زيد اسليم
كاتب وصحفي…المصدر مجلة الفراتس
كان البحر يطوّق ياسي أدا، الجزيرة الصغيرة في بحر مرمرة قبالة إسطنبول، من جهاتها كلها. بيد أن رئيس الوزراء المعزول عدنان مندريس لم يكن يراه إلا من وراء زجاج مطلي ونافذة أُغلقت بإحكام على الضوء. خلف تلك النافذة، في غرفة لا تزيد مساحتها على سبعةِ أمتار مربعة داخل حامية عسكرية، أمضى رئيس الوزراء التركي الأسبق أيامه الأخيرة سنة 1961. محتويات غرفته كانت طاولةً خشبيةً وكرسياً وسريراً حديدياً أسود وستارة بيضاء، وقطعة خشبية تقوم مقام الخزانة. وعلى كرسي آخر، جلس ضابط حراسة يراقب نومه وصحوه، وتكفّل لاقط صوتي خفي بالتقاط ما بقي من صوت رجل كان قبل أشهر قليلة يدير شؤون تركيا.
شيئاً فشيئاً، تبدلت ملامح مندريس في سجنه. وفي الليلة الواصلة بين 14 و15 سبتمبر 1961، ظل يقظاً حتى الصباح يدخن بلا انقطاع، ينتظرُ النطق بالحكم عليه. ابتلع ما كان قد جمعه من حبوب النوم، وتمدد على سريره ساكناً، فظن الحارس أن النوم غلبه. وحين اقترب موعد الجلسة حاولوا إيقاظه، فإذا النفس يخرج عسيراً، والنبض مضطرب على نحو أثارَ الهلع في الحامية. غاب مندريس عن القاعة، وحضر اسمه في قرار حكم الإعدام بتهمة انتهاك الدستور. وبعد علاج عاجل، أجمع الأطباء أن حالته الصحية عادت إلى طبيعتها. فحُمِل إلى زورق حربي متجه نحو إمرالي، الجزيرة الأخرى في بحر مرمرة. كان يظن أنه يُنقل إلى فحص آخر، حتى عُلّق قرار التنفيذ على ياقته وقُيدت يداه وأُلبس قميصَ الإعدام، ومضى إلى المشنقة يوم 17 سبتمبر 1961.
قبل إحدى عشرة سنة كان الاسم نفسه يدخل تركيا من باب معاكس. فقد حملت صناديق الاقتراع الحزب الديمقراطي الذي أسسه مندريس ورفاقه إلى السلطة، وأنهت سبعاً وعشرين سنة من الحكم الأوحد لحزب الشعب الجمهوري. صعد مندريس من البرلمان، محمولاً على موجة اجتماعية شعرت أن العاصمة أنقرة، بدأت تُسْمِعُ صوتها بعد زمن طويل من الرقابة والإرشاد والوصاية. لهذا تضيق سيرة مندريس كلما حُبست في صورة واحدة. في الذاكرة المحافظة، بقي مندريس الرجل الذي أعاد الأذان بالعربية وفتح نافذة لتديّن المجتمع داخل الجمهورية. وفي ذاكرة اليمين السياسي التركي، صار اسمه جرحاً مبكراً في صراع الصندوق مع الوصاية العسكرية. أما في أرشيف الحرب الباردة، فيظهر وجه آخر لرئيس حكومة شدّ بلاده إلى الغرب، وثبّت عضويتها في حلف شمال الأطلسي “ناتو”، وراهن على حلف بغداد سنة 1955 في مواجهة الشيوعية وصعود الحياد العربي. وبين هذه المشاهد المتضاربة، تظهر تركيا الخمسينيات وهي تختبر أسئلتها الأولى في زمن التعددية، وتضع اليوم ملامح إرث سياسي بقى حاضراً بعد سقوط صاحبه.
لكن هذه البداية الميسورة لم تدم طويلاً، إذ دخل اليتم حياة مندريس مبكراً. ففقد أمه وأباه بالسل، ثم أخته كذلك، ونشأ في رعاية جدته فاطمة هانم. وفي كنفها انتقل من أيدن إلى إزمير، المدينة الساحلية الكبرى على بحر إيجة. درس في إعدادية الاتحاد والترقي، ثم التحق بكلية قزلتشولو الأمريكية الثانوية قرب إزمير، قبل أن تقطع الحرب العالمية الأولى تعليمه.
استُدعي مندريس إلى تدريب ضباط الاحتياط سنة 1916، وأُرسل نحو جبهة سوريا وفلسطين، لكن المرض أوقفه في أضنة جنوب الأناضول قبل الوصول إلى الجبهة. ثم جاءت هدنة مودروس، التي أنهت مشاركة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى في أكتوبر 1918، واحتلت اليونان إزمير في مايو 1919 وفقاً لقرار الحلفاء مصيرَ الأراضي العثمانية المهزومة. فعاد مندريس إلى إزمير ليجد نفسه أمام بلد مكسور وأرض واسعة تنتظر مالكاً شاباً ليست له خبرة استغلالها.
شارك مندريس مع آخرين في نواة محلية مسلحة عُرفت بعصابة الهلال والنجمة سنة 1919، وهي مقاومة محلية قاتلت الاحتلالين اليوناني والإيطالي في محيط أيدن. ومع انتقال المقاومة المحلية إلى حركة وطنية قادتها أنقرة بقيادة أتاتورك، ثم هزيمة القوات اليونانية وانسحابها من الأناضول سنة 1922، تلتها هدنة مودانيا ومفاوضات لوزان، أُعلنت الجمهورية التركية في العام التالي. عاد بعدها مندريس إلى حياة الأرض، وتزوج سنة 1928 من فاطمة برّين هانم، ابنة أسرة إزميرية معروفة. بذلك اجتمعت حوله شبكة أوسع من الأملاك والوجاهة المحلية والمصاهرة المدنية، وهي دوائر تداخلت لتمهد دخوله عالم السياسة.
دخل مندريس السياسة سنة 1930 من ثغرة قصيرة سمحت بها الجمهورية حينئذ ثم سارعت إلى إغلاقها. فقد أسس علي فتحي أوكيار، صديق مصطفى كمال أتاتورك، الحزب الجمهوري الحر في 12 أغسطس بطلب أتاتورك وتشجيعه، في محاولة لإيجاد معارضة محدودة داخل نظام الحزب الواحد. تولى مندريس تنظيم الحزب في أيدن، وسرعان ما أظهرت التجربة أن تحت السطح جمهوراً أكبر من المساحة التي أرادتها أو تصورتها أنقرة للمعارضة. عاش الحزب نحو ثلاثة أشهر فقط ثم حلّه أوكيار في 17 نوفمبر.بعد إغلاق الحزب، سعت قيادة حزب الشعب الجمهوري إلى استيعاب الكوادر المحلية التي برزت في تلك التجربة على قصرها، فدخل مندريس الحزب من بابه الرسمي. ثم في انتخابات 1931، صار مندريس نائباً عن أيدن في قائمة حزب الشعب الجمهوري. انتقل إلى أنقرة من خارج النخبة الإدارية التي تشكلت حول الجمهورية الجديدة، ولم يكن قد أكمل تعليمه الجامعي أو سبق له العمل في جهاز الدولة. لذا أكمل دراسة الحقوق وهو نائب، وشارك في اللجان والمهمات الحزبية.في السنوات التالية، تعرضت العلاقة بين حزب الشعب الجمهوري والمجتمع لضغوط متزايدة، خصوصاً مع اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939. ظلت تركيا خارج القتال المباشر، لكن حكومة رئيس الوزراء عصمت إينونو أبقت البلاد في تعبئة طويلة. سحبت على الأثر مواردَ محليةً ضخمة لصالح الجيش، ما أدى إلى شح في الواردات وارتفاعٍ في الأسعار ونقصٍ في السلع. كذلك فرضت الدولة ضريبة الثروة سنة 1942، وهي ضريبة استثنائية استهدفت رؤوس الأموال والممتلكات وأصابت غير المسلمين والأجانب خاصة. وهو ما زاد الشعور بأن أعباء الحرب تُوزَّع على نحو غير متساوٍ.وفي الريف، اتخذت أعباء الحرب شكلاً آخر. فقد ألزمت الدولة المنتجين ببيع كامل فائض محاصيلهم، بعد اقتطاع حاجات الأسرة والبذار والعلف، إلى مؤسسة المحاصيل الزراعية بأسعار رسمية تقل عن أسعار السوق. هذا إلى جانب الضرائب الزراعية التي أثقلت الريف والمنتجين.يشرح المؤرخ الاقتصادي شوكت باموق هذا في دراسته “وور، ستيت إيكونومك بوليسيز” (الحرب وسياسات الدولة الاقتصادية)، المنشورة سنة 1991، أن كل هذا دفعَ شرائح واسعة من المدن والأرياف إلى الانقلاب سياسياً على حزب الشعب الجمهوري. وقد وصل الخلاف سنة 1945 إلى الأرض مع طرح قانون تمليك الفلاحين، الذي هدف إلى توزيع جزء من الأراضي الواسعة على الفلاحين الذين لا يملكون أرضاً كافية. عارض مندريس المشروع دفاعاً عن كبار الملاك وحدود تدخل الدولة في الملكية والإنتاج.
كان ذلك الخلاف إيذاناً بانتقال مندريس من الاختلاف مع قانون تمليك الفلاحين، إلى تحدي قواعد العمل السياسي نفسها داخل الحزب. ففي السابع من يونيو 1945، قدّم النوّاب جلال بايار وفؤاد كوبريلي ورفيق كورالتان وعدنان مندريس إلى كتلة حزب الشعب الجمهوري مذكرة عُرفت لاحقاً باسم “دورتلو تقرير”، أي مذكرة النواب الأربعة. طالبوا في المذكرة بتوسيع الحريات السياسية، وتعزيز رقابة البرلمان، وإعادة تنظيم الحياة الحزبية بما ينسجم مع الدستور. رفض الحزب المذكرة، ثم فُصل مندريس وكوبريلي وكورالتان، واستقال بايار. تحول الخلاف الذي بدأ داخل الحزب إلى مشروع سياسي مستقل انتهى إلى تأسيس الحزب الديمقراطي في السابع من يناير 1946.
ولم يأتِ ذلك الانشقاق في فراغ. ففي السنوات الأخيرة من نظام الحزب الواحد، بدأت رئاسة الجمهورية تمهّد لانتقال سياسي. ففي خطاب 19 مايو 1945، أعلن عصمت إينونو أن زوال القيود التي فرضتها الحرب العالمية سيفتح المجال أمام حضور أوسع للمبادئ الديمقراطية في الحياة السياسية والفكرية. ثم أوضح اتجاهه في خطاب افتتاح البرلمان في الأول من نوفمبر من العام نفسه، حين وصف غياب حزب معارض أمام حزب الحكومة بأنه النقص الأساس في النظام السياسي.
لكن الانتقال إلى التعددية الحزبية لم يحدث دفعة واحدة. فقد بدأت المرحلة الجديدة من الناحية التنظيمية بتأسيس حزب التنمية الوطنية بقيادة رجل الأعمال نوري دميراغ في 18 يوليو 1945، ثم صار لها وزنٌ سياسيٌ مع تأسيس الحزب الديمقراطي.
يشرح الباحث في التاريخ في جامعة عبدالله غول مراد كاراتاش هذا في دراسته “توركيه ده تشوك بارتيلي [. . .]” (تقييم للحركيات الداخلية والخارجية لمرحلة الانتقال [. . .])، المنشورة سنة 2022. يقول إن القيادة التركية رأت في استمرار نظام الحزب الواحد كلفةً متزايدةً، بعدما أنهكت التعبئة وسياسات اقتصاد الحرب والضرائب والتضخم قطاعات واسعة من المجتمع، وعمقت التذمر في الريف والمدن وداخل التحالف الذي استند إليه حزب الشعب الجمهوري. يضيف بأن النظام وجد نفسه أقل انسجاماً مع الموقع الدولي الذي أرادت تركيا بناءه، لاسيما بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، والمطالب السوفييتية بأراضٍ تركية على الحدود الشرقية – مدينتي قارص وأردهان – وإعادة تنظيم المضائق بما يمنح الاتحاد السوفييتي دوراً عسكرياً مباشراً فيها. إضافة إلى حاجة تركيا إلى المساندة الأمريكية والغربية.
في محاولته الأولى لدخول المعترك السياسي رسمياً، خاض الحزب الديمقراطي انتخابات 1946 ولكنه خسرها. وفي هذا السياق، يوضح المؤرخ التركي عثمان أكندره في دراسته “1946 غينال سَتشِملَري في صونوتشلاري” (انتخابات 1946 ونتائجها) المنشورة سنة 2010، بأن اعتماد الاقتراع العلني والفرز السري، إلى جانب انحياز بعض المسؤولين والموظفين المحليين إلى حزب الشعب الجمهوري، ألقى بظلال على نزاهة الانتخابات وفتح المجال أمام المخالفات واتهامات التزوير. وهي العوامل التي ربما أقنعت الحزب الديمقراطي بأن وجود المعارضة وحده لا يكفي، وأن سلامة الصندوق تحتاج إلى قانون وإدارة ومحاكم تضمنه.
بعد هذه التجربة، تحرك مندريس بين سنتَيْ 1946 و1950 في القرى والبلدات، وصار شعاره وشعار حزبه “كفى، الكلمة للأمة” أكثر من ملصق انتخابي. كان الشعار للفلاح يعني دولة أقل خشونة، ولمالك الأرض حماية من تدخلات أنقرة، وللتاجر المحلي اقتصاداً أرحب. أما المحافظون، فسمعوا فيه وعداً بجمهورية لا تنظر إلى وجدانهم الديني اليومي عبئاً على مشروعها.
جاءت انتخابات 14 مايو 1950 تتويجاً لهذا التراكم. فاز الحزب الديمقراطي بنسبةِ 55.2 بالمئة من الأصوات وأربعمئة وستة عشر مقعداً في البرلمان، وانتقلت السلطة سلمياً بين حزبين للمرة الأولى. صار بايار رئيساً للجمهورية، وتولى مندريس رئاسة الحكومة. فحمل صعوده تغيراً في المركز الاجتماعي للسياسة، من نخبة الحزب الواحد وطبقة الإدارة الحكومية إلى الريف والتجار والمحافظين وفئات رأت أن الدولة بدأت تسمعها عبر الصندوق. ثم في انتخابات 1954، تعزز التفويض حين حصل الحزب على 58.4 بالمئة من الأصوات وخمسمئة وثلاثة مقاعد.
خلال حكومة مندريس الأولى، توسع قطاع الزراعة ودخلت الجرارات وشُقت الطرق وزاد الائتمان، فشعر أهل الريف أن الحكومة تقرب الدولة من حياتهم اليومية. وقد عززت هذه التحولات شعبية مندريس، وتزامنت مع أغلبية برلمانية واسعة للحزب الديمقراطي حدّت من الوزن الفعلي للمعارضة (حزب الشعب الجمهوري) داخل البرلمان، مع بقاء كتلة اجتماعية واسعة خارج صفه.
ومع ترسيخ هذا التفوق، بدأت حكومة مندريس ترجمة بعض وعودها إلى سياسات ملموسة. ففي برنامج الحكومة الذي تلاه أمام البرلمان يوم 29 مايو 1950، تعهد مندريس باحترام حرية الدين والوجدان، وتوفير الدروس الدينية والمؤسسات اللازمة لإعداد رجال الدين. ثم أكد عزم حكومته على مواجهة ما سمّاه التحريض الرجعي. فبعد أقل من شهر على تشكيل حكومته الأولى، أقر البرلمان تعديل المادة 526 من قانون العقوبات. فأبقى العقوبات العامة التي تلاحق مخالفة أوامر السلطات المختصة بشؤون الأمن والنظام، ثم حذف العبارة التي تعاقب من يرفع الأذان أو الإقامة بالعربية.
وعلى جرأة الخطوة، لم تكن مراجعة القيود التي أرساها مصطفى كمال أتاتورك على الحياة الدينية جديدة حين وصل مندريس إلى الحكم. ففي السنوات الأخيرة من رئاسة عصمت إينونو، بدا أن حزب الشعب الجمهوري أدرك أن الانتقال إلى التعددية الحزبية يفرض عليه مخاطبة مجتمع ظل الدين حاضراً في حياته رغم القيود.
ففي سنة 1948 افتتحت حكومة إينونو دورات قصيرة لإعداد الأئمة والخطباء، وأعادت تدريس الدين اختيارياً خارج الجدول الرسمي في بعض الصفوف الابتدائية، ثم أنشأت كلية الإلهيات في جامعة أنقرة سنة 1949. ويربط صباح الدين نال، أستاذ الاقتصاد والإدارة في جامعة هاتاي، في دراسة بعنوان “ديموكرات بارتينين دين سياستي” (السياسة الدينية للحزب الديمقراطي) المنشورة سنة 2005، بين الانتقال إلى التعددية السياسية وحاجة حزب الشعب الجمهوري إلى أصوات الناخبين. ويرى أن الحزب بدأ في تلك المرحلة تخفيف نهجه العلماني والتحول نحو سياسة أكثر مرونة في التعامل مع الدين.
بهذا فتحَ حزب الشعب الجمهوري لحكومة مندريس المجال، لتتجه بعدها إلى معالجة النقص في الأئمة والخطباء بمؤسسة دائمة. ففي 13 أكتوبر 1951، اتخذت لجنة المديرين في وزارة التعليم قراراً بافتتاح مدارس الأئمة والخطباء في سبع مدن، منها أنقرة وإسطنبول. وكانت المدارس مهنية تتبع وزارة التعليم، تجمع بين العلوم الدينية والمواد العامة، وتهدف إلى إعداد أئمة المساجد وخطباء الجمعة ضمن جهاز ديني تشرف عليه الدولة. أعادتْ الحكومة أيضاً فتحَ بعض التكايا الصوفية المغلقة منذ سنة 1925، تحت غطاء ثقافي وسياحي.
على ذلك، لم تكن خطوات مندريس انقلاباً على الكمالية. فعندما وقعت اعتداءات على تماثيل لأتاتورك في عدد من المدن سنة 1951، لم يعتبرها مندريس ضمن المساحة التي فتحها للحرية الدينية. بل عاد إلى البرلمان مطالباً بأداة عقابية جديدة، فأقر المجلس في 25 يوليو 1951 القانون رقم 5816، الذي جرم الاعتداء على ذكرى أتاتورك.
أثار المشروع نقاشاً عن دستورية سن قانون خاص لحماية ذكرى شخص واحد. إلا أن مندريس علله وسيلةً لحفظ النظام العام وحماية رمز يرى أن الاعتداء عليه يصيب المجتمع والدولة معاً. مع ذلك، عزز تخفيف القيود على الحياة الدينية شعور المحافظين أن الجمهورية باتت تعترف بهم على نحو أوسع. وشعروا أن أعمالهم وعاداتهم الدينية لم تعد تُعامل بقايا من الماضي ينبغي إقصاؤها.
لم يكن التحول الذي أحدثه مندريس في الداخل منفصلاً عن التحول الذي كان يطرأ على موقع تركيا في العالم. فقد رأى مندريس أن توسيع حضور المحافظين داخل الجمهورية ينسجم مع توثيق صلات الدولة بالولايات المتحدة وحلفائها. أراد مندريس تركيا أكثر اتصالاً بوجدان مجتمعها، وأكثر ارتباطاً بالغرب في أمنها واقتصادها.
وكان هذا التحول قد بدأ في عهد عصمت إينونو، حين فقد الحيادُ قابليتَه للاستمرار مع صعود الاتحاد السوفييتي، ومطالبته بمراجعة حدود الاتحاد الغربية مع تركيا وإعادة النظر بنظام المضايق. عندها اتجهت تركيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بحثاً عن ضمان أمني، فدخلت سنة 1947 تحت مظلة مذهب الرئيس الأمريكي هاري ترومان، الذي تعهد بتقديم الدعم العسكري والاقتصادي لتركيا واليونان في مواجهة الضغط السوفييتي. ثم انضمت تركيا إلى خطة مارشال سنة 1948، البرنامج الأمريكي لتمويل إعادة بناء اقتصادات أوروبا وتحديثها بعد الحرب، فبدأت المساعدات والمعدات الأمريكية تتدفق إلى الجيش والاقتصاد والحقول التركية.
أخذ مندريس هذا المسار وسرّعه. فقد احتاج برنامجه الاقتصادي إلى العملات الأجنبية والآلات والقروض، واحتاجت حكومته إلى إنجاز يميزها عن حزب الشعب الجمهوري. وقد منح موقع تركيا على حدود الاتحاد السوفييتي، وجيشها الكبير نسبياً، وسيطرتها على المضايق، أوراقاً أراد مبادلتها بالحماية والتمويل والمكانة داخل المعسكر الغربي. ولهذا وضع الولايات المتحدة في صدارة برنامج حكومته، وأعلن رغبته في توسيع العلاقات معها سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
وقد رأت تركيا في التجربة الأمريكية نموذجاً يناسب رؤيتها، إذ تجمع التدين الاجتماعي باقتصاد السوق، والانتخابات بالتقدم الزراعي والصناعي. ولذلك وجد الحزب الديمقراطي فيها صورة للغرب أقرب إلى جمهوره المحافظ. وحين رفع الحزب شعار تحويل البلاد إلى “أمريكا صغيرة” على لسان رئيس الجمهورية جلال بايار سنة 1957، كان يقدم هذا النموذج بديلاً عن الصرامة الثقافية التي ارتبطت عند المحافظين بعهد الحزب الواحد.
اختبار هذا التوجه جاء إثر اندلاع الحرب الكورية، بعد أسابيع فقط من تشكيل حكومة مندريس. فقد اجتاحت كوريا الشمالية جارتها الجنوبية في 25 يونيو 1950، فأقر مجلس الأمن إرسال قوة دولية للدفاع عن كوريا الجنوبية وصد الغزو، وتولت الولايات المتحدة قيادة القوة. وعلى بُعد الجبهة عن المصالح التركية المباشرة، رأى مندريس فيها اختباراً للدول التي تطلب الحماية الأمريكية، ووسيلة لإقناع الحلفاء بأن تركيا مستعدة إلى الإسهام في الدفاع عن المعسكر الغربي. وفي 25 يوليو، قرر مجلس الوزراء إرسال نحو أربعة آلاف وخمسمئة جندي، دون تصويت من البرلمان.
بهذا صارت تركيا تثبتُ موقعها داخل الحلف الغربي، فوُقع انضمامها واليونان إلى الناتو في 17 أكتوبر 1951، وأصبح البلدان عضوين رسميين في 18 فبراير 1952. وجاء دخولهما معاً استجابة لحسابات الجناح الجنوبي للحلف (المنطقة الممتدة من جنوب أوروبا وشرق المتوسط، التي عُدّت خطاً متقدماً في مواجهة الاتحاد السوفييتي وحلفائه). قدم مندريس العضويةَ إنجازاً لحكومته ونتيجة لقرار المشاركة في الحرب الكورية. مع أن الطريق إلى عضوية الناتو قد بدأ في عهد سابقه إينونو، إلا أن رئيس الحكومة الجديد استطاع أن يظهر الرجلَ الذي دفع المسار إلى نهايته.
خدمت العضوية في الناتو شرعية مندريس في الداخل، إذ بدا الحزب الديمقراطي قادراً على حماية الحدود ورفع مكانة الدولة وجلب السلاح والمال، بينما كانت حكومته تشق الطرق وتوزع الجرارات وتوسع الائتمان الزراعي. وارتبطت صورة الرخاء الأولى بالمساعدات القادمة من الغرب، واختلط في الخطاب الرسمي الأمن بالتنمية.
لكن الانخراط المتزايد في الحرب الباردة خارجياً انتقل سريعاً إلى السياسة الداخلية. فصار الشيوعي في الخطاب الرسمي امتداداً محتملاً للخطر السوفييتي، وتحولت معاداة اليسار إلى معيار من معايير الولاء للدولة. ففي ديسمبر 1950 لاحقت الحكومة جمعية محبي السلام، التي شاركت عالمة الاجتماع بهيجة بوران في قيادتها بعدما اعترضت على إرسال الجنود إلى كوريا. واعتقلت الحكومة عدداً من أعضائها، ووسعت ملاحقة المنشورات والتنظيمات اليسارية، وضيقت على مساحات العمل الفكري والنقابي التي حاولت الظهور مع الانتقال إلى التعددية الحزبية.
كثيراً ما تُروى نهاية حكم مندريس في الخطاب العربي بصورة الزعيم الذي أعاد الأذان بالعربية إلى تركيا، ثم أطاح به الجيش دفاعاً عن إرث أتاتورك العلماني. قد تلتقط هذه الصورة جانباً من الصراع، لكنها تختزل مساراً كان أكثر تعقيداً قاد إلى الانقلاب.
فقد بلغ الحزب الديمقراطي ذروة قوته في انتخابات 1954، حين جمع مندريس الريف والطبقة المرفهة الصاعدة والناخبين المحافظين حول سنوات من النمو والطرق والائتمان الزراعي. ومنحته أغلبية كادت تُغيب المعارضة عن البرلمان، فأغراه التفويض الواسع بمساواة الأغلبية بالأمة واعتبار الاعتراض تعطيلاً لإرادة الناخبين. وظهرت هذه النزعة في مصادرة بعض ممتلكات حزب الشعب الجمهوري سنة 1951، وتشديد القيود على الصحافة سنة 1953، وتوسيع إمكان إحالة القضاة إلى التقاعد، والحد من النشاط السياسي لأساتذة الجامعات.
حملت انتخابات 1957 إنذاراً معاكساً. إذ تراجعت حصة الحزب إلى 47.88 بالمئة من الأصوات، بانخفاض 10.52 نقاط مئوية مقارنة بانتخابات 1954. في المقابل، ارتفعت حصة حزب الشعب الجمهوري إلى 41.09 بالمئة، مع احتفاظ مندريس بما يساوي 424 مقعداً من أصل 610 بفعل نظام الأغلبية.
زيادةً على ذلك، تحرك الاقتصاد ضد الرواية التي صنعت سنوات مندريس الأولى. فبعد مواسم زراعية مواتية ومساعدات أمريكية واسعة، تراجعت الزراعة وتزايدت الواردات والديون ونقصت العملة الأجنبية، فارتفعت الأسعار وتآكلت رواتب الموظفين والضباط. وفي أغسطس 1958، اضطرت الحكومة إلى خفض قيمة الليرة مقابل قروض ومساعدات وإعادة جدولة الديون، فكشف الاتفاق هشاشة نمو قام على التمويل الخارجي.
كذلك ظهر الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية داخل الجيش بصورة متناقضة، حسبما يشير الباحثان في العلوم السياسية أولكان سنم أوغلو، من جامعة جنق قلعة، وشيدا بوكروجو كازكوندو، من جامعة زنلداق، في دراستهما المشتركة سنة 2025 “ثيوريتيكال فاونديشنز أوف سيفل ميليتري ريليشنز [. . .]” (الأسس النظرية للعلاقات المدنية العسكرية وحالة انقلاب 1960 في تركيا). يقول الباحثان إن انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي أتاح للقوات المسلحة إطلاق إصلاحات واسعة، وجعل الاحتكاك العسكري بأمريكا الضباطَ أكثر إدراكاً لضعف الجيش ونقص موارده. فقد حملت المساعدات والتدريبات أدوات التحديث، وكشفت في الوقت نفسه اتساع الفجوة التي كانت تفصل المؤسسة العسكرية التركية عن جيوش حلفائها.
وبالتوازي، كان الاستقطاب والاحتقان السياسي يتجه إلى مرحلة أكثر حدة. وهو ما اتضح مع إطلاق مندريس جبهة الوطن في 12 أكتوبر 1958، رداً على مسار توحيد القوى الذي بدأه حزب الشعب الجمهوري في مؤتمره يوم 21 مايو 1956، حين فوّض عصمت إينونو بالتنسيق مع حزبي الحرية والأمة الجمهوري لخوض الانتخابات العامة ومواجهة حكومة الحزب الديمقراطي بصورة مشتركة. أراد مندريس الجبهة شبكة شعبية تجمع أنصار الحزب الديمقراطي وتعيد تعبئة قاعدته في مواجهة ما وصفه بجبهة الهدم، كما عبّر في خطابِ إطلاقِ الجبهة في نفس اليوم.
توسعت فروع الجبهة في الولايات والأقضية، وراحت إذاعة الدولة تقرأ يومياً أسماء المنضمين إليها. وبلغ هذا المسار نهايته البرلمانية في 18 أبريل 1960، حين أنشأت أغلبية الحزب الديمقراطي “لجنة التحقيق” من الحزب الحاكم للتحقيق في أنشطة حزب الشعب الجمهوري وقطاعات من الصحافة. وبعد تسعة أيام، منحها القانون رقم 7468 صلاحيات واسعة، شملت منع النشر ووقف الصحف والمطبوعات وإغلاق المطابع وضبط الوثائق، والاستعانة بالسلطات القضائية والأمنية مع تضييق إمكان الطعن في قراراتها.
كانت ردة الفعل على ذلك تصعيداً في الشارع. ففي 28 أبريل، خرج طلاب جامعة إسطنبول إلى ميدان بايزيد، وامتدت الاحتجاجات في اليوم التالي إلى أنقرة. ففرضت الحكومة الأحكام العرفية وشددت الرقابة في محاولة لاحتواء هذه الاحتجاجات. ومع ذلك فقد كشف نزول الجيش إلى الشوارع تصدعاً جديداً، إذ ظهرت مشاهد تعاطف بين الجنود والطلاب.
انتقلت المواجهة من الشارع للثكنات العسكرية، فجاء الانقلاب من الرتب الوسطى، واحتاج بعد نجاحه إلى غطاء أعلى. تولى جمال مادان أوغلو، أحد أبرز الضباط التنفيذيين، إدارة العمليات في أنقرة. أما جمال غورسل، الجنرال الذي كان قد تولى قيادة القوات البرية، فوُضع في مقدمة لجنة الوحدة الوطنية وهي الهيئة العسكرية التي تولت السلطة بعد الانقلاب. ثم حُلّ البرلمان، وتولت اللجنة السلطة التشريعية وأشرفت على الحكومة التي أدارت السلطة التنفيذية.
أراد فريق من الجيش إعادة الحكم إلى المدنيين بعد إعادة صياغة الدستور والمؤسسات، بينما دفع العقيد توركيش ورفاقه نحو مرحلة عسكرية أطول تنفذ فيها الدولة برنامجاً واسعاً للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. أما قيادات الحزب الديمقراطي، ومن ضمنهم مندريس، فجُمعت في الكلية الحربية، ثم نُقلت إلى جزيرة ياسّي أدا فيما بدا محاولة من سلطة الانقلاب لتقديم استيلائها على الدولة في صورة محاكمة قانونية للعهد السابق.
إن ماتَ مندريس، فإنّ إرثه لم يمت معه. فقد بقيت قاعدة حزبه الاجتماعية حاضرة بين الفلاحين والتجار وسكان المدن الأناضولية والمحافظين الذين طالما ضاقوا بوصاية المركز. اتجهت قطاعات واسعة من هذه القاعدة إلى حزب العدالة الذي تأسس سنة 1961 واستوعب عدداً من كوادر الحزب المحظور، قبل أن يصبح سليمان ديميريل وريث مندريس الأبرز. حمل المهندس القادم من مدينة إسبارطة حزب العدالة إلى الحكم سنة 1965، وواصل برئاسته الحكومةَ ثم الجمهوريةَ تمثيل يمين الوسط الأناضولي داخل النظام السياسي.
صعد ديميريل داخل نظام أعاد انقلاب 1960 تصميمه بدستور جديد ومحكمة دستورية ومؤسسات رقابية أقوى. وقد ورث من مندريس قاعدة اجتماعية ولغة تنموية وخطاباً عن الإرادة الوطنية، ثم بدا أنه تعلم كيف يتراجع أمام الجيش ويعود إلى السياسة من طريق الانتخابات. أُجبر على الاستقالة بعد مذكرة 12 مارس 1971، التي أنذرت فيها قيادة الجيش الحكومةَ وطالبت بتشكيل حكومة جديدة قادرة على وقف الاضطراب وتنفيذ الإصلاحات.
عاد ديميريل إلى الحكم في 1975، ثم تولى رئاسة الحكومة مرة أخرى سنة 1977، قبل أن يقصيه انقلاب 12 سبتمبر 1980، حين استولى الجيش بقيادة كنعان إيفرين على الحكم، وحل البرلمان والأحزاب ومنع قادتها من العمل السياسي سنوات. في الثمانينيات، أعاد تورغوت أوزال تركيب هذا الإرث داخل عالم جديد. فأسس حزب الوطن الأم، وجمع في تنظيم واحد ليبراليين اقتصاديين ومحافظين وقوميين وشرائح ذات خلفية إسلامية. ومعه تحول الخطاب من الجرار والسد والطريق إلى التصدير والخصخصة وحركة رأس المال والاندماج في الاقتصاد العالمي، وصعدت في عهده طبقة تجارية أناضولية وجدت في السوق طريقاً لتقليص اعتمادها على مركز الدولة.
وفي عهد أوزال، انتقل إرث مندريس من الاستمرار الحزبي إلى الاعتراف الرسمي. أقر البرلمان في 22 مايو 1987 القانون ذا الرقم 3374، فأجاز نقل قبور مندريس ووزيريه فطين رشدي زورلو وحسن بولاتكان وإطلاق أسمائهم على منشآت عامة. ثم صدر القانون ذو الرقم 3623 في 11 أبريل 1990، فأعاد الاعتبار إلى المحكومين أمام محكمة ياسي أدا وفتح الطريق لنقل رفاتهم. ثم في 17 سبتمبر 1990 شق موكب رسمي شوارع إسطنبول حاملاً رفات الرجال الثلاثة، وكانت الوجهة ضريحاً أقيم عند توب كابي، على جادة وطن قرب أسوار إسطنبول القديمة، في جنازة حضرها رئيس الجمهورية تورغوت أوزال.
اكتسب رد الاعتبار صوراً أخرى داخل الحياة اليومية. فقد دخل مطار إزمير عدنان مندريس الخدمة سنة 1987، في غرب الأناضول الذي خرج منه الرجل إلى السياسة. وفي أيدن، موطنه الزراعي وقاعدته الانتخابية الأولى، أُنشئت جامعة عدنان مندريس في الثالث من يوليو 1992. وحملت مدارس وشوارع ومراكز أخرى اسمه، فصار يظهر على تذاكر المسافرين وبطاقات الطلاب واللافتات العامة، بعدما ارتبط عقوداً بصور المحاكمة والمشنقة.
بعد وفاة أوزال سنة 1993، دُفن قرب ضريح مندريس. ومع مرور السنوات، صار المكان مجمعاً لذاكرة سياسية تتجاور فيه مراحل مختلفة من اليمين المحافظ. وعندما دُفن نجم الدين أربكان، مؤسس الحركة الإسلامية بتركيا، في الجوار لاحقاً بدا أنه اكتمل في توب كابي مشهد رمزي يجمع ثلاثة مسارات متباينة، يمين الوسط الذي مثله مندريس، والليبرالية المحافظة التي صاغها أوزال، والإسلام السياسي المنظم الذي أسسه أربكان.
خرج رجب طيب أردوغان من مدرسة نجم الدين أربكان، ثم أعاد حزبه إلى المساحة الواسعة التي شغلها يمين الوسط. جمع حزب العدالة والتنمية بين شبكات الرؤية الوطنية وحساسيتها الدينية، ولغة الخدمات والتنمية والسوق وصندوق الاقتراع التي تراكمت عبر تجارب عدنان مندريس وسليمان ديميريل وتورغوت أوزال. ومن هذا التركيب نشأت صلة أردوغان بذاكرة مندريس، الذي يمنحه سلفاً شعبياً سبق الإسلام السياسي المنظم، ووصل إلى الحكم بأصوات المحافظين، ثم أنهت الوصاية العسكرية تجربته بالقوة.
ظهر هذا النسب السياسي منذ سنة 2013 عندما غُيِّر اسم جزيرة ياسي أدا رسمياً إلى “جزيرة الديمقراطية والحريات”، وبعد ذلك في 27 مايو 2023، عشية الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، حين زار أردوغان ضريح مندريس ووزيريه، ثم انتقل إلى قبري أوزال وأربكان. ودعا الحاضرين إلى التوجه في اليوم التالي إلى صناديق الاقتراع.
بهذا ظهر حزب العدالة والتنمية وكأنه قد جمع إرث الحزب الديمقراطي وحزب العدالة مع تجربة الرؤية الوطنية، وأعاد إنتاج خطاب الإرادة الوطنية في مواجهة النخب المدنية والعسكرية. وباستحضار مظلومية مندريس، تنتظم الصراعات مع الجيش والقضاء وأجهزة الدولة داخل رواية واحدة تقوم على شعب ينتخب، ومؤسسات وصاية تقاوم اختياره، وزعيم يقدم نفسه مدافعاً عن الإرادة الوطنية. هذا ما يوضحه علي تشاركوغلو، الباحث في العلوم السياسية في جامعةِ قوج، مع باحثين آخرين في دراستهم “بوبوليزم تيوريلري إشيغندا توركيه [. . .]” (التطور التاريخي للشعبوية في تركيا في ضوء نظريات الشعبوية)، المنشورة سنة 2022.
أما الصلة الأعمق فتقوم على طريقة رواية السياسة. ويشرح الباحث في العلوم السياسية بجامعة لندن فاتح تشاغاتاي جنكيز أوز، في دراسته “توركيه دكي مركز صاغدا دولت [. . .]” (علاقة الدولة والسياسة والخدمة في يمين الوسط التركي) المنشورة سنة 2012، أن يمين الوسط قدم قاعدته الاجتماعية ممثلةً للأمة. ثم وضع الإرادة الوطنية في مواجهة النخبة الإدارية والدولة الوصية، وربط شرعيته بسياسة الخدمة والعمل. ومنحت هذه اللغة المحافظين موقعاً داخل تاريخ الجمهورية، وانتجت تصوراً أكثرياً للديمقراطية قد يجعل قاعدة الحزب مرادفةً للأمة كلها، وينظر إلى القيود المؤسسية مقاومةً للإرادة الوطنية