لا يحتاج الأمر الى تقدير موقف لمعرفة ما إذا كانت سورية ستتدخل في لبنان، لا شيء يمكن وضعه في إطار الضرورة يستدعي تدخّلاً سورياً. ومن ثم سيكون أي قرار يتم إتخاذه بهذا الاتجاه بعيداً عن منطق الأشياء ومسارات الأمور، إلا إذا كانت مراضاة ترامب أو الرغبة في تحويل سورية إلى لاعب ارتزاقي مشروعاً سياسياً للسلطة السورية. باستثناء هذا يبدو كل شيء مخالفاً لرغبة ترامب في زجّ سورية في أتون حربٍ قد تبدأ غداً، لكنها لن تنتهي قبل عقد.
قبل الخوض في الإجابة عن سؤال، لماذا على سورية عدم التدخل في لبنان، الإجابة عن سؤال لماذا يصر ترامب على دفع سورية إلى الدخول في مغامرة، يعرف أنها لن تكون نزهة، على الأقل من واقع تجربة إسرائيل، والتي تفوق قدراتها العسكرية قوّة سورية بأضعاف مضاعفة، من دون أن تحقّق نتائج حاسمة ونهائية بمصير حزب الله، في وقتٍ تسعى شركاته إلى الاستثمار في سورية، ويعمل مبعوثه توماس برّاك على إقناع العراق بدعم الاقتصاد السوري، إذ كيف يستقيم الانشغال بحرب في لبنان، وحتماً ستتدخل بها إيران وأذرعها العراقية، مع الحديث عن النمو والازدهار والاستقرار؟.
التفسير المنطقي أن ترامب ربما يستخدم الأمر كله ورقة تفاوضية للضغط على إيران وإسرائيل، فمن جهةٍ يدفع إيران إلى طرح القضية على طاولة التفاوض مع واشنطن، ما يتيح لترامب الحصول على أثمانٍ من إيران لسلعة غير موجودة أصلاً، وكذلك إجبار إسرائيل، التي لديها مخاوف من سورية الجديدة، المدعومة تركياً، على السير في مشروع هندسة الأمن الإقليمي في المنطقة كما يرسمه ترامب، الذي يصف نفسه الرجل الأقوى في التاريخ، وأن إسرائيل ستنفذ كلامه.
ولكن من قال إن قرارات ترامب وسياساته تخضع لعمليات منطقية ودراسة محسوبة لتوازنات القوى والمعادلات القائمة؟ لو كان الأمر كذلك لما كانت هذه نتيجة حربه على إيران، ولما أقدم أصلاً على هذه الحرب، ثم إن ترامب يحكم وفق حدسه وتصوّراته، لا بناء على تقديرات محكّمة. وبحسب إعتقاداته أنه قادر على التحكّم في الخيارات الاستراتيجية لسورية الجديدة، ليس فقط انطلاقاً من اعتقاده بأنه الأقوى عالمياً، بل لما يمتلكه من أوراق ضغط اقتصادية وسياسية وعسكرية، تبدأ من دعم الاستثمار في سورية، ولا تنتهي عند حد إجبار إسرائيل على الانسحاب من تخوم دمشق ودعم وحدة الأراضي السورية.
كل واحدة من هذه الأوراق قادرة على تغيير سلطة دمشق أولوياتها والتعامل مع الطلب الأميركي بوصفه إكراهاً يجب الانخراط فيه لضرورات سياسية واقتصادية، وضرورات تفرضها المرحلة. ويبدو الأمر هنا مفتوحاً على حزمة من الاعتقادات، من نوع إنقاذ سورية من التفكّك، وإيجاد حل سريع لأزمتها الاقتصادية، وتحوّل سورية إلى حليف استراتيجي لأميركا في المنطقة، وما يوفره هذا من حصانة عسكرية وسياسية… وهكذا.
رغم هذا، على صانع القرار السوري إدراك مجموعة حقائق قبل التورّط والإقدام على مثل هذا الأمر، أولها: أن سورية الخارجة للتو من حرب مديدة آخر ما يلزمها الدخول في صراعات خارجية، قد تستنزفها أكثر مما هي مستنزفة، وربما تدمّر نسيجها الداخلي ووحدتها الوطنية، فالواقع يفيد بأن أحلام الانفصال ما زالت قائمة، وإن خبت تحت ضغط الظروف، فإنها ستجد في مثل هذا التطوّر فرصة وشرعية للعودة، ولن تكون إمكانية السيطرة عليها ممكنة كما حصل في السابق.
ثانيها: أن سورية في مرحلة بناء قدراتها العسكرية، وبكلام أوضح ليس لديها جسم عسكري واضح ومنسجم، وأي صدمة لهذه القوّة قد ينتج عنها تفكّكها وعودة أمراء الحرب إلى سيرتهم السابقة، بل قد يطوّرون أشكال سيطرتهم بالتحوّل إلى قوى مستقلة ومسيطرة على الجغرافيا التي تقع تحت قبضتهم، في ظل استمرار سطوة قياداتها وتأثيرها على المجال الجغرافي الذي تنتشر فيه قواتها.
ثالثها: وهو الأهم، حزب الله ليس قوّة سهلة، تستطيع دمشق تحطيمها بجولة قتال واحدة، وإذا كانت إسرائيل استغرقت سنوات من دون تحقيق نتائج مهمة، فإن سورية، بقوتها الحالية، وما تملكه من أدوات عسكرية، ستحتاج إلى سنوات فلكية من دون تحقيق أي نتيجة، ومن يستطيع استهداف تل أبيب وحيفا، لن يكون عاجزاً عن استهداف مدن سورية، ثم إن لدى حزب الله، رغم انسحابه من سورية، مؤيدين منظمين ومدرّبين كثيرين في سورية، ومن شأن إعادة تشغيلهم إرباك الوضع الداخلي إلى حد بعيد.
رابعها: بشأن المخاطر الإقليمية نتيجة التداعيات المؤكّدة، لن تقف إيران مكتوفة الأيدي، ولا تستطيع حكومة العراق السيطرة على فصائل الحشد الشعبي في دعم حزب الله، وسيُفتح الباب واسعاً أمام عودة الاستقطاب الطائفي في المنطقة، وهو ما أدركته كل من تركيا وقطر والسعودية، ونصحت حكومة دمشق بعدم التورّط فيه والانجرار إلى حرب لن تبقى في جرود لبنان الشرقية وستعم المنطقة بأسرها.
لترامب كامل الحرية في تصريحاته وتصوراته وتقديراته، لكنها ليست ملزمة لسورية، التي على قيادتها الحذر إلى أبعد الحدود من هذا الفخ الذي يعدّه ترامب، مغلفاً بمديحه المبالغ فيه للقيادة السورية، وبالوعود التي يطلقها توماس برّاك، ولا داعي إلى المجاملة في أمر من شأنه أن يضع سورية ولبنان والمنطقة في أتون حربٍ الجميع فيها خاسر.