يتكرّر سؤال كلّما كتبتُ في موضوعات متنوعة تتعلّق بالإدارة أو القانون أو الإعلام أو بناء المؤسّسات، بل يتحوّل السؤال إلى اتهام صريح مفاده بأنّني أتجاهل قضية كُبرى: كيف تتحدّثين عن هذه القضايا وهناك مجازر وانتهاكات لم تتحقّق العدالة فيها؟… لبعض الوقت، كان يمكن لهذا السؤال أن يكون منطقياً بحكم التوقيت، وبطء الإجراءات، لكن مع بقائه كالعصا في العجلة، أجدني أتساءل: من أين جاءت هذه الفكرة التي تجعل كلّ مسار في الدولة عدواً لمسار آخر، أو غير معني به، أو تعطيلاً للعدالة المطلوبة؟
هل يفرض وجود أولويات عديدة في دولة ناشئة، وجوب أن تسير جميعها في خطّ تصاعدي واحد، أو تكون أمام خيار توقّفها جميعها عن العمل، في حال كان أحدها متعثّراً؟ وهل من طبيعة عمل الإعلام أن يتوقّف عن إثارة مواضيع في الإدارة والاقتصاد والمجتمع حتى تنتهي المحاكمات المطلوبة في ملفٍّ ما؟ وهل على المتخصّص في القانون أن يؤجّل الحديث عن التشريعات إلى أن تتحقّق العدالة الانتقالية؟ وهل ينبغي أن يصمت الاقتصادي، ويتلعثم الإعلامي، ويغلق الأكاديمي دفاتره، لأنّ هناك جرحاً مفتوحاً لم يلتئم بعد؟ وإذا فعلنا هذا، فهل يسير ملفّ المحاكمات المطلوبة كما ينبغي، أم أنّه يصبح مجرّد شمّاعة فشل لكلّ تلك الملفّات؟
لا تتعافى المجتمعات سيراً في خطّ مستقيم، ولا تُعيد بناء نفسها بملفّ واحد
لا أحد ينكر أن العدالة ضرورة، وأنّ محاسبة كلّ من ارتكب جريمة، أيّاً كان انتماؤه، شرط أساس لبناء دولة تحترم مواطنيها، لكنّ العدالة ليست المسار الوحيد الذي يجب أن يسير، وليست في حاجة إلى أن تتوقّف بقية مسارات الحياة حتّى تصل إلى نهايتها، بل تبدو الحقيقة معاكسةً تماماً، بل هي الوجه الآخر الذي يقول إنّه ما لم تكن هناك حياة متكاملة وتسير بخطوات مدروسة ومتوازية في الاتجاهات كلّها، فسيبقى ملفّ العدالة عالقاً في غياب التشريع وفوضى المؤسّسات. فكلّ مؤسّسة تُبنى، وكلّ قانون يُسنّ، وكلّ إصلاح إداري يُنجز، وكلّ خطوة نحو تنظيم عمل الدولة، تمنح العدالة أدوات أقوى كي تتحقّق. فلا قضاء بلا مؤسّسات، ولا مؤسّسات بلا قوانين، ولا قوانين بلا سلطة تشريعية، ولا رقابة بلا أجهزة دولة تعمل وفق قواعد واضحة، وهذا يجعل دعم كلّ إنجاز، ومنها مجلس الشعب، خطوةً تصبّ في تحقيق تقدّم في مسار العدالة وليس العكس الذي يراهن عليه بعض المتشائمين.
لهذا أستغرب عندما أسمع من يقول إنّ تشكيل مجلس للشعب في سورية لا قيمة له، لأنّ العدالة لم تتحقّق بعد، أو إنّ الحديث عن إصلاح الإدارة ترف في وجود ضحايا ينتظرون الإنصاف، وكيف يمكن لمأسسة العمل الإداري أن تمنع محاكمة مجرم؟ وكيف يؤثّر وجود سلطة تشريعية في التحقيق في الانتهاكات؟ أليس من الممكن، بل من الضروري، أن تتقدّم المسارات معاً، بحيث يدعم كلّ منها الآخر؟
ولماذا لا يكون كلّ حجر دعامةً لبناء العدالة، وهذا لا يعني أنّنا أمام الحالة الأمثل لتشكيل مجلس الشعب، أو أنّنا نصادق على كلّ ما قيل عن الأعضاء بأنّهم الخيار الأفضل لتمثيل السوريين، أو أنّ سِير بعضهم الذاتية ليست محلّ استغراب، وصولاً إلى الاستنكار، من جهات أو سوريين عديدين، لكن مجرّد أن تخطو سورية في اتجاه تمكين مؤسّسة تشريعية تسنّ القوانين وتبدأ بصياغة العقد الاجتماعي، فهذا في حدّ ذاته إنجاز يضع حدّاً لمرحلة إهدار الوقت والفوضى. ربّما على كثيرين منّا ألّا ينسوا أنّ سورية خرجت من حربٍ لم تدمّر الحجر فقط، بل أضعفت المؤسّسات، واستنزفت القانون، وبدّدت الثقة بالدولة، أيّ دولة، وإعادة بناء هذا كلّه ليست منافسةً للعدالة، ولا سيّما العدالة الانتقالية، بل جزء من الطريق إليها، بل هي الطريق الصحيح. فوجود تشريع ومؤسّسات فاعلة يحدّ من عبث العابثين بأمنها واستقرارها.
كلّ تقدّم في مسار إصلاحي يخلق بيئةً أفضل لتقدّم المسارات الأخرى، ويعطّل مسار الإرهاب الذي يتسلّل إلى سورية
ما يخشى منه فعلياً، أن يتحوّل منطق الأولويات (على أحقّيته) إلى منطق تعطيل. فإذا رفضنا كلّ خطوة لأنّها ليست الخطوة التي نريدها أولاً، فلن ننجز شيئاً، وسنبقى نؤجّل بناء الدولة بانتظار اكتمال ملفٍّ لن يكتمل، ما لم نبن بأيدينا دولةً قادرةً على إنجازه.
التجارب الدولية التي يمكننا القياس عليها كثيرة، ولكن بعضنا لا يريد إلا منطقه الخاص في القياس والتنفيذ، وهذا أخطر ما يمكن أن تمرّ الدول به، لأنّه يشكّل الأساس في اختلاق الفتن، فالمجتمعات لا تتعافى سيراً في خطّ مستقيم، ولا تعيد بناء نفسها بملفّ واحد؛ إنّها تتقدّم عبر مسارات متوازية، منها العدالة، والتشريع، والإدارة، والتعليم، والاقتصاد، وإصلاح المؤسّسات، ولعلّ الإعلام إحدى الأولويات التي تكاد تكون في مقدّمة ذلك كلّه، لأنّه الأداة الرقابية للمجتمع، وعلى وجه الخصوص المجتمع الذي عانى تغييب الحرّيات، وتعدّي القوى الأمنية على حقوقه، فبات الإعلام اليوم المرآة التي يرى فيها كلّ من المواطن والمسؤول صورته بجمالها وبشاعتها.
لذلك، سؤال: “لماذا نتحدّث عن الإدارة بينما العدالة لم تكتمل؟”، يشعرني بأنّنا نُصرّ على وضع المسارات بعضها في مواجهة بعض، لأنّ تنظيم الإدارة لا يعني أنّنا ننكر الجرائم وضرورة محاسبة المرتكبين، واليوم حاجتنا الحقيقية أن تتكاتف جميع الجهود لإنقاذ بلد أنهكته الحرب، لأنّ كلّ تقدّم في أحد هذه المسارات يخلق بيئةً أفضل لتقدّم المسارات الأخرى، ويعطّل مسار الإرهاب الذي يتسلّل إلى بلدنا عبر شقوق خلافاتنا.