزيتون ويصل إلى الملابس وبنزين السيارة والزواج والخدمات الطبية، وتبدو القصص في المجتمعات الأوروبية وحتى الأميركية متنوعة ومتكررة، ويعلن كثيرون عن تجاربهم الناجحة التي تضمن لهم الحصول على سلعة جيدة أو خدمة توثيقية في وقت قياسي مقابل سعر زهيد، عن طريق الانتقال عبر الحدود من دون تكاليف سفر تذكر، نظراً إلى مرونة التحرك بين دول الاتحاد الأوروبي.
بينما الأمر يبدو أكثر تعقيداً في مناطق أخرى من العالم، فاقتصاد الحدود يزدهر بصورة كبيرة في أوروبا على وجه التحديد، وينتشر عربياً على استحياء ومن دون إجراءات تنظيمية محددة، لكنه لا يزال قائماً، إذ يحاول الأفراد الإفلات من بعض القيود في مجتمعاتهم، ولا يترددون في عبور الحدود من أجل تتويج قصة حب بالزواج على سبيل المثال.
زواج في الخارج
بينهم نينا (اسم مستعار)، التي تعمل في مجال التسويق بإحدى الشركات المعروفة بالعاصمة اللبنانية بيروت، إذ كانت نينا محظوظة بعائلة متفهمة وافقت على زواجها ممن اختاره قلبها وكانت المعضلة أنه من دين مختلف، وتحسباً لأي عقبات سافرت مع عريسها وعدد قليل من أفراد الأسرتين إلى قبرص وتزوجت مدنياً في حفل بسيط ومبهج، لافتة إلى أن الرحلة لم تكلف الكثير مقارنة بإذا ما أقامت حفل زفاف فاخر في لبنان، بخاصة أن الجزيرة القبرصية ليست بعيدة من وطنها. الأمر ليس غريباً حيث يشتهر هذا النمط بين أفراد الدول العربية الراغبين في الاكتفاء بعقد الزواج المدني وليس الطقوس الدينية، كذلك فإن عدداً من المشاهير أعلنوا عن ارتباطهم بأزواجهم بتلك الطريقة.
ووفقاً للتقارير فعشرات الآلاف من الزيجات المدنية تعقد سنوياً في قبرص، والنسبة الأكبر منها تخص جنسيات قادمة من الشرق الأوسط.
فيما تنشط السياحة العلاجية بين الدول العربية، نظراً إلى قرب المسافات بشكل عام حتى لو لم تكن هناك حدود مشتركة ومباشرة، ويبدو الأمر ملحوظاً على سبيل المثال بين صفوف شريحة كبيرة من أفراد الشعب اليمني الذين يقصدون مصر للعلاج، وكذلك من يحملون الجنسية السودانية فحتى قبل أزمة النزوح عبر الحدود كانت تتكرر زياراتهم لمصر لقضاء مصالح عدة بينها التداوي، وتنشط في هذا المجال بشكل ملحوظ أمراض الطب الباطني، وزراعة الأجنة، وأيضاً العلاج الطبيعي بالنسبة إلى الأطفال على وجه الخصوص الذين يواجهون صعوبات في الحركة، إذ تحدث أحمد سالم معالج فيزيائي في أحد المراكز الشهيرة، مشيراً إلى أنهم يستقبلون حالات من دول عربية كثيرة مجاورة تفوق عدد المصريين في بعض الفترات.
أما بائعات التجزئة فعادة يقصدن السعودية أو الإمارات، لشراء كم كبير من المستلزمات، لا سيما في ما يتعلق بالملابس وأدوات المكياج والأدوات المنزلية ذات الجودة العالية والسعر الجيد والمطلوب في السوق المصرية، ثم يعيدون بيعها بأسعار أعلى لزبائنهم في مصر، وهو نوع من التجارة رائج بشدة.
السفر لتعبئة بنزين السيارة
مآرب السفر هنا لا تدخل فيها بطبيعة الحال السياحة كسبب طبيعي ومعتاد للسفر بين الدول المجاورة أو حتى غير المجاورة، إنما تشمل الأسباب غير المتوقعة، فعلى سبيل المثال تنشط في البلدان الجزائرية المتاخمة للحدود التونسية سياحة “البنزين” إذا صح التعبير، والأمر لم يعد مجرد حالة فردية بل إنها ظاهرة استدعت اتخاذ إجراءات صارمة، بسبب زيادة أعداد التونسيين المقيمين بالقرب من الحدود الذين يذهبون للجزائر لتعبئة الوقود للاستفادة من أسعاره الرخيصة مقارنة بتونس.
بل الأمر وصل إلى التجارة في هذا الوقود، مما دعا السلطات الجزائرية في الفترة الأخيرة لفرض رسوم إضافية وضريبة على السيارات المغادرة لمحاولة السيطرة على هذه التجارة غير المشروعة ومواجهة أعمال التهريب.
بينما تعتبر تركيا الوجهة المفضلة للسفر من أجل التسوق بالنسبة لسكان غالبية الدول العربية، إذ يستغل المسافرون تدهور سعر الليرة في الفترة الأخيرة لشراء مستلزمات كثيرة، لا سيما الملابس، وهو قطاع شديد الازدهار في الجمهورية التركية، إضافة إلى أن تركيا أصبحت وجهة في السياحة العلاجية حتى لدول أوروبية، لا سيما في قطاع التجميل وبينها زراعة الشعر، وكذلك الأسنان، وما يساعد في استمرار هذا السلوك هو سهولة الحصول على تأشيرة السفر إلى حد كبير مقارنة بدول أوروبية، وقبل ذلك القرب الجغرافي، وأيضاً الأسعار المعقولة.
ترى الدكتورة هدى الملاح، أستاذ الاقتصاد، أن ما يُعرف بسياحة التسوق هو أكثر وأسرع أنواع السياحات نمواً، ولهذا تركز عليها عدد من الدول المجاورة، وفي مقدمتها تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، لافتة إلى أنها تعتبر قاطرة مهمة للاقتصاد، وعائدها يظهر في وقت وجيز للغاية، وكل ما تحتاجه هو إجراءات يسيرة، ودعاية جيدة لجذب السائح للتخفيضات والسلع الجيدة قليلة الضرائب.
وتابعت الملاح: “هذا النوع من السياحة يمكن أن يستقطب ملايين الأشخاص سنوياً إذا جرت إدارته بشكل صحيح، ومن أكثر الفعاليات التي تسهم في إنعاشه هي مهرجانات التسوق التي تقيمها الدول على نطاق واسع وتستمر طوال أشهر، بحيث تكون فرصة كبيرة لإنعاش العلامات التجارية المحلية، والصناعات الحرفية القومية إذا ما عرضت بأسعار تنافسية”.
وتشير الأكاديمية هدى الملاح، المتخصصة في فلسفة الاقتصاد، إلى أنه على الدول أن تبحث عن القطاعات التي يمكن أن تروّج لها وتضعها ضمن خطط سياحة التسوق، ضاربة المثل بالصناعات الحرفية واليدوية في مصر، إذ يمكن أن تكون في رأيها جزءاً من تجربة سياحية متكاملة، وتسهم في إنعاش الاقتصاد وتفتح مجالات استثمارية كبيرة.
اقتصاد الحدود
على الجانب الآخر، يبدو السفر عبر الحدود لأغراض متعددة أكثر سهولة، بل يعتمد كسلوك شبه يومي ليس بحاجة إلى تفكير طويل في الدول الأوروبية، فوفقاً لدراسة نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) عن المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء فإن أكثر من 50 في المئة من الأسر المقيمة في المقاطعات الحدودية الفرنسية عبرت الحدود خلال عام 2024 للتسوق في دولة مجاورة، لذا من غير المستغرب أن يسافر الفرنسيون إلى بلجيكا وبولندا لشراء التبغ بسبب خضوعه لضرائب أقل كثيراً مقارنة بفرنسا.
كذلك يفضّل ساكنو البلدات الحدودية الفرنسية السفر إلى إيطاليا أو إسبانيا أسبوعياً أو شهرياً لتسوق اللحوم والقهوة وزيت الزيتون للاستفادة من الجودة ومن فرق الأسعار الكبير الذي يستحق تلك الرحلة التي تكون تكلفتها زهيدة الثمن نظراً إلى التسهيلات الجمة في التنقل بين دول القارة، وبشكل معاكس تستقبل فرنسا سكان البلدات الحدودية في سويسرا لشراء مستلزمات مثل مستحضرات التجميل والجبن والفاكهة كذلك، لأنها تباع بأسعار أرخص كثيراً، الأمر نفسه بالنسبة لمن يعيشون في سويسرا بالقرب من الحدود الألمانية، إذ إن أسعار السلع الألمانية بالنسبة إليهم اقتصادية، ويعتبرون التسوق الأسبوعي من متاجرها فرصة كبيرة للتوفير.
وعلى الجانب الآخر، من الشائع أن يبحث ساكنو المدن الحدودية في ألمانيا عن فرص عمل قريبة في بلدات سويسرية، إذ يمكنهم التمتع بمزايا الراتب المرتفع في سويسرا من دون فقد مزايا أسعار الإيجار والسلع المعقولة في ألمانيا. كذلك تستقطب ألمانيا أيضاً المسافرين الحدوديين من الدنمارك وهولندا لشراء السيارات الفاخرة وذات الضرائب الأقل، وعلى الجانب الآخر يقود الألمان رحلات عكسية إلى بولندا على سبيل المثال لشراء الوقود بأسعار أقل كثيراً، فينتشر هذا النوع من السفريات القصيرة التي يمكن من خلالها توفير عشرات اليوروهات في كل تعبئة.
كذلك، فإن سكان بلدان مثل النرويج وفنلندا والسويد وآيسلندا لديهم معايير بالغة الصرامة على المشروبات الكحولية سواء في ما يتعلق بالكميات المتاح شراؤها وأيضاً نسب التركيز، إضافة إلى عدم إتاحة أنواع معينة إلا في متاجر حكومية محدودة، خلال أيام بعينها في الأسبوع، والأهم هو وجود نسبة ضرائب مرتفعة مما يجعل أسعارها باهظة بالنسبة لغالبية السكان، ولهذا يلجؤون إلى دول مجاورة لتخطي تلك القيود.
وفي حين تشهد الحدود المكسيكية- الأميركية تشديدات أمنية تتزايد منعاً للهجرة غير المنظمة القادمة للولايات المتحدة الأميركية، فإنه على غير المتوقع يرغب عدد من الأميركيين في الذهاب إلى المكسيك في بعض الأوقات من أجل استفادات مادية، إذ إن بعض العائلات ذات الدخل المحدود قد تجد الحصول على علاجات الأسنان في المكسيك حلاً معقولاً، مقارنة بتكاليف هذا العلاج في الولايات المتحدة التي تعتبر باهظة، كذلك قد يحدث الأمر نفسه مع البلدات الكندية الحدودية، حيث يفضّل الأميركيون السفر لها لشراء الأدوية بأسعار أقل بكثير.
