ساطع نورالدين. كاتب لبناني
عندما تقرر إيران تكليف الحوثيين بتحييد الشيطان الأكبر الأميركي والشيطان الأصغر الإسرائيلي وأساطليهما وسفنهما من الحملة العسكرية على باب المندب، لا يكون استهداف السعودية وحدها دون سواها، مبنياً على اعتبارات سياسية او حتى أمنية. بل يكاد يبدو أقرب الى إجتهاد “فقهي”، منه الى إجتهاد عسكري أملته ضرورات الحرب الخليجية الكبرى وحصاراتها التي لا تنفك تتوسع يوماً بعد يوم.
أما شعار”الموت لأمريكا..الموت لإسرائيل”، وهو من كلاسيكيات الخطاب الرسمي الإيراني منذ الثورة الخمينية، في العام 1979، فلا يمكن القول انه الضحية الأولى لذلك التعديل “الفقهي”، لأنه لم يعد يتردد في شوارع طهران إلا في الحالات النادرة، مثل إغتيال المرشد السابق علي خامنئي في شباط فبراير الماضي، من قبل الاميركيين والإسرائيليين، بعدما كان قد غاب عن السمع طوال سنوات ما قبل الاتفاق النووي الاميركي الإيراني في العام 2015، وحتى ما بعد إلغائه من قبل الرئيس دونالد ترامب في العام 2018.. وهو الشعار-الهتاف الذي ظل يرتفع في شوارع العاصمة اليمنية صنعاء، منذ الانقلاب الحوثي في العام 2014، من دون انقطاع ومن دون تردد، بل كان ولا يزال يضاف إليه إجتهاد يمني عجيب:”الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، الموت لليهود”..
من المشكوك فيه أن تصدر فتوى إيرانية رسمية تحظر إستخدام هذا الشعار، بعد اللقاء الأميركي الحوثي الأخير في مسقط، قبل أيام، ومن الصعب ان يكون الاميركيين طلبوا سحب هذا الشعار من التداول، كدليل على حسن النية الحوثية، تجاه الاساطيل الأميركية والإسرائيلية، خاصة وان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستخدم بين الحين والآخر، ذلك الشعار بالذات كحجة لاقناع الجمهور الأميركي بأن طهران وأذرعها العربية تكره أميركا وإسرائيل وتريد إزالتهما من الوجود.. من دون أن يأتي على ذكر عبارة “الموت لليهود”، التي قد تكون مفيدة أكثر في تعبئة الرأي العام العالمي كله، ضد الحوثيين بالذات.
ولا حاجة الى التذكير بأن حزب الله، لم يكن على الدوام ملتزماً بهذا الشعار الذي كان تردده في شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حصراً، إلا في المناسبات الخاصة، من دون حماسة شديدة ومن دون إفتعال جدلٍ مع بقية الشركاء في الوطن، الذين لا يرتضون أن يتم التخاطب مع اميركا على هذا النحو، أو أن يتم الاستفزاز لإسرائيل التي كانت طائراتها الحربية ولا تزال تستطيع ان تصل الى أي مكان من لبنان خلال دقائق. وكان هذا السلوك من حزب الله، يبرهن على إتزانه وتعقله، او حتى ثقته بنفسه، بالمقارنة مع الرفاق الحوثيين في المحور الإيراني الواحد.
لكن المرجح أن الحزب يشعر اليوم ببعض الحيرة من الاتفاق الذي تم التوصل اليه في مسقط، وقضى باستثناء الشيطانين الأكبر والاصغر من الهجمات الحوثية على السفن العابرة لمضيق باب المندب، وإن كان يدعم بلا أدنى شك التركيز على السعودية، بل وحتى الاعتداء على مدينة مكة، التي خطَر في باله يوماً التهديد باستهدافها ونزع الوصاية السعودية عن الحرم المكي.. من دون أن تصل حيرته الى السؤال عن سبب هذا الاستثناء الحوثي الذي سبق ان بنى خطابه السياسي وحدد أهداف صواريخه ومسيراته في داخل الكيان الإسرائيلي إستناداً الى قراءة محددة لما يتعرض له الشعب الفلسطيني من حرب إبادة لم تتوقف منذ ثلاث سنوات مع أن الضربات الحوثية على الكيان توقفت منذ أشهر.
ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن في المحور الإيراني إختصاصات لا إجتهادات. منذ البداية كان اختصاص الحوثيين هو السعودية، وكان إختصاص حزب الله هو إنزال مليون إسرائيلي الى الملاجىء. اليوم تبدو الحركة الحوثية في إنسجام تام مع نفسها، ومع شعارها المعدّل والمكرر، فيما يبدو ان الحزب فقد القدرة على إنزال سكان مستوطنة كريات شمونة وعددهم ثلاثون ألفاً الى الملاجىء. وهو ما يرفع من رتبة ووظيفة الحليف اليمني لطهران، ويخفض من مكانة الحليف اللبناني ودوره. طبعا، كان لضراوة الهجمات الإسرائيلية على لبنان أثرٌ حاسمٌ في هذا التعديل، بالمقارنة مع ما نال الحوثيين من هجمات أميركية وإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر العام 2023 حتى اليوم.
المهم الآن السؤال عما إذا كانت إيران تجتهد على هذا النحو، لأنها ببساطة تسير على حافة الهاوية.
بيروت في 17 / 9 / 2026