«بين النقد والإنصاف: قراءة في حديث د. عقيل عباس عن الحزب الشيوعي العراقي»
أصغيت الى حديث د. عقيل عباس باهتمام، وأعتقد أن فيه الكثير مما يستحق الحوار، ولا سيما في إشادته بالدور الاجتماعي والثقافي للحزب الشيوعي العراقي، وبما أسماه «حداثة اليسار» وقيم المساواة والهوية الوطنية والعدالة والإنسانية التي أسهم الشيوعيون في ترسيخها في المجتمع العراقي. وهذه شهادة مهمة، خصوصاً أنها تأتي من خارج الأطر الحزبية.
لكن لدي أكثر مما هو تحفظات على بعض مما قاله خصوصا الاستنتاج الذي يفصل بين «نجاح اجتماعي وثقافي» و«فشل سياسي وأيديولوجي» للحزب، وكأن التاريخ يسمح بهذا الفصل الحاد.
فأولاً، النجاح الاجتماعي والثقافي لم يكن مساراً منفصلاً عن العمل السياسي للحزب، بل كان في جانب كبير منه نتيجة مباشرة لنشاطه السياسي والتنظيمي والنقابي والجماهيري. ففهد وتنظيم الحركة العمالية، ووثبة كانون 1948، والانتفاضات والأضرابات التي حفل بها العقدان الاخيران من العهد الملكي ودور الحزب عموما في الحركة الوطنية، ومشاركته في النضال ضد الدكتاتوريات وكل أشكال الاستئثار بالحكم والاستهانة بجموع الشعب، لم تكن مجرد مقدمات لنجاح ثقافي؛ كانت ممارسة سياسية فعلية تركت آثاراً اجتماعية وثقافية عميقة. لذلك فإن بعض ما يسميه الحديث «نجاحاً مجتمعياً» هو في الحقيقة جزء من تاريخ الحزب السياسي نفسه.
ثانياً، لا أعتقد أن من الدقة اختزال التجربة السياسية للحزب في سلسلة من «الإخفاقات». نعم، ارتكب الحزب أخطاء سياسية ،أشارت اليها وثائق التقييم التي أصدرتها مؤتمراته؛ الثاني ١٩٧٠ والرابع ١٩٨٥ والخامس ١٩٩٣، وبعض هذه الاخطاء كان ثمنه فادحاً، ولا سيما في تقدير طبيعة نظام البعث والتحالف معه في الجبهة الوطنية عام 1973، كما أن تجربة الأنصار وعلاقة الحزب بالقوى الكردستانية تحتاج إلى نقد تاريخي جاد وهادئ. لكن النقد التاريخي شيء، وتحويل التجربة بمجملها إلى «فشل سياسي» شيء آخر.
فالحزب لم يكن مجرد حزب انتخابي يُقاس نجاحه بعدد المقاعد التي حصل عليها. كان، في مراحل طويلة من تاريخ العراق، قوة جماهيرية وسياسية ونقابية مؤثرة، وأسهم في صياغة قضايا الإصلاح الزراعي وتأميم الثروات النفطية والحقوق العمالية والمرأة والتعليم والديمقراطية والحريات العامة. وحتى عندما تعرض للقمع والاستئصال، ظل قادراً على إعادة بناء وجوده السياسي والاجتماعي. وهذه كلها وقائع يصعب وضعها ببساطة في خانة «الفشل السياسي».
أما النقطة التي أجدها أكثر حاجة إلى المراجعة فهي تفسير الأخطاء السياسية بتبني الحزب لما سُمّي في الحديث «الماركسية اللينينية السوفيتية»، وكأن الحزب الشيوعي العراقي تلقى نموذجاً فكرياً جاهزاً ثم طبقه بصورة ميكانيكية على العراق.
المشكلة هنا أن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي أكثر تعقيداً من ذلك. فقد تأثر بالتجربة السوفيتية وبالكومنترن، وهذا أمر تاريخي لا يحتاج إلى إنكار، لكنه لم يكن مجرد نسخة عراقية من حزب سوفيتي. فقد تطورت لدى الرعيل الاول من الماركسيين ومن ثم داخل الحزب، منذ حسين الرحال وفهد، ثم في مراحل لاحقة، محاولات عديدة لفهم خصوصية المجتمع العراقي وتركيبته الطبقية والقومية والدينية والسياسية. بل إن تاريخ الحزب نفسه مليء بالنقاشات والصراعات الفكرية حول طبيعة المرحلة، والتحالفات، والمسألة القومية، والديمقراطية، وطريق التحول الاجتماعي.
كما أن وضع «الماركسية اللينينية» كلها في خانة «اختراع ستاليني مزيف» يحتاج إلى تمييز تاريخي وفكري أدق. يمكن نقد الستالينية، ونقد الجمود العقائدي، ونقد تحويل الماركسية إلى منظومة مغلقة وحتمية؛ لكن ذلك لا يعني أن كل ما ارتبط بالماركسية اللينينية كان بالضرورة ستالينياً أو ميكانيكياً، وتشويها لماركس والماركسية ولا أن أخطاء الحزب السياسية يمكن تفسيرها بعامل فكري واحد.
وربما الأهم أن ماركس نفسه لم يقدم وصفة سياسية جاهزة للمجتمعات، كما أن لينين لم يكن مفكراً جامداً بالمعنى الذي توحي به القراءة المبسطة؛ بل إن التجربة اللينينية نفسها شهدت مراجعات وانتقالات سياسية وفكرية كبيرة. لذلك أظن أن السؤال الأكثر فائدة ليس: «هل كان الحزب ماركسياً لينينياً أم لا؟»، وإنما: كيف قرأ الحزب العراقي الماركسية واللينينية، وكيف تعامل مع الواقع العراقي، وأين أصاب وأين أخطأ؟
وهنا يمكن أن نلتقي مع د. عقيل في نقطة أساسية: إن حاجة اليسار العراقي اليوم ليست إلى الدفاع عن كل ما فعله في الماضي، وإنما إلى قراءة نقدية لتجربته، تميز بين ما هو حي وقابل للتجدد في مشروعه وبين ما أصبح جزءاً من الماضي. وللانصاف نقول ان الحزب الشيوعي العراقي قام بمثل هذه القراءة النقدية في مؤتمره الخامس عام ١٩٩٣ وأصدر وثيقة تقييم بهذا الشأن، وكذلك في وثيقة تقييم ثانية « خيارنا الاشتراكي:دروس من بعض التجارب الاشتراكية» ، التي ظلت دراستها مفتوحة للحوار بين رفاق الحزب للأغناء في مؤتمرات الحزب ؛ السادس والسابع والثامن.
النقد الحقيقي، في رأيي، لا يكون بإدانة التجربة كلها ولا بتقديسها كلها. تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، مثل تاريخ العراق نفسه، هو تاريخ من الانتصارات والإخفاقات، من التضحيات والأخطاء، ومن الأفكار التي بقيت حية وأخرى تجاوزها الزمن.
ولهذا فإن الحوار مع ما طرحه د. عقيل يصبح أكثر فائدة حين ننتقل من ثنائية «فشل سياسي/نجاح اجتماعي» إلى سؤال أوسع: كيف استطاع حزب أن يترك هذا الأثر الاجتماعي والثقافي العميق، رغم كل ما مر به من هزائم وقمع وانقسامات، وما الذي يمكن أن نتعلمه اليوم من نجاحاته وأخطائه معاً