الترجمة ليست فعلا سريعا ومجرد نقل كلام من لغة إلى غيرها، وهذا يؤكد أن تطبيقات الترجمة لن تغنينا عن دور المترجمين، فترجمة نص صوفي مثلا كما فعلت الكاتبة والأكاديمية التونسية مريم الدزيري، تحتاج إلى صبر وبحث وتحقيق وإعادة تمثل، وهذا ما جعل منها تحديا ممتعا. “العرب” كان لها هذا الحوار مع المترجمة حول تجربتها هذه.
في زمنٍ تتراجع فيه التّرجمة إلى مجرّد وسيط تقني بين اللّغات، تُذكّرنا مريم الدّزيري بأنّ التّرجمة يمكن أن تكون فعلاً من أفعال الإصغاء العميق إلى الآخر، وإقامةً في تخوم المعنى والرّوح معا.
من خلال ترجمتها لكتاب “طريقة الرّقص المقدّس للدراويش الدوّارين” للباحث واللاهوتي الإيطالي ألبرتو فابيو أمبروزيو، لا تكتفي المترجمة بترجمة نصّ عن التصوّف المولوي، بل تعيد إلى العربية ذلك الارتعاش الخفيّ الّذي يسكن لغة السّماع والدوران والحنين إلى المطلق.
في عملها هذا، تبدو المترجمة أقرب إلى عابرة بين عوالم: بين الفرنسيّة والعربيّة، بين الفكر والتّجربة، بين البحث الأكاديمي والنّشوة الرّوحيّة. وهي، بذلك، تواصل ذلك التّقليد النادر للمترجمين الّذين لا ينقلون الكلمات فحسب، بل ينقلون أيضاً ما يتخفّى وراءها من أنفاس وأسئلة وأحلام.
ترجمة النص الصوفي
العرب: حين نقرأ “طريقة الرقص المقدّس للدراويش الدوّارين” الصّادر في أبريل 2026 عن منشورات أبجديّات للنّشر الّتي يشرف عليها الرّوائي والقاصّ وليد بن أحمد، نشعرُ أنّنا أمام نصّ يتجاوزُ البحث الأكاديمي نحو كتابة مشبعة بالنَّفَس الرّوحي والجمالي. كيف عِشْتِ، كمترجمة، هذا التّداخل بين المعرفة والتّجربة الدّاخلية؟ وهل شعرتِ أحيانا أنّك تترجمين “حالة” أكثر ممّا تترجمين مفاهيم؟
مريم الدزيري: لا تعدّ ترجمةُ النصّ الصوفي مجرّدَ تحويلٍ للكلمات من لغةٍ إلى أخرى، بل هي فعلُ فهمٍ عميقٍ لعالمٍ قائمٍ على الرمز والإشارة والتجربة الروحية. ولذلك يحتاج المترجم إلى رصيدٍ معرفيّ وثقافةٍ صوفية يمكّنانه من استيعاب المصطلحات والدلالات الخفيّة التي يزخر بها هذا النوع من الكتابة. وقد أسهمت رسالتي للدكتوراه، المعنونة بـ”الحكاية الرمزية الصوفية في القرنين السادس والسابع الهجريين”، في تمهيد هذا المسار أمامي، إذ منحتني مفاتيح قراءة النصّ الصوفي وفهم بنيته الرمزية.
ومن هذا المنطلق، أرى أنّ ترجمة النصّ الصوفي ليست نقلاً حرفيًّا، بل هي إعادةُ خلقٍ لنصّ جديد يحمل روح التصوف ويتشكّل داخل لغة المترجم وثقافته. لذلك فإنّ ترجمة هذا اللون من النصوص تقتضي نوعًا من المعايشة الداخلية للتجربة الصوفية؛ فلا يمكن الإحاطة بأبعادها إلّا لمن كان قريبًا من عالمها، مدركًا لإشاراتها، ومتذوّقًا لروحها.
العرب: يبدو ألبرتو فابيو أمبروزيو مفتونا بفكرة “السماع” بوصفها طريقا للرّؤية، لا مجرّد تلقٍّ للصوت. إلى أيّ حدّ كان عليكِ أن تبحثي عن لغة عربية تُنصتُ هي أيضاً للنصّ، لا أن تنقله فقط؟
مريم الدزيري: عند ترجمة النصّ الصوفي لا يمكن للمترجم أن يكون مجرّد ناقلٍ للكلمات أو وسيطٍ لغويّ محايد، بل إنّه ينخرط في النصّ انخراطًا كاملًا، حتى يغدو ذرّةً من ذرّاته وجزءًا من روحه. فالنصّ الصوفي لا يُقرأ من خارجه، وإنّما يُعاش من داخله، لذلك تقتضي ترجمته مراعاة مستويات متعدّدة، يأتي في مقدّمتها المعنى العميق وروح النصّ الكامنة وراء العبارة.
غير أنّ الصلة بين هذين المستويين لا تتحقّق إلّا عبر القارئ أو المترجم المتذوّق، ذاك الذي شبّهه فريد الدين العطار بالفراشة التي لا تبلغ حقيقة المعرفة إلّا حين تنصهر بالكامل في النار. فالمعرفة في التصوّف ليست تأمّلًا خارجيًّا، بل تجربة احتراقٍ وذوبان، وكذلك الترجمة الصوفية؛ لا تكتمل إلّا إذا ذاب المترجم في النصّ حتى يعيد خلقه بروحه قبل لغته.
العرب: الكتاب يتحرّك بين عوالم عديدة: التصوّف الإسلامي، التّراث المولوي، التّاريخ العثماني، شعر الرّومي، والرّموز الطّقسيّة. ما أصعب ما واجهك في ترجمة هذا التّشابك الحضاري والرّوحي؟ هل كانت الصّعوبة في المصطلح أم في الإيقاع الدّاخلي للنصّ؟
مريم الدزيري: تتجلّى صعوبة ترجمة هذا الأثر، في المقام الأوّل، في كثافة المصطلحات التركية التي حرص مؤلّف الكتاب على الإبقاء عليها داخل النص، الأمر الذي استدعى بذل جهدٍ إضافي لفهم دلالاتها الدقيقة والوقوف على أبعادها الثقافية والروحية بما يخدم المعنى العام للنص. وقد آثرتُ الحفاظ على هذه المصطلحات في الترجمة العربية، مع إرفاقها بشروحٍ مفصّلة، حتى أتيح للقارئ العربي أن يلامس معناها الحقيقي ويندمج في أفق النص وعالمه.
هذا إلى جانب حضور أماكن تاريخية وتعدّد أسماء الأعلام من أدباء وشعراء مولويين، وكنت ملزمة بتعريفهم، وهنا تصبح الترجمة زيادة على ترجمة المعنى هي عملية تحقيق دقيق على الباحث انتهاجه ليحافظ على روح النصّ ويقدّم إلى القارئ نصّا مكتمل المعالم.
أمّا الصعوبة الثانية فتتمثّل في خصوصية اللغة الصوفية ذاتها؛ إذ يتطلّب هذا النوع من النصوص لغةً عربية قادرة على مجاراة روحه وإيقاعه الرمزي، من غير إخلالٍ بأمانة المعنى في النصّ الأصلي. ومن هنا جاءت الترجمة محاولةً للتوفيق بين الدقّة الدلالية والحسّ الجمالي الذي يميّز الخطاب الصوفي.
◄ المترجمة تبدو عابرة بين العوالم: بين الفرنسيّة والعربيّة، بين الفكر والتّجربة، بين البحث الأكاديمي والنّشوة الرّوحيّة
ولعلّ هذا التداخل بين التاريخ المولوي والعثماني والتجربة الصوفية، ضمن نسيجٍ لغوي عربي، هو ما أضفى على النص ثراءً خاصًّا وعمقًا معرفيًّا وجماليًّا في آنٍ واحد.
العرب: في أكثر من موضع، نشعرُ أنّ المؤلّف يحاول تحرير صورة الدّراويش من النّظرة الفولكلوريّة أو الاستشراقيّة الّتي اختزلتهم في “رقصة غريبة”. هل كان هاجسك، أثناء التّرجمة، أن تعيدي بدورك تقديم التصوّف باعتباره رؤية للوجود لا مجرّد فرجة بصريّة؟
مريم الدزيري: كان هذا الهاجس حاضرًا بقوّة أثناء الترجمة، لأنّ النصّ في جوهره لا يقدّم الدّراويش بوصفهم مشهدًا احتفاليًّا أو طقسًا فولكلوريًّا قابلًا للفرجة، بل يكشف عن عالمٍ روحيّ وفلسفيّ عميق يقوم على مجاهدة النفس والسعي إلى المعرفة والاتّحاد بالمطلق. لذلك كان من الضروري أن تحافظ الترجمة على هذه الرؤية، وألّا تسقط في إعادة إنتاج القراءة الاستشراقية التي اختزلت التصوّف، وخصوصًا المولوية، في صورة الرقص والدوران.
لقد حاولتُ، من خلال اللغة والاختيارات الترجمية، أن أنقل البعد الوجودي والرمزي للتجربة الصوفية، وأن أُبرز أنّ السماع المولوي ليس حركة جسد فحسب، بل هو لغة روحية كاملة، لها رموزها ومقاماتها ودلالاتها. فالدوران، في المخيال الصوفي، ليس استعراضًا بصريًّا، وإنّما تعبير عن حركة الكون، وعن رحلة الإنسان من الكثرة إلى الوحدة، ومن الظاهر إلى الباطن.
ومن هنا، كانت الترجمة بالنسبة إليّ محاولةً لإعادة تقديم التصوّف باعتباره رؤيةً للوجود وطريقةً في فهم العالم والإنسان، لا مجرّد مشهدٍ قابل للاستهلاك البصري أو الإعجاب السطحي. فالنصّ الصوفي، حين يُترجم بوعيٍ بروحه العميقة، يستطيع أن يفتح أمام القارئ أفقًا معرفيًّا وتأمّليًّا يتجاوز الصورة النمطية الشائعة عن الدّراويش والتصوّف عمومًا.
العرب: ثمّة حضور قويّ للموسيقى في هذا العمل: النّاي، السّماع، الدّوران، الإيقاع… كيف يمكن للمترجم أن ينقل موسيقى نصّ يتحدّث أصلا عن الموسيقى؟ وهل كنتِ تراهنين على جماليّة العربية لإعادة خلق هذا البعد السّمعي؟
مريم الدزيري: يمثّل حضور الموسيقى في هذا العمل أحد أكثر التحدّيات دقّة في الترجمة، لأنّ النصّ لا يكتفي بالحديث عن الموسيقى بوصفها موضوعًا، بل يكتب بها ومن خلالها؛ فإيقاع الجملة، وتدفّق الصور، وتكرار بعض العبارات، كلّها عناصر تُحدث نوعًا من السماع الداخلي الذي يوازي تجربة الدّوران والإنشاد في التصوّف المولوي. لذلك لم تكن مهمّتي نقل المعنى فقط، بل محاولة الإصغاء إلى النَّفَس الموسيقي الكامن في النصّ وإعادة خلقه داخل لغة أخرى.
ومن هنا، كان الرهان على جماليّة العربية رهانًا أساسيًّا. فاللغة العربية، بما تمتلكه من طاقة إيقاعية وثراءٍ بلاغي، قادرة على احتضان هذا البعد السمعي إذا ما أُحسن توظيفها. لذلك سعيتُ إلى اختيار تراكيب تحافظ على انسياب النصّ وجرسه الداخلي، وإلى بناء جملة عربية تتنفّس بروح النصّ الأصلي دون أن تفقد خصوصيتها. فالنَّاي والسماع والدوران ليست مفردات عابرة، بل مفاتيح لتجربة روحية كاملة، وكان لا بدّ أن تصل إلى القارئ العربي محمّلةً بأصدائها الرمزية والإيقاعية معًا.
لقد كان هدفي ألّا يقرأ القارئ النصّ فقط، بل أن يسمعه أيضًا؛ أن يشعر بإيقاعه الداخلي وبذلك التوتّر الشفاف بين الصمت والنغم، لأنّ الموسيقى في التصوّف ليست زينةً جمالية، بل وسيلةٌ للكشف والارتقاء الروحي. ومن ثمّ أصبحت الترجمة نفسها نوعًا من السماع؛ إصغاءً عميقًا للنصّ قبل إعادة إنشاده بلغة أخرى.
رؤية أخلاقية وجمالية
العرب: يكتب أمبروزيو عن الرومي والمولوية بلغة المحبّ لا بلغة الباحث البارد. أنت باحثة ووريثة مشروع بحث كامل في شخص المرحوم عبدالعزيز شبيل والجامعة التّونسيّة ككلّ، لكن هل غيّرتك هذه التّرجمة على المستوى الشّخصي؟ وهل تركت أثرا في علاقتك بالتصوّف أو بفكرة “الإنصات” إلى العالم؟
مريم الدزيري: لم تكن هذه الترجمة مجرّد عمل أكاديمي أو تجربة لغوية عابرة، بل كانت تجربة إنسانية وروحية تركت أثرًا عميقًا فيّ على المستوى الشخصي. فالنصوص الصوفية، حين يطول الاحتكاك بها، لا تظلّ خارج القارئ أو المترجم، بل تتسرّب إليه بهدوء وتعيد تشكيل طريقته في النظر إلى العالم والإنصات إليه. لذلك شعرتُ، أثناء الترجمة، أنّني لا أكتفي بقراءة النصّ، بل أدخل في حوار داخلي معه، ومع الأسئلة التي يطرحها حول المعنى والحضور والجمال.
وبالطبع، فإنّ تكويني البحثي، وارتباطي بالمشروع العلمي الذي أسّسه المرحوم عبدالعزيز شبيل داخل الجامعة التونسية، منحاني أدوات القراءة والتحليل، لكنّ النصّ الصوفي يظلّ قادرًا على تجاوز حدود المقاربة الأكاديمية البحتة. فهو يدفع الباحث، مهما حاول الحفاظ على مسافة نقدية، إلى نوع من الإصغاء المختلف؛ إصغاء لا يقوم فقط على فهم الكلمات، بل على التقاط ما يتوارى خلفها من صمت وإيقاع وإشارات. ترجمة أي نصّ عن الرّومي تجعلك رومّيا، وهنا رومي أعني بها الفكر الصوفي الذي يمثّله جلال الدين الرّومي.
ولعلّ أكثر ما غيّرته هذه التجربة فيّ هو علاقتي بفكرة “الإنصات”. فقد أدركت أنّ التصوّف لا يعلّمنا الكلام بقدر ما يعلّمنا الإصغاء: الإصغاء إلى الذات، وإلى الآخر، وإلى العالم في هشاشته وجماله الخفيّ. ومن هنا، أصبحت الترجمة نفسها فعلَ إنصاتٍ عميق؛ محاولةً لالتقاط روح النصّ لا صوته الظاهر فقط، ونقل تلك الروح إلى القارئ العربي بأكبر قدر ممكن من الأمانة والحياة.
العرب: في زمن السّرعة والضّجيج والصّور الخاطفة، يأتي هذا الكتاب كدعوة إلى البطء والتأمّل والدّوران نحو الداخل. برأيك، ماذا يمكن أن يقول كتاب كهذا للقارئ العربي اليوم؟ ولماذا نحتاج الآن تحديدا إلى ترجمة عمل كهذا وكغيره؟ زيادة على ذلك، يطرح السّؤال نفسه: هل يمكن للصّوفيّة أن تكون فاعلة اليوم؟
مريم الدزيري: في زمنٍ تحكمه السّرعة، وتغمره الضوضاء والصور العابرة، يأتي كتاب كهذا ليقترح على القارئ العربي شكلًا آخر من العلاقة بالعالم؛ علاقة تقوم على التأنّي والتأمّل والعودة إلى داخل النفس. فالنصّ الصوفي لا يمنح قارئه أجوبة جاهزة، بل يدعوه إلى التوقّف، والإصغاء، وإعادة اكتشاف المعنى في عالمٍ أصبح يستهلك الأشياء والأفكار بسرعة مذهلة. ومن هنا تكمن راهنيّته اليوم؛ أنّه يذكّر الإنسان بما فقده وسط هذا الإيقاع المتسارع: العمق، والسكينة، والقدرة على التأمّل.
وأعتقد أنّنا نحتاج اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى ترجمة مثل هذه الأعمال، لا بوصفها نصوصًا تراثية منغلقة على الماضي، بل باعتبارها جزءًا من ذاكرة روحية وإنسانية قادرة على محاورة أسئلة الحاضر. فالتصوّف، في جوهره، ليس انسحابًا من العالم كما يُتصوَّر أحيانًا، بل محاولة لفهمه بصورة أكثر رحابة وإنسانية، بل يمكن عدّه حركة إحيائية. هو خطاب يفتح المجال أمام قيم المحبّة والتسامح والجمال، ويعيد الاعتبار إلى البعد الروحي في الإنسان، بعيدًا عن منطق الاستهلاك والعنف والاختزال.
◄ ترجمةُ النصّ الصوفي لا تعدّ مجرّدَ تحويلٍ للكلمات من لغةٍ إلى أخرى، بل هي فعلُ فهمٍ عميقٍ لعالمٍ قائمٍ على الرمز والإشارة والتجربة الروحية
ولهذا أرى أنّ الصوفية يمكن أن تكون فاعلة اليوم، ولكن ليس بالمعنى الطقوسي أو الفولكلوري الضيّق، وإنّما بما تحمله من رؤية أخلاقية وجمالية للوجود. فالعالم المعاصر، رغم تقدّمه التقني، يعيش نوعًا من القلق الروحي والاغتراب الداخلي، وربّما تستطيع التجربة الصوفية أن تقدّم بديلا آخر للعيش، قائمًا على الإنصات والتوازن والمصالحة مع الذات والآخر.
اختيارات مختلفة
العرب: لو خُيّرت البدء من جديد، ما الخيارات الّتي ستتخذينها؟ لو خُيّرت بين تجسيد نفسك أو إعادة تجسيدها في كلمة، أو شجرة، أو حيوان، فأيّ منها ستكونين في كلّ مرّة؟ وأخيرًا، لو تُرجم نصّ أو كتاب واحد فقط من نصوصك إلى لغات أخرى، إلى الفرنسيّة والعربيّة مثلًا، فأيُّها ستختارين ولماذا؟
مريم الدزيري: لو خُيّرتُ البدء من جديد، أظنّ أنّني سأختار الطريق نفسه، وإن بدا شاقًّا ومليئًا بالعزلة والأسئلة. فبعض الاختيارات لا تكون مجرّد قرارات، بل قدرًا داخليًّا يشبه النداء. ربّما كنت سأمنح نفسي مزيدًا من الوقت للإنصات، ومزيدًا من الجرأة للذهاب نحو النصوص التي تخيفني وتفتنني في الآن ذاته، لأنّ المعرفة الحقيقية تبدأ غالبًا من المناطق التي تربكنا لا من تلك التي تطمئننا.
ولو خُيّرتُ أن أتجسّد في كلمة، لاخترتُ كلمة “العبور” لأنّها تختصر معنى الترجمة، ومعنى البحث، وربّما معنى الحياة نفسها؛ عبورٌ من لغة إلى أخرى، ومن ظاهر الأشياء إلى باطنها، ومن الذات نحو الآخر. أمّا لو كنتُ شجرة، فربّما سأكون شجرة زيتون لا يخفت نورها؛ لأنّها تذكرني بهذه الآية “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (النور)، تضرب جذورها عميقًا في الأرض بينما تظلّ متّجهة نحو السماء. ولو كنتُ حيوانًا، لاخترتُ الفراشة، لا لخفّتها فقط، بل لأنّ صورتها في المخيال الصوفي، وخصوصًا عند فريد الدين العطار، ترتبط بالاحتراق في سبيل المعرفة والنور.
أمّا إذا كان عليّ أن أختار نصًّا واحدًا فقط ليُترجم إلى لغات أخرى، فأعتقد أنّني سأختار نصًّا يعبّر عن هذا التداخل بين البحث الأكاديمي والتجربة الإنسانية؛ نصًّا لا يقدّم التصوّف بوصفه موضوعًا للدراسة فحسب، بل باعتباره طريقةً أخرى لفهم الإنسان والعالم. لأنّني أؤمن بأنّ النصوص التي تعيش طويلًا ليست تلك التي تكتفي بتقديم المعرفة، بل تلك التي تترك أثرًا داخليًّا في قارئها، مهما اختلفت لغته وثقافته.