لم تعد دعوة دمشق إلى الاجتماع غير الرسمي لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص مجرد تفصيل بروتوكولي. ففي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، من تداعيات الحرب على إيران إلى الطاقة والهجرة، تبدو سوريا بالنسبة إلى الأوروبيين أكثر من دولة خرجت تدريجيًا من العزلة. هي اليوم، في نظرهم، عقدة عبور، وملف لاجئين، ونقطة ارتكاز في شرق متوسط يتغيّر بسرعة.
الاجتماع الذي عقد الأسبوع الماضي في قبرص لا ينعقد من أجل سوريا تحديدًا، لكن توقيته وحده يكفي ليجعل حضورها ذا دلالة. يشرح مصدر أوروبي لـ”أساس” أنّ كل ملف مطروح على الطاولة الأوروبية يمر، بطريقة أو بأخرى، عبر دمشق، أو يصطدم بها، أو يحتاج إلى التفاهم معها.
في الأساس، الرسالة الأوروبية واضحة: لا يمكن إبقاء سوريا خارج الحسابات بعد الآن. وثيقة كشفتها “رويترز” تُظهر أن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى استعادة العلاقات السياسية الرسمية مع دمشق، وفتح حوار رفيع المستوى مع السلطات الانتقالية، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والأمني. هذا لا يعني أن أوروبا قلبت الصفحة بالكامل، لكنه يعني بوضوح أنها بدأت تتعامل مع سوريا كواقع سياسي لا كحالة معلّقة.
عودة اللاجئين؟
يفصّل المصدر الملفات المطروحة على الطاولة بالشكل الآتي:
– الملف الأول هو الهجرة. هنا تحديدًا تكمن إحدى أهم دوافع الانفتاح الأوروبي. فالعواصم الأوروبية تعرف أن أي حديث جدي عن عودة اللاجئين لا يمكن أن يبقى معلقًا في الهواء، ولا يمكن أن يتم من دون الدولة السورية. لذلك، لا تبدو إعادة التواصل مع دمشق خيارًا دبلوماسيًا فحسب، بل محاولة لبناء أرضية عملية للتعامل مع ملف العودة، بكل ما يرتبط به من استقرار وخدمات وبنية تحتية وإعادة إعمار.
لا يبدو هذا الملف منفصلًا عن الضغوط التي تعيشها دول المتوسط نفسها. فقد تصدّر السوريون قائمة المهاجرين الذين أعادتهم قبرص خلال عام 2025، ضمن سياسة هجرة متشددة أسفرت عن إعادة 12,029 شخصًا، في أعلى رقم تسجله الجزيرة على الإطلاق. وهذا الرقم لا يمر كتفصيل إداري، بل يكشف حجم الضغط الذي يدفع الأوروبيين إلى النظر إلى سوريا ليس فقط كملف سياسي أو أمني، بل أيضًا كبوابة أساسية في أي مقاربة جدية لأزمة اللجوء والعودة.
الأوروبيون يكررون تعبير “العودة الآمنة والطوعية والكريمة”، لكنهم يدركون جيدًا أن هذا الشعار يبقى بلا معنى إذا لم تتوافر ظروف تسمح للناس بالعودة فعلًا. من هنا، تصبح سوريا بالنسبة إلى أوروبا جزءًا من الحل، لا مجرد عنوان للأزمة. لا أحد في بروكسل يريد أن يقول ذلك بهذه الصراحة، لكن المعنى واضح: لا يمكن إدارة ملف اللجوء من دون دمشق.
ممر آمن للطاقة؟
– أما الملف الثاني، فهو الطاقة والعبور، وربما يكون الأكثر جذبًا في الحسابات الأوروبية الجديدة. الحرب الأخيرة، وما رافقها من توتر في مضيق هرمز، أعادت طرح سؤال الممرات البديلة، وأعادت معه سوريا إلى الواجهة. فالموقع السوري لم يعد يُقرأ فقط من زاوية الأمن والحدود، بل أيضًا من زاوية الربط بين الخليج وشرق المتوسط وتركيا.
أحمد الشرع نفسه تحدّث عن سوريا بوصفها “ممرًا آمنًا” يمكن أن يشكل بديلًا لخطوط الطاقة وسلاسل الإمداد، ولا سيما في الربط بين الخليج وتركيا عبر سوريا والأردن. وفي موازاة ذلك، برزت خطوة عملية لافتة مع تحميل أول شحنة من النفط العراقي في بانياس بعد نقلها برًا عبر الأراضي السورية. قد لا يكون هذا التحول مكتملًا بعد، لكنه يكفي ليؤكد أن الحديث عن وظيفة عبور سورية لم يعد مجرد فكرة نظرية.
بالنسبة إلى أوروبا، لا يعني هذا أن سوريا ستتحول بين ليلة وضحاها إلى بديل شامل عن المسارات البحرية المهددة، لكن المعنى الأوضح هو أن دمشق دخلت فعليًا في النقاش الأوروبي المتعلق بأمن الطاقة. وهذا بحد ذاته تحول مهم.
– إلى جانب الهجرة والطاقة، هناك بُعد ثالث لا يقل أهمية، هو البعد الجيوسياسي. فاجتماع قبرص لا يناقش فقط تداعيات الحرب على إيران، بل يناقش أيضًا موقع أوروبا نفسه في شرق المتوسط والشرق الأوسط، وكيف تتصرف في منطقة تهتز تحالفاتها القديمة وتتبدل فيها موازين النفوذ.
اختبار لمرحلة جديدة
من هذه الزاوية، تبدو دعوة دمشق جزءًا من محاولة أوروبية لفهم شكل الإقليم المقبل: من يمسك بالممرات؟ من يستطيع التأثير في ملفات النزوح والأمن والحدود؟ ومن يمكن أن يتحول إلى شريك أو وسيط أو نقطة توازن؟ سوريا اليوم تحاول أن تقدم نفسها كإحدى الإجابات الممكنة عن هذه الأسئلة، والأوروبيون، على ما يبدو، باتوا مستعدين على الأقل للاستماع.
لكن من المهم أيضًا عدم المبالغة، كما يقول مصدر “أساس”. فدعوة أحمد الشرع لا تعني أن أوروبا حسمت موقفها بالكامل، ولا تعني أن كل العواصم الأوروبية تنظر إلى دمشق بالعين نفسها. كما أن تحويل سوريا إلى ممر إقليمي واسع للطاقة والنقل ما زال يصطدم بعقبات كثيرة: سياسية وأمنية ومالية، فضلًا عن تعقيدات التفاهمات الدولية الأوسع.
مع ذلك، يبقى الثابت أن سوريا عادت إلى الطاولة. لا كعبء أمني فقط، ولا كملف نزاع مؤجل، بل كعنصر يرتبط مباشرة بحسابات الطاقة والهجرة وإعادة توزيع النفوذ في المنطقة. وهذا، بحد ذاته، كافٍ لفهم أهمية حضورها في قبرص.
في الجوهر، لا يتعلق ما يجري بدعوة بروتوكولية إلى غداء عمل مع “شركاء إقليميين”. المسألة أعمق من ذلك. نحن أمام بداية اختبار أوروبي لمرحلة جديدة، تعترف فيها أوروبا، ولو بحذر، بأن التعامل مع أزمات الشرق الأوسط لم يعد ممكنًا من دون دمشق. وسوريا، التي كانت لسنوات ساحة مفتوحة للصراعات، تحاول اليوم أن تطرح نفسها كعقدة مصلحة، لا مجرد ساحة اشتباك.
