-
أحمد الطالب…. الحمهورية .نت
-
-
-
منذ إنشاء المؤسسة المستقلة للمفقودين في سوريا، حزيران (يونيو) 2023، تطلعت عائلات المفقودين والمختفين قسراً إلى بدء عمليات البحث عن أحبتها وأبنائها، غير أنه كان مُتوقَّعاً لهذه الآمال والتطلُّعات أن تصطدم بوجود النظام السابق، المسؤول عن الغالبية الساحقة من حالات الإخفاء والفقدان في البلاد. ومع سقوط الأسد في كانون الثاني (يناير) 2024، بدا أن هذا الحلم بات أقربَ إلى التحقُّق، وتجددت آمال العائلات في البحث عن مفقوديها وأحبائها المُختفين. وعلى الرغم من صدور المرسوم الرئاسي بإنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين، في شهر أيار (مايو) 2025، أي بعد فترة «قصيرة نسبياً» من سقوط الأسد، إلا أن هذه المدة بدت زمناً طويلاً للعائلات، التي كانت قد بدأت بالفعل بحثها عن مفقوديها في المعتقلات دون انتظار، حتى إن هناك من بدأوا في نبش المقابر التي سمعوا عن وجودها وعن وجود أحبتهم فيها. وإثرَ عودة كثير من السكان إلى منازلهم المهجورة منذ سنوات طويلة، واكتشاف بعضهم وجودَ قتلى دُفِنوا في أراضيهم وبيوتهم، تصاعد الضغط من طرف الأهالي للبدء بالعمل على الكشف عن مصير أحبتهم المفقودين والمختفين، وتجددت آلام البحث لتستدعي معها عناء تلك اللحظات القاسية، عندما كانت العائلات تقفُ في الكراجات مُنتظِرة عودة أحبتها الذين كانوا معتقلين في دمشق ولم يعودوا، مثلما عاد بعض المعتقلين المحررين إلى منازلهم.
كانت المصيبة تتضاعف في قلوب الأهالي الذين ظلّوا، وما يزالون، متشبثين بأمل عودة أحبتهم. ولم يعد للصبر متّسع في منازلهم أو أحاديثهم، فتصاعدت مطالبهم للحكومة بفتح المقابر، والتعرّف على هوية المفقودين وإطلاعِ ذويهم على المعلومات. كما طالبوا الحكومةَ وهيئةَ المفقودين بالشفافية، مؤكدين أن الأولوية هي للعمل ثم العمل ثم العمل، إلى أن يُكشَفَ عن مصير جميع المفقودين ويُصبح لدى العائلات معلومات كافية ووافية عنهم، فهم لا يطلبون سوى حقائق تبرّد قلوبهم وتُغلق حلقة الحزن بطريقة مناسبة وفق شعائر العائلات وعاداتها، وأن يكون لكل مفقود متوفى قبر يُزار، وأن يجري التحقيق في مسببات الموت.
وهنا يتبادر للذهن سؤال: هل يُعبّرُ ما يجري في سوريا على صعيد معالجة هذا الملف عن حالة فوضى، أم عن تأخّر مقصود، أم عن تجاهل لملف المفقودين؟ أم أن الأمر، على تعقيده، قد يكون منطقياً وقابلاً للتفسير وله مبرراته، إذ أنه قد يحصل وحصلَ في بلاد أخرى. لا أدّعي هنا تقديم إجابات للأهالي حول أسباب التأخير، ولكنني أرغبُ في طرح مثال واقعي من دولة أوروبية عانت جرّاء الحرب والاختفاء القسري على نطاق واسع. فعلى الرغم من توفر موارد مالية كبيرة لدى هذه الدولة، لم تكن معالجة ملف المفقودين مقبولة، بل كانت مُحبِطة لكثير من عائلات المفقودين الذين توفوا وهم يبحثون عن أحبتهم المفقودين الذين اختفوا منذ أكثر من 80 سنة، وما يزال أحفادهم وأبناء أحفادهم يتقصّون رفاتهم في ظلّ واقعٍ معقدٍ سياسياً وعملياً وعلمياً ودون نتائج عملية وحقيقية.
تُعَدُّ إسبانيا نموذجاً مُتأخِّراً في التعامل الحكومي مع إرث الفقدان والاختفاء والقتل خارج نطاق القانون بإجراءات موجزة، وهو الإرث المرتبط بالحرب الأهلية الإسبانية (1936- 1939) (La Guerra Civil)، والمرحلة التي تلتها في فترة القمع والدكتاتورية (1939- 1950) خلال حكم فرانكو الدكتاتوري (1939- 1975). لسنوات طويلة، ورغم الانتقال الديمقراطي في عام 1975، بقي ملف المفقودين والمختفين والمقابر الجماعية يتحرك أساساً بمبادرات العائلات والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، ثم تدخّلت بعض الجامعات والشركات الخاصة في عمليات البحث والتعرّف على المفقودين، مع تدخلات متفاوتة بين الأقاليم والحكومات المحلية والمركزية.
وعلى الرغم من أنه لا يوجد رقم وطني واحد رسمي عن عدد المفقودين والمختفين في إسبانيا، وذلك لأن إسبانيا لم تمرّ بتجربة العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة، ولكن وفق كتاب العنف الأحمر والأزرق في إسبانيا 1936-1950، فإن عدد المختفين هو 133,199 شخصاً نتيجة العنف من طرف قوات فرانكو، بينما فُقد ما يُقارب 49,272 شخصاً نتيجة العنف المرتبط بقوات الجمهورية والمجموعات التابعة لها، ونتيجة لعمليات الإخفاء القسري والقتل خارج إطار القانون، أو بإجراءات موجزة أو تعسفية على امتداد الأراضي الإسبانية الواسعة، والتي أسفرت عن أعداد كبيرة من المقابر الجماعية الرسمية منها وغير الرسمية.
من المهم الحديث عن أن إحصائيات المقابر في إسبانيا تختلف من مصدر لآخر لأن قواعد البيانات ليست واحدة، إذ يجري تحديثها بشكل دوري ولكن ببطء. فمثلاً، يمكن البحث في مشروع خريطة المقابر (Mapa Estatal de fosas)، وهو مشروع حكومي جرى العمل عليه بناء على قانون وطني، عن المقابر وتصنيفاتها بشكل شفّاف يسمح للباحثين والمواطنين بالوصول إلى المعلومات، وهو يتضمن تصنيفات للمقابر وفق ما إذا كانت ضمن مرحلة التدخل أو عدم التدخل. ووفقاً لهذا المشروع فإن مجموع المقابر المُسجَّلة في إسبانيا هو 3328 مقبرة فردية أو جماعية، بما يشملُ أيضاً المقابر التي نُقلت الرفات منها إلى وادي كويلغاموروس (Cuelgamuros) خلال حكم فرانكو، وهو مركز تخليد لذكرى قتلى وضحايا الحرب الأهلية الإسبانية كما قدمتها للعالم قوات فرانكو المنتصرة، ويحمل المركز اسم وادي الشهداء (Valle de los Caídos).
من جهة أخرى أُطلِقَ مؤخراً مشروع مهم جداً على مستوى إسبانيا من طرف قناة RTVE، وهو يتضمن معلومات مُوسَّعة رقمية ومرئية عن المقابر، ونتجَ عنه تقرير تلفزيوني تحت عنوان «بلد الـ 6,000 مقبرة»، وهو مصدر مُعتبَر لدى الحكومة، ونجد فيه حوالي 6,000 موقع لمقابر أو مدافن غير نظامية، ومنها نحو 1,500 تُظهرها البيانات كمواقع جرى استخراج الرفات منها، بينما أكثر من 2,300 موقع لم يجرِ النبش فيها بعد أو استخراج الرفات منها.
وقبل الدخول في أسباب اعتبار التجربة الإسبانية تجربة مُخيّبة للآمال، فمن الضروري شرح بعض النقاط التاريخية المهمة في التعامل مع موضوع المفقودين والاختفاء القسري والمقابر الجماعية، فبعد انتهاء الحرب الأهلية في 1939 بدأت فترة حكم فرانكو المنتصر التي دامت حتى 1975، ومرّت هذه الفترة بنقطة مهمة في سنة 1940، حيث أطلق المنتصر قراراً بالتحقيق فيما حصل تحت ما يسمى القضية العامة (La causa general)، وذلك بهدف تثبيت سردية المُنتصِر ونشرها أمام المجتمع، وتجميع وثائق وشهادات حول جرائم نُسِبت لقوات الجمهورية، واستُخدِمَ هذا التحقيق كأداة بروباغاندا نتج عنها ملاحقات أمنية أدت إلى مقتل عدد كبير من الأبرياء والناشطين السياسيين، ومن الممكن العثور على مواد القضية العامة منشورة حالياً في الأرشيفات الإسبانية، وهي متاحة عبر بوابة الأرشيف (PARES).
تلا تلك المرحلة إنشاء وادي الشهداء (في وادي كويلغاموروس) (Valle de los Caídos Cuelgamuros)، الذي افتُتحَ رسمياً عام 1959 كرمز للنظام، وهو المكان نفسه الذي دُفِن فيه فرانكو بعد موته، وجديرٌ بالذكر أنه جرى نقل رفات أعداد كبيرة من القتلى والضحايا إليه من أماكن مختلفة في إسبانيا، سواء برضى العائلات أو دون رضاها، وغالباً دُفن فيه الأشخاص الذين اعتُبِروا شهداء في تلك الحقبة، ولكن طريقة الدفن لم تسمح لعدد كبير من العائلات بزيارة أحبابها، كما أن هناك ادعاءات بأنه قد دُفِن فيه عدد كبير من الأشخاص الذين قاتلوا تحت رايات مُعارِضة لسلطة فرانكو، ولكن جرى نقلهم إلى وادي كويلغاموروس، بالخطأ أو لأسباب أخرى ربما يكون بينها محاولة محو الماضي. وفي كل الأحوال، هو إنكار للجريمة وعدم تحليل لأسباب الوفاة الحقيقية، وقد وصل عدد المدفونين فيه إلى ما يقارب 33000 شخص.
وبعد وفاة فرانكو في 1975، وتَحوُّلِ إسبانيا إلى ملكية دستورية، بدأت عمليات نبش للقبور الجماعية بطريقة غير علمية، كان على رأسها أهالي المفقودين والمختفين، فاستُخرِجت الرفات في مناطق عدة وأُعيدَ دفنها بهدف تكريم أصحابها وفق شعائر أهاليهم، وجرى تمويل هذه الجهود من خلال أهالي المفقودين وخاصة من كانوا مقيمين في دول خارج إسبانيا وعادوا مباشرة بعد وفاة فرانكو بهدف التعرُّف على أحبابهم ودفنهم، إلا أن هذه الفترة شهدت أخطاء جسيمة في عمليات التعرُّف وتحديد الهوية لأنها لم تجرِ بناء على طرق علمية أو صحيحة.
وتوقفت هذه المرحلة بعد وقت قصير نسبياً، وذلك في عام 1981، إثر الانقلاب العسكري المشهور في إسبانيا باسم (23-F)، وهو محطة سياسية أثّرت في المرحلة الانتقالية سلباً، وأسهمت في توقّف عمليات البحث، وتوافق السياسيين على «نسيان الماضي».
وعلى الرغم من هذا التوافق السياسي الخطير على «نسيان الماضي»، استمرت عائلات المفقودين والمختفين والمهتمين في هذا المجال، سواء أكانوا أفراداً أم ضمن جمعيات العائلات، بالدفع باتجاه تفعيل عمليات البحث عن الضحايا والمفقودين والمختفين قسراً، بما في ذلك المفقودين العسكريين منهم الذين قاتلوا ضمن قوات الجمهورية خلال الحرب، أو ضمن الجماعات المسلحة في المرحلة اللاحقة (الذين يُطلق عليهم Maquis). وقد عملت هذه العائلات على حثّ المختصين العاملين في مجالات علم الآثار، وعلم الأنثروبولوجيا الشرعية (علم الإناسة الشرعي)، والعلوم الأخرى المرتبطة بمجال التعرُّف على المفقودين، وعلى دفعِ السياسيين للتحرك، ما نتج عنه في سنة 2000 إطلاق الموجة الحديثة للنبش العلمي.
ونتيجة لهذا الدفع الحثيث من العائلات، وبدعم من المختصين العلميين والقانونيين، ومن السياسيين المهتمين، صدر في عام 2007 قانون الذاكرة التاريخية، وهو قانون يعترف بالضحايا ويتطرق لبعض الإجراءات، إلا أنه لم يكن كافياً لضمان تَدخُّل الدولة في عمليات البحث والتعرُّف على المفقودين وكشف الحقيقة. ثم تلاه في 2011 اعتمادُ مجلس الوزراء البروتوكول الرسمي للتدخلات في استخراج جثث ضحايا الحرب الأهلية والديكتاتورية، والذي ألزمَ الجهات المعنية باتّباع منهجية علمية بمشاركة اختصاصات مُتعددة، تشمل المؤرخين، وعلماء الآثار، ومتخصصي العلوم الشرعية المختلفة مثل: علم الأنثروبولوجيا الشرعية، والعلوم الطبيعية، وعلم الأمراض، وطب الأسنان. وحدّدَ البروتوكول خطوات العمل في الأجزاء الرئيسة من عمليات البحث والتعرُّف على الهوية، ليتبع ذلك في 2022 إصدارُ قانون الذاكرة الديمقراطية، وهو قانون أكثر شمولاً يُعلن مسؤولية الدولة ويدفع باتجاه إنشاء أدوات مثل مخططات البحث، وقواعد بيانات، وبنك الحمض النووي (DNA)، إلا أن التنفيذ ما زال في طور البناء.
أخطاء كبيرة ونتائج مُخيّبة للآمال
يذكر تقرير عمليات استخراج الجثث من الحرب الأهلية وديكتاتورية فرانكو (2000-2019) وجود قصور في عمليات نبش المقابر والمراحل اللاحقة، ويَذكرُ أن هناك أكثر من 700 مقبرة جرى نبشها قبل تاريخ إصدار التقرير في 2020، وأن أكثر من 8,000 فرد استُخرِجت رفاتهم خلال تلك الفترة، ولكن عدد مَن حُدِّدت هوياتهم هو 0,2 بالمئة من الإجمالي الذي تم استخراجه. وبالرجوع إلى مصادر أكثر حداثة، نجد تصريحاً لوزير السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية بأنه ومنذ عام 2019 استُخرِج ما يقارب 9000 جثة من مقابر جماعية في إسبانيا، ولكن لم يجرِ التعرّف إلا على 70 جثة منها فقط، أي بنسبة 0,7 بالمئة من مجمل الرفات المُستخرَجة في تلك الفترة.
وعلى الرغم من أن الأرقام قد لا تعكس الواقع بدقة، في ظل وجود قصور في الإبلاغ عن نتائج عمليات تحديد الهوية من قبل الجهات المحلية، فإن النسبة المئوية لمَن جرى التعرّف عليهم تبقى ضئيلة جداً مقارنة بعدد الرفات التي جرى استخراجها في عموم إسبانيا.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب، من أبرزها أن الإجراءات الأخرى المرتبطة بتحديد الهوية تُعاني قصوراً كبيراً، فضلاً عن وجود ثغرة واضحة ناجمة عن غياب منظومة وطنية مركزية للمعلومات وللـ(DNA)، بمعنى أن بعض الرفات التي تُستَخرَج في إقليم معيّن قد تعود في الأصل لأشخاص من إقليم آخر، ولا يجري مطابقة المعلومات بين الأقاليم إلا إذا كان لدى الجهة التي تعمل على تحديد الهوية معلومات وبيانات حصلت عليها من جهات معنية في أقاليم أخرى لديها معلومات عن مكان الدفن. كما يبرز تَحدٍّ كبير في جمع عينات الـ(DNA) من العائلات، وخاصة تلك التي فقدت الثقة في العملية السياسية، وهم في الغالب من أحفاد وأبناء أحفاد المفقودين.
وهناك أسباب أخرى، مثل تَحكُّم السياسة في تمويل عمليات التعرُّف أو حجب التمويل عنها، فضلاً عن النقص في عدد المختصين في مجالات علم الأنثروبولوجيا الشرعية (على الرغم من وجود عدة جامعات تُقدّم هذا النوع من الاختصاصات العلمية)، وعلم الوراثة، وطب الأسنان الشرعي، والكيمياء، والمختصين في علوم التوثيق والتحقُّق. وتُعَدُّ هذه التخصصات جميعها أساسية ولا غنى عنها في عمليات تحديد هوية الرفات المُستخرَجة، التي قد تبقى في المستودعات لسنوات دون أن تُحدَّد هويتها، أو قد يُعاد دفنها بشكل إلزامي، وفق القانون المحلي في الأقاليم المختلفة تحت اسم مجهول الهوية، مع الاحتفاظ بنتائج الفحوص والاختبارات في المخبر. ويبقى أحد أهم الأسباب كما ذكرنا سابقاً أن حالات الفقدان تعود إلى فترة زمنية بعيدة تتراوح بين 75 و89 عاماً، ما قد يعني أن عدداً كبيراً من ذوي المفقودين قد توفوا خلال سنوات البحث، ويترتبُ على ذلك صعوبة كبيرة في الحصول على عينات الحمض النووي (DNA) اللازمة للمطابقة، فضلاً عن فقدان معلومات حاسمة حول أماكن الدفن المحتملة بعد رحيل الشهود ومقدمي تلك المعلومات مع مرور السنوات.
تكتيكات مُبدِعة لمواجهة تحديات كبيرة
هناك عدة تكتيكات تتبعها عائلات المفقودين والجهات المختصة لمواجهة التحديات المذكورة سابقاً، إلا أنها تبقى قاصرة أمام حجم التحديات الكبير. ومن بين هذه التكتيكات أنه في حال عدم وجود فرد حيّ من أبناء المفقود لتقديم عينة (DNA) مرجعية، يتم اللجوء إلى القضاء لاستصدار قرار يسمح بجمع العينة من الأبناء المتوفين للمفقودين ممن عُرِف مكان دفنهم، وتُستَخدَم هذه العينات لمطابقة نتائج تحليل الـ(DNA)، وذلك ضمن شروط قانونية ومحلية معينة.
ونظراً لضعف التمويل، تقوم المنظمات المختصة بعمليات النبش واستخراج الرفات بالتعاون مع الجامعات من أجل تحليلها مخبرياً، بدءاً من اختصاص علم الأنثروبولوجيا الشرعية، مروراً بعلم الحشرات، وعلم النظائر(Isotopes)، وطب الأسنان، وعلم الوراثة، وهي تخصُّصات تتدخل جميعها في مراحل معينة من عمليات التعرُّف وتحديد الهوية. ولزيادة أعداد المختصين تقوم هذه المنظمات بتقديم تدريبات عملية للمهتمين، سواء بالتنسيق مع البلديات أو مع الجامعات المتخصصة، كجامعة غرناطة أو جامعة مدريد (UAM) أو جامعة الباسك (UPV). وتعتمد هذه المنظمات، مثل (ARMH، وARQUEOANTRO، وAranzadi) وغيرها، على عدد كبير من المتطوعين الراغبين في دفع عجلة البحث عن المفقودين والمساهمة في عمليات تحديد الهوية.
في النهاية، من المهم معرفة أن عملية التعرُّف على المفقودين مسار مُعقّد ومُتعدِّد الاختصاصات، ويتطلب تمويلاً كبيراً وإرادة سياسية حقيقية، والأهم من ذلك كله أنها بحاجة إلى وقت وصبر، على أن يقترنَ الصبر بدفع مستمر نحو تفعيل عمليات البحث عن المفقودين وإدراجها ضمن أولويات العدالة الانتقالية؛ وإلا فإن هذا الملف سيعود عاجلاً أم آجلاً ليفتح جروحاً لم تندمل عبر السنوات، ولم تُعالَج على نحو سليم من قبل المجتمع أو الجهات الحاكمة، كما حدث ويحدث في إسبانيا.
وأخيراً، فإن الأخطاء التي قد تنجم عن التسرُّع في عمليات النبش والتعرُّف على المفقودين اليوم، سيكون لها أثر سلبي في تحديد الهوية، كما ستنعكس سلباً على عائلات الضحايا وعلى المجتمع السوري ككل.
-