بعد جولة في أجزاء من إنكلترا، سافر جوزيف ميريك (1862 ــ 1890) إلى لندن، حيث أقام في متجر صغير استأجره له رجل استعراض يُدعى توم نورمان، وجعل صورته تتصدر واجهة المتجر. وكان يتمتع بقدرة لافتة على استقطاب الجمهور؛ يقف خارج المتجر لجذبهم، ثم يصطحبهم إلى الداخل حيث يُتاح لهم رؤية ميريك عن قرب.
وسط ما تعرّض له من استغلالٍ لإعاقته وتشوهاته، ظل يحتفظ في داخله بحساسيةٍ مرهفة وعقلٍ يقظ، كأن وعيه كان يزداد صفاءً كلما اشتدَّ عليه الخارج. وجد في الكتابة مساحة يأوي إليها، ومال على نحو خاص إلى كتابة الرسائل، حيث تتكثف نبرته الأكثر صدقًا وهدوءًا. كان كثيرًا ما يختم رسائله بقصيدة «العظمة الزائفة» لإسحاق واتس: “صحيح أن هيئتي غريبة بعض الشيء، لكن لومي هو لومٌ لله؛ لو استطعتُ أن أُخلق نفسي من جديد، لما فشلتُ في إرضائك”.
وفي امتداد هذا الوعي بذاته، كتب سيرةً ذاتية قصيرة عنه، جرى توزيعها خلال العروض، كأنها محاولة لتثبيت صوته في مواجهة الصورة التي فُرضت عليه. واستمرت حياته على هذا النحو إلى أن لفت انتباه أطباء وجراحين من مستشفى لندن المقابل للمتجر، ومن بينهم الطبيب فريدريك تريفيس، الذي رآه هناك وطلب منه الحضور إلى المستشفى لإجراء فحص طبي.
في المستشفى، قاس الأطباء حجم رأسه، فوجدوه يقارب المتر، مع تدلي كتل جلدية من مؤخرة رأسه ووجهه، وتشوه كبير في فكيه أفقده القدرة على إظهار تعابير وجهه، أو التحدث بوضوح. وعلى الرغم من أن ذراعه اليسرى كانت طبيعية، فإن ذراعه اليمنى انتهت بمعصم بلغ محيطه ثلاثين سنتيمترًا، وبلغ محيط أحد أصابعه ثلاثة عشر سنتيمترًا، حتى بدت يده أقرب إلى زعنفة. كما لاحظ تريفيس رائحة كريهة تنبعث من الثآليل الرمادية المنتشرة على جسده. وكانت ساقاه مشوهتين على نحو مماثل لذراعه، مع خلل في مفصل الورك تسبب في عرج شديد، بحيث لم يكن يستطيع المشي إلا بمساعدة عصا.
ورغم كل هذه التشوهات الجسدية، عُدَّ في حالة صحية مستقرة نسبيًا. أراد تريفيس إجراء مزيد من الدراسات عليه، غير أن جوزيف رفض، إذ جعلته التجربة يشعر وكأنه حيوان في سوق للماشية.
انقلبت حياة ميريك رأسًا على عقب عندما أُغلق عرض نورمان بسبب مخاوف تتعلق بالآداب العامة والإخلال بالنظام العام، فانتقل إلى بلجيكا، لكن الأمور لم تكن سهلة هناك أيضًا، إذ كان منظم حفلاته الجديد قاسيًا ووحشًا حقيقيًا، ولم تلقَ عروضه قبولًا لدى الجمهور المحلي. ومع فشل العروض، قام المنظم بسرقته وضربه وتركه وحيدًا. عاد في نهاية المطاف إلى لندن حوالي عام 1886، وهو يعاني من عدوى شديدة جعلته غير قادر على الكلام، فنُقل إلى مستشفى لندن، حيث فحصه الدكتور تريفيس مرة أخرى، ووجد أن حالته قد تدهورت بشدة خلال العامين السابقين.
خلال هذه الفترة، تولى فريدريك تريفيس رعايته، وطرح قضيته أمام الرأي العام، ما جذب اهتمام كثيرين، من بينهم متبرعون أثرياء أرسلوا مساعدات مالية لتغطية نفقات علاجه. وبدعم من الملكة فيكتوريا، استقر ميريك في جناح دائم في مستشفى لندن، وتمكن أخيرًا من عيش حياة أكثر استقرارًا، إذ صار قادرًا على الخروج متى شاء، وارتاد المسرح، وسافر في بعض الإجازات. كما كون علاقات وطيدة، وكتب رسائل إلى معارفه، وبدأت تظهر جوانبه الفكرية التي طمرتها معاناته الطويلة، فأبدى اهتمامًا كبيرًا بالقراءة والكتابة، وانشغل بتحليل أعمال شكسبير، وشعر جين أوستن، في محاولة لاستعادة حضوره الذهني والإنساني.
ورغم هذا القبول الاجتماعي المتأخر، ظل يحمل فجوة عاطفية عميقة لم تملأها الكتب ولا العلاقات التي حظي بها، وكان يقول بأسى: “كنت أتمنى أن تحبني امرأة واحدة حتى لو كانت كفيفة”.
| تم اكتشاف قبر جوزيف ميريك (الرجل الفيل) عام 2019 في مقبرة مدينة لندن بالقرب من إيبينغ فوريست، بعد نحو 130 عاماً من وفاته عام 1890 |
توفي ميريك عن عمر 28 عامًا داخل غرفته في المستشفى. وجاءت وفاته نتيجة محاولته النوم مستلقيًا، وهو ما لم يكن جسده يتحمله بسبب ثقل حجم رأسه والأورام التي غطت جسمه، إذ كان معتادًا النوم جالسًا على كرسي في سنواته الأخيرة.
أجرى الدكتور تريفيس تشريحًا للجثة، ورجح أنه قد توفي اختناقًا نتيجة نقص الأكسجين بسبب نومه مستلقيًا. وبعد أكثر من مائة عام، ظهرت نظرية أخرى تشير إلى أن رقبة ميريك قد انخلعت تحت وطأة الوزن، مما أدى إلى سحق عموده الفقري.
بعد تشريح الجثة، أخذ الأطباء عددًا من العينات من جسده لإجراء أبحاث عليها، وأُهدي هيكله العظمي إلى جامعة كوين ماري في لندن. ولسنوات عديدة، كان في إمكان الناس زيارة الجامعة، ومشاهدة هيكله العظمي. أما اليوم، فيُحفظ رفاته في غرفة خاصة لا يُسمح بدخولها إلا بتصريح خاص.
ألهمت قصة جوزيف ميريك عددًا من الكتاب والباحثين. وأهمهم طبيبه السير فريدريك تريفيس، وكتابه «الرجل الفيل وذكريات أخرى» «The Elephant Man and Other Reminiscences» (1923). ويعد هو المصدر الأول والأشهر لتأريخ حياة جوزيف ميريك، ويُلاحظ أن تريفيس هو من أطلق عليه اسم “جون” بالخطأ، وهو الاسم الذي شاع في الأفلام لاحقًا.
وهناك كتاب «الرجل الفيل: دراسة في الكرامة الإنسانية» «The Elephant Man: A Study in Human Dignity» لـ آشلي مونتاغو (1971) ويُعدُّ هذا الكتاب نقلة نوعية في تناول القصة؛ إذ ركز على الجانب الإنساني والنفسي لميريك، وكيف استطاع الحفاظ على نبل أخلاقه، رغم القهر الذي تعرض له. هذا الكتاب هو الذي ألهم المخرج ديفيد لينش لإنتاج فيلمه الشهير عام 1980.
كذلك كتاب «التاريخ الحقيقي للرجل الفيل» «The True History of the Elephant Man» لـ مايكل هاويل، وبيتر فورد (1980)، ويُعد المرجع الأدق تاريخيًا، حيث قام المؤلفان ببحث شامل في السجلات الحكومية وشهادات الميلاد والوثائق الطبية لتصحيح الأخطاء التي وردت في مذكرات الطبيب تريفيس، وأكدا أن اسمه الحقيقي هو “جوزيف”، وليس “جون”.
وقد انتقل هذا الإرث التوثيقي إلى خشبة المسرح أولًا عبر نص لبرنارد بوميرانس «The Elephant Man» (1977)، الذي استلهم من مذكرات تريفيس تحليل القوى الاجتماعية والطبقية التي أحاطت بميريك، قبل أن يبلغ النضج البصري في فيلم يحمل الاسم نفسه عام (1980) للمخرج ديفيد لينش، وتأليف كريستوفر دي فور، وإريك برغرين، حيث جرى دمج الحقائق التاريخية برؤية سينمائية سعت إلى استكشاف أعماق التجربة الإنسانية.
| كتب وثقت قصة حياة جوزيف ميريك ومعاناته مع داء الفيل |
لم يحتج صناع الفيلم، أو المسرحية، لإضفاء خطوط درامية غير واقعية على حياته، فحياته مأساة تراجيدية كافية جدًّا لصنع عمل يحطم الأعصاب، رغم أنه عند فحص الروايات التي تناولت حياة جوزيف ميريك، نجد تباينًا واضحًا بين التوثيق التاريخي والتوظيف الدرامي.
في حين قدم السير فريدريك تريفيس في كتابه «الرجل الفيل وذكريات أخرى» شهادة حية تعتمد على الملاحظة السريرية الممزوجة بالتعاطف الإنساني؛ حيث ركز على تحول نظرته الشخصية لميريك من حالة طبية مثيرة للشفقة إلى شخصية مثقفة تمتلك وعيًا ذاتيًا عميقًا وشغفًا بالأدب الكلاسيكي، مؤكدًا أن العزلة التي فرضها المجتمع على ميريك لم تمنعه من تنمية قدرات ذهنية لافتة.
في المقابل، اتجهت السينما إلى تكثيف مظلومية ميريك لخدمة البناء الدرامي. فبينما تشير الوثائق التاريخية إلى أنه امتلك قدرًا من الإرادة، واختار في مرحلة ما الانضمام إلى العروض العامة كخيار أخير لكسب العيش، قدّمه الفيلم بوصفه ضحية مسلوبة الإرادة بالكامل، خاضعًا لتعذيب متواصل من أصحاب السيرك. كما صُوّر توم نورمان كشخص سادي يمارس العنف ضده، في حين تُظهر الوقائع أنه تعامل معه بوصفه عنصرًا استعراضيًا من دون تلك القسوة المفرطة. كذلك لم يُختطف إلى بلجيكا قسرًا كما تقدمه الدراما، بل سافر للعمل هناك، وفشلت عروضه، خلافًا للصياغة السينمائية التي تبني مشهدًا مؤثرًا على فكرة الاختطاف والهروب بمساعدة المسوخ الآخرين.
هذا التحوير الدرامي جاء ليعزز ثنائية بشاعة الجسد ونقاء الروح، وهي معالجة فنية تميل إلى تبسيط البعد النفسي للشخصية، مقارنة بتعقيد تجربته الواقعية، حيث كان يحاول التوفيق بين حاجته إلى كسب العيش وسعيه للحفاظ على قدر من الكرامة.
إن الفارق الجوهري بين الروايتين يكمن في كيفية تقديم الوعي. ففي حين أظهرت السينما ميريك كشخص أبكم، أو عاجز ذهنيًا يتعلم الإنسانية والثقافة بمساعدة الطبيب، تؤكد الشواهد التاريخية ومذكرات تريفيس أن ميريك كان مثقفًا بالفطرة قبل لقائهما؛ حيث كانت القراءة هي وسيلته الوحيدة للهرب من واقعه الأليم. وبذلك، تظل القصة الحقيقية أكثر عمقًا في دلالاتها، إذ تثبت أن المعاناة لم تكن نتاج التشوه الجسدي فحسب، لكنها كانت نتاج صراع إنسان واعٍ تمامًا بوضعه، يحاول الانتماء إلى عالم يرفض الاعتراف بوجوده خارج إطار العرض المسرحي.
عين الناظر
| لقطة من فيلم “الرجل الفيل” للمخرج ديفيد لينش (1980) |
تُعد حلقة عين الناظر «Eye of the Beholder» من مسلسل The Twilight Zone (1960) الأداة الدرامية الأكثر دقة في تفكيك المعايير الجمالية، حيث تعيد صياغة مفهوم القبح من كونه صفة ذاتية في الجسد إلى كونه حكمًا اجتماعيًا نسبيًا.
تتمحور القصة حول امرأة تخضع لعملية جراحية أخيرة في محاولة بائسة لتعديل وجهها المشوه، وتعيش حالة من الرعب النفسي بانتظار النتيجة، بينما يظهر الأطباء والممرضات بوجوه مغطاة بالكمامات، أو غير ظاهرة طوال الوقت. الصدمة الدرامية تحدث عند إزالة الضمادات؛ حيث نكتشف أن المرأة تمتلك وجهًا فائق الجمال بمعاييرنا البشرية، بينما يكشف الأطباء عن وجوههم التي تبدو لنا كـ “مسوخ” بملامح خنزيرية مشوهة.
هذا التحول الدرامي يثبت أن القبح هو اتفاق اجتماعي بدرجة كبيرة. فالبطلة في مجتمعها تُعامل كحالة منبوذة تشبه حالة ميريك، أو عليش، ليس لأن وجهها قبيح في ذاته، وإنما لأنها تختلف عن المعيار السائد في ذلك المجتمع.
وتكشف الحلقة عن سلطة المعيار الجمالي كأداة قمعية؛ فالطبيب الذي يعالج المرأة يتحدث بنبرة إنسانية، لكنه في النهاية ينفذ إرادة مجتمع يرفض وجود المختلفين بينهم، ويقوم بنفيهم إلى مستعمرات معزولة.
هذا الطرح الدرامي يفسر لماذا كان جوزيف ميريك يحاول التماهي مع البشر الطبيعيين؛ فالمعيار السائد هو الذي يمنح صك الانتماء أو النبذ. كما تتقاطع هذه النقطة مع رؤية رجاء عليش في أن القبح صناعة اجتماعية بامتياز، حيث يتحول الشكل إلى جدار عازل يمنع التواصل الإنساني الحقيقي. وبذلك تضعنا “عين الناظر” أمام حقيقة أن ميريك وعليش كانا ضحيتين لتلك “العين” التي تراقبهما وتعيد تعريفهما وفق قوالب جاهزة، مما يجعل القبح في جوهره سجنًا بصريًا يبنيه الآخرون حول الفرد.
ما بين عقدة الناجي والوعي الحاد بالذات
| مع ازدياد وعي رجاء عليش وثقافته تعمّق إدراكه لمرارة وضعه وشعوره بالرفض والإقصاء. تجلى هذا التصور في روايته “كلهم أعدائي” |
تفتح المقارنة بين جوزيف ميريك، بوصفه تمثيلًا لعقدة الناجي، والكاتب المصري رجاء عليش، بوصفه تجسيدًا لوعي حاد بالذات، أفقًا لفهم الكيفية التي يتعامل بها الوعي الإنساني مع فكرة القبح، أو التشوه الجسدي. تتقاطع التجربتان في عمق المعاناة وقسوة النبذ الاجتماعي، بينما تتباين استجابتهما وفق مسارين نفسيين وفلسفيين مختلفين؛ اتجه عليش إلى نبرة صدامية احتجاجية، في حين مال ميريك إلى نبرة مسالمة تميل إلى الانسحاب.
من زاوية نفسية، يمكن قراءة شخصية ميريك عبر مفهوم المرونة النفسية السلبية. بعد أن تعرض لسلسلة من الصدمات بدأت بالتشوه، مرورًا بفقدان الأم، ثم الطرد من قِبل الأب، وصولًا إلى الاستغلال في السيرك. ومع ذلك، تشكلت استجابته في هيئة تقبل هادئ أقرب إلى رضا قسري، وانجذب إلى مساحات الأمان التي وفرها الفن والأدب. لا يظهر في سيرته ميل إلى العنف، أو الكراهية، تجاه المجتمع الذي سخر منه؛ إذ كان يرى نفسه عبئًا، أو حالة تستدعي الامتنان لأي تعامل إنساني بسيط.
في المقابل، تتسم علاقة رجاء عليش بفكرة القبح بطابع صدامي وانتقامي. يرى القبح قضية وجودية مرتبطة بخلل عميق في الطبيعة، ويواجه أثره في ملامحه بوصفه واقعًا قاسيًا لا يتيح مساحة للقبول، أو التعايش. ولا تمنحه الثقافة أو الوعي الفني والفكري أي تخفيف لإحساسه بالألم، ولا يقدمان له راحة أو تعويضًا نفسيًا، ومع ازدياد وعيه وثقافته يتعمّق إدراكه لمرارة وضعه وشعوره بالرفض والإقصاء. ويتجلى هذا التصور في روايته “كلهم أعدائي”، حيث يظهر هذا الإحساس في شكل نقد وغضب موجّه إلى مجتمع يقدّم الجمال كقيمة أساسية، ويهمّش أو يستبعد من لا ينطبق عليهم هذا المعيار.
في حين استخدم ميريك الأدب وسيلة للاندماج؛ فكان يقرأ لشكسبير وأوستن ليشعر بأنه جزء من العالم الطبيعي، وتعامل مع قبح جسده كزنزانة سعى إلى تجميل جدرانها بالقراءة وكتابة الرسائل الرقيقة، استخدم رجاء عليش الأدب كمشرط لتشريح قبح المجتمع، لا قبحه هو، وتحولت كتاباته إلى صرخة احتجاج وتعرية للنفاق الاجتماعي.
ظل ميريك مرتبطًا نفسيًا بصورة الأم، بوصفها المصدر الوحيد للقبول غير المشروط، وهو ارتباط دفعه إلى البحث عن بديل رمزي للأم في شخص الطبيب تريفيس، أو الملكة فيكتوريا، أو في أي يد تمتد إليه بالتعاطف والرعاية. في المقابل، قاد فقدان رجاء عليش لأمه، التي مثَّلت لديه المعنى ذاته للأمومة والحب غير المشروط، إلى مزيد من العزلة، وإلى تصاعد حدة السخط في علاقته بالعالم.
وبينما كان ميريك يبحث عن الستر في غرفته بالمستشفى، كان عليش ينشغل بفكرة العدالة الغائبة، وهي فكرة قادته في النهاية إلى الانتحار، عادًا الموت الاحتجاج الأخير والوحيد الممكن. على عكس ميريك، الذي تجسدت رغبته في أن يكون طبيعيًا حتى في لحظة وفاته؛ فقد مات وهو يحاول النوم في وضعية البشر العاديين، في محاولة أخيرة للتماهي مع الجسد الطبيعي، وقد كانت تلك المحاولة سبب نهايته.
تحمل نهاية ميريك طابعًا تراجيديًا مشبعًا بمصالحة حزينة مع الجسد، بينما تتخذ نهاية رجاء عليش مسارًا حادًا يعكس رفضًا مطلقًا لهذا الجسد وللعالم الذي يحكم عليه من خلاله. انتحاره لم يكن حادثًا عرضيًا كما في حالة موت ميريك، لكنه كان قرارًا واعيًا بإنهاء رحلة العذاب الجسدي والنفسي.
يمكننا القول ببساطة إن ميريك بدا ضحية مسالمة سعت إلى عبور جسر القبح نحو القبول الاجتماعي، بينما ظهر رجاء عليش متمردًا وجوديًا أحرق هذا الجسر، ورفض أن يكون مجرد حالة تُقبل، أو تُرفض.
خاتمة
بعد كل ما عرضناه بخصوص القبح، يمكننا بشكل ما أن نشعر أن له مذاقًا حسيًا يتجاوز حدود الوصف؛ فهو ربما يشبه ملمس الأشياء الخشنة التي تحتك بالجلد وتترك أثرًا من الوخز الدائم، إنه أشبه بمذاق معدني مُرّ يستقر في الحلق ولا يزول بالنسيان. وربما يمكن تحسس القبح في تلك الكتلة الثقيلة التي تسكن الصدر، وتجعل التنفس عملية مجهدة، كأن الهواء نفسه قد فقد خفته، وأصبح مشبعًا بالرماد.
لكن الأكيد أنه يتجسد حسيًا في تلك النظرة الاجتماعية التي تلتصق بجسد الفرد كغراء لزج، وتجعله يشعر بثقل جلده. هذا الطعم الحسي يختلف في وقعه من شخص إلى آخر، فالقبح ليس تجربة حسية واحدة يتجرعها الجميع بالكيفية ذاتها، بمعنى أنه شعور ذاتي يختلف طعمه باختلاف وعي الفرد وإدراكه وتجربته الفريدة التي لا يمكن لآخر أن يختبرها بالعمق ذاته. فبينما يرى المجتمع القبح كحالة من الخروج عن النظام، أو التشوه البصري، يعيشه صاحب التجربة كبنية داخلية معقدة تصبغ رؤيته للعالم ولذاته.
في نهاية المطاف، يظل القبح فكرة سيالة تقاوم التعليب، وإن الفارق بين تجربة وأخرى يكمن في كيفية استجابة الوعي لهذا الحصار؛ فإما أن يكون القبح سجنًا يؤدي إلى الانفجار والقطيعة، أو يصبح دافعًا للبحث عن جوهر الإنسان الكامن خلف القشور الظاهرة، ليثبت أن الذات هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن للمقاييس الاجتماعية أن تحاصرها، أو أن تدرك مذاقها الحقيقي.