اللافت للانتباه في التقارب الأميركيّ – الإيرانيّ الأخير، إذا صحَّ التعبير بالتقارب، أنّ الرئيس الأميركيّ اتّصل للمرّة الأولى منذ بدء النزاع بكلّ القادة العرب بالمشرق، بالإضافة إلى تركيا، لأخذ رأيهم في مسوّدة الاتّفاق، أو بتعبيرٍ آخر لمعرفة هل يفضّلون السلام على الحرب على الرغم من تواضع محتويات المسوّدة التي يكاد يكون موضوعها الرئيس: فتح مضيق هرمز. حتّى النووي موضوعه مؤجَّل لمناقشته في فترة الهدنة المؤقّتة.
كان دونالد ترامب واثقاً من موافقة العرب على المهادنة لأنّ إقفال مضيق هرمز هو أكثر ما يزعجهم. لقد سبق لعددٍ من القادة العرب عندما بدا أنّ الحرب توشك أن تندلع من جديد، أن اتّصلوا بالرئيس الأميركيّ وطلبوا منه تأجيل قرار الحرب رجاء أن يحصل اتّفاق حسبما أخبرهم الباكستانيّون.
سعى العرب دائماً إلى السلم مع إيران حتّى قبل نهاية النزاع مع صدّام حسين. لقد أخبر عددٌ منهم إدارة الخمينيّ وقتها أنّه ما دامت إيران قد استعادت أرضها (1984-1985) فلا داعي لاستمرار الحرب، وقد أبلغت حكومة العراق الأُمم المتّحدة أنّها موافقة على وقف الحرب ولو من جانبٍ واحد.
كان الخميني يومها واثقاً من النصر المؤزّر بسبب البشارات والنُذُر بقرب سقوط حكومة صدّام حسين وحكمه. لكنّه ما لبث أن غيّر رأيه وخضع لقرار وقف إطلاق النار من جانب مجلس الأمن مع أنّه شعر، كما قال، كأنّه يتجرّع السمّ، وكان ذلك عام 1988. كانت دوافع الخمينيّ لعدم الموافقة على وقف إطلاق النار، كما صرّح بذلك عددٌ من المسؤولين، اقتراب ظهور المهديّ (الغائب) وحضوره لنصرة جمهوريّة ولاية الفقيه، فما الذي عدا ممّا بدا، فلا المهديّ ظهر ولا الخمينيّ صمد؟!
الخوف من سقوط الجمهوريّة
كان السبب خوف المسؤولين الكبار، وبخاصّةٍ خامنئيّ الذي كان رئيساً للجمهوريّة وأكبر هاشمي رفسنجاني الذي كان من المؤثّرين الكبار على الخمينيّ، من سقوط الجمهوريّة، ليس بسبب استمرار سقوط الآلاف من شبّان الجمهوريّة في حقول الألغام فقط، بل وبسبب الاختلالات التي ظهرت في القيادة العسكريّة، وإمكان استغلال صدّام والأميركيّين للأمر لتجديد الهجمات.
على هذه المخاوف دليلٌ لا يُدحض. لقد شكا الرئيس خامنئيّ للوليّ الفقيه أنّ بعض إجراءات الحكومة تخالف تعاليم الإسلام والمذهب الشيعيّ، فأجابه الخمينيّ بدون تردّد أنّ الأولويّة لحفظ الحكومة مهما كانت المآخذ عليها لأنّها إذا سقطت سقط الإسلام بالفعل. الحكومة الآن، كما قال، أهمّ من إنفاذ بعض أحكام الدين التي يمكن العودة إليها فيما بعد.
الطريف أنّ كلّ الروايات الإيرانيّة عن الحرب مع صدّام تؤكّد أنّ إيران انتصرت فيها، مهما قال الخصوم عن شرب الخمينيّ للسمّ. ليست مهمّةً وقائع الحرب ولا خسائر الدولة والمجتمع، بل سلامة العقيدة. تقول العقيدة إنّ الزمان زمان الانتصار ودليله الأوّل قيام الجمهوريّة الإسلاميّة التي تفتح الباب لظهور المهديّ، وإذا أُصيبت الجمهوريّة في زمن الشهادة هذا فمعنى ذلك العودة إلى نقطة الصفر، وتأخير ظهور صاحب الزمان والعقيدة لا تسمح بذلك ولا تتصوّره.
يتحدّث إلى المهديّ!
هل يعتقدُ الملالي والقادة العسكريّون ذلك حقّاً؟
آخِر من كان يصرّح بذلك الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي حكم لفترتين، وكان كما قال يتحدّث إلى المهديّ مباشرةً وأحياناً قبل الوليّ الفقيه، سواء أكان القادة يصدّقون أنّ المهديّ آتٍ وهم الحرّاس على بابه الذي ينفتح قريباً، أو كانوا يتمسّكون بذلك أمام العوامّ.
الطريف أنّ السُّنّة هم العوامُّ في نظر فقهاء أهل البيت قديماً. إنّما على أيّ حال تبدو هذه التصديقيّة المغالية لدى الفرق والميليشيات الشيعيّة في العراق ولبنان، وها هم الشيعة بلبنان أكثر من نصفهم مهجَّرون وإسرائيل تلاحقهم فرداً فرداً وهم ما يزالون على إصرارهم العقديّ الانتصاريّ بالمهديّ وقرب ظهوره على الرغم من “حلول البلاء وتفاقمه”.
مرّةً أخرى وأيّاً تكن الصدقيّة المهدويّة الاعتقاديّة، فإنّ الانتصاريّة، سواء لدى إيران أو لدى “الحزب” المسلَّح، تظلّ ظاهرةً وغالبة. يتحدّث الإيرانيّون عن الأضرار الهائلة التي سيُنزلونها بإسرائيل إن عادت الحرب. و”الحزب” يعدِّد هجماته كلّ يوم على وقع الغارات الإسرائيليّة ويقتل أحياناً جنوداً لكن بالطبع لا يمكن مقارنة “خسائر العدوّ” بخسائر “الحزب” ولبنان وقد صار الضحايا ألوفاً مؤلّفة، علاوة على الجرحى.
النّزعة الانتصاريّة
ما يخشاه العرب ويخشاه اللبنانيّون هو هذه النزعة الانتصاريّة التي لا تحسب حساباً لحياتها ولا لحياة المجتمعات والدول التي هم مواطنون فيها. في عام 2006 زعم “الحزب” أنّه انتصر مع أنّ إسرائيل احتلّت ستّة كيلومترات ما خرجت منها تماماً حتّى عام 2023.
يزعم الإيرانيون المدمَّرون الآن أنّهم انتصروا، لكن أين؟
إقفال مضيق هرمز ليس دليلاً، بل الدليل المجدي أن يكون عندك حساب للربح والخسارة، لكنّ إيران حتّى في الضربات والتجسّس والإضرار تبدو وراء إسرائيل بمراحل، فكيف في الحرب مع الولايات المتّحدة؟!
إيران الاعتقاد والانتصاريّة مصرّة على الغدر والتوثّب، وقد فعلت ذلك من قبلُ مراراً. أَوَلم يرَ العرب والعالم بأيّ عنفٍ قصفت إيران دول الخليج، وبعد وقف النار جاءت الميليشيات العراقيّة لتكمل المهمّة. هل هو اعتقادٌ أو استعلاءٌ ووبشيّة؟
بالطبع لا تريد دول الخليج مقاتلة إيران بمفردها. إنّما ما دام ترامب يستشيرهم فلا بدّ من ضماناتٍ للجهتين: فتح هرمز، والتوقّف عن الاعتداءات المباشرة أو بواسطة الأذرُع.
لا وقف للحرب في لبنان
قد تستفيد المنطقة بالضمانات من وقف إطلاق النار. لكنّ لبنان لن يستفيد لأنّ إسرائيل ستستمرّ في ضرباتها بحجّة منع “الحزب” من العودة للاستعداد، ومن العودة لقصف قرى الشمال الإسرائيليّ.
زادت الحرب التي بدأتها “حماس” و”الحزب” (2023) من المصائب على المنطقة، ولن يجعل وقف إطلاق النار المؤقّت المنطقة أكثر أمناً. ستظلّ النزعات المهدويّة والانتصاريّة الإيرانيّة وانتصارات الأذرع بلاءً أعظم على دول المنطقة ومجتمعاتها. هي فساد وفتنة وداء لا يمكن الخروج منها بسهولة، كما لم يمكن الخروج من الاستيلاء الإسرائيليّ.
في عام 1967 ثمّ عام 1973 اعتبر النظام الأسديّ بسورية أنّه انتصر على الرغم من احتلال إسرائيل للجولان وجوارها، باعتبار أنّ النظام الثوريّ الأسديّ استمرّ ولم يسقط ودام قرابة خمسين عاماً دون تحرير شبر مع نشر الفتنة في لبنان وإغراقه للدولة وتوريث “الحزب” وإيران. الويل لنا وللعالم الآن، فالنظام الخمينيّ ما سقط على الرغم من دمار البلاد بالكامل، وما بقي عندها غير اليورانيوم المدفون ورهن مضيق هرمز. لكن لأنّه لم يسقط فهذا يعني عنده وعندهم أنّه انتصر، وما دام قد انتصر فلن يهدأ وسيصرُّ على استمرار استهداف العرب حتّى أو بخاصّةٍ إذا تسالَمَ مع أميركا. فلا حول ولا قوّة إلّا بالله.
