علي حسين.. جريدة المدى
أعتذر مقدماً، لأنني سأعيد تذكيركم بما فعله المرحوم لي كوان يو عندما قرر أن يضع بلاده “سنغافورة” على قائمة البلاد المتطورة اقتصادياً وتنموياً ورفاهية.. كلما تحدث سياسي عراقي عن منجزاته “الخارقة” أتذكر حكاية سنغافورة ومعجزتها. وكلما مضت البلاد نحو الفشل، أتذكر حكاية كوريا الجنوبية واستقالة رئيس وزرائها قبل سنوات بسبب غرق عبارة، وكلما تذكرت مئات المليارات التي نُهبت، أتذكر خطابات ساستنا “الأفاضل” عن ضرورة محاسبة الفاسدين. في هذه البلاد تُلقى الكثير من النكات، لكني لم أسمع نكتة مثل التي ألقاها قبل يومين أحد “المحللين” السياسيين، عندما اعترض على وصف سراق المال العام بالفاسدين؛ فهذا “المحلل” السياسي يرى أن من حق السياسي الذي كان لا يملك أي شيء أن يشتري فيلا في إحدى بلدان العالم، لماذا يا سيدي؟ يخبرنا أن تاريخه السياسي و”نضاله” يجيزان له ذلك.
ماذا نقول أيها السادة، وماذا نكتب، ونحن نرى بلاد الرافدين منذ سنوات تحتل “باقتدار” ذيل قوائم الرخاء والتنمية والصناعة والتعليم؟ ماذا أفعل وأنا أقرأ التقرير الذي يقول إن الجواز العراقي من بين الأسوأ عالمياً لعام 2026، حيث أصبح جواز السفر العراقي ضمن قائمة أضعف جوازات السفر عربياً وعالمياً، بعدما حل في المرتبة 101 عالمياً و20 عربياً، متقدماً على سوريا فقط بين الدول العربية. أتمنى ألا تسألني من احتل المركز الأول عالمياً، لأنني سأعيد عليك حكاية سنغافورة، فقد احتلت هذه الجزيرة المرتبة الأولى بأفضل جواز عالمي، مثلما احتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً ومراتب متقدمة دولياً. ومن هي الثانية؟ الإمارات أيضاً، فهي منذ سنوات تحتل المرتبة الأولى عربياً والثانية عالمياً بأفضل جواز سفر يتيح لمواطنيها حرية التنقل حول العالم.
لا يعترف المسؤول الفاشل بالخطأ، ويعتقد أن “الخطأ والصواب” لا علاقة لهما بما يجري من خراب.. حين تحوّل العراق من أغنى دولة عربية إلى بلد بلا خدمات، فالأمور لا تتعدى “تجارب تخطئ وتصيب”، وحين نتقدم سُلّم البلدان الأكثر نهباً للمال العام، فإن الأمر يدخل أيضاً في قائمة “تجارب الهواة”، فلا مشكلة أن يتدرب “الفاشلون” على إدارة مؤسسات الدولة.
كان السنغافوري لي كوان يو عندما يتحدث مع أصدقائه يشير إلى تأثير الكتب وإلى جانبها الحرص الوطني على مسيرته السياسية، وعندما رفع شعار من أجل حكومة نظيفة، كتب في مذكراته التي أسماها “من العالم الثالث إلى العالم الأول”: “لقد عانينا من انتشار الفساد والطمع بين عدد كبير من المسؤولين، فالمناضلون من أجل حرية شعوبهم تحوّلوا إلى نهّابين لثرواتها، ولهذا حرصت من أول يوم تولّيت فيه السلطة على إخضاع كلّ دولار من الإيرادات العامة للمساءلة، والتأكد من أنه سيصل إلى المستحقّين من القاعدة الشعبيّة من دون أن يُنهب في الطريق”.
منذ أعوام ونحن نكتب عن الفساد والمليارات التي نهبت، وأصبحنا نقرأ ونسمع عن مسؤولين وظّفوا موازنة الدولة لمنافعهم الشخصية، وغادروا البلاد بجواز دبلوماسي دون أن يعترضهم أحد .