-
المصدر ..الجمهورية.نت
-
-
-
في 13 تموز (يوليو) 2025، دخلت محافظة السويداء في مسار قاد إلى واحدة من أعنف موجات العنف في تاريخها الحديث وتحوّلت قضيتها إلى أزمة وطنية كبرى. جاء ذلك بعد أشهر طويلة من الاستعصاء السياسي، حيث كانت السلطة المحلية الناشئة في السويداء، بزعامة الشيخ حكمت الهجري، تطلب ترتيبات وضمانات سياسية قبل دخول قوات السلطة المركزية إلى المحافظة وتسليم سلاح الفصائل الدرزية، في مقابل إصرار السلطة المركزية على دخول قواتها إلى المحافظة بموجب ترتيبات أمنية فقط.
وقد نصَّ اتفاقٌ في 1 أيار (مايو) 2025 بين وجهاء السويداء والسلطة المركزية على أن تتكفل الأخيرة بتأمين طريق دمشق–السويداء، الذي كان يشهد حوادث سلب وخطف متكررة، وأن يبدأ العمل على تفعيل قوى الأمن الداخلي في السويداء من أبناء المحافظة. لكن الاتفاق لم يُنفَّذ، وتكررت الحوادث على الطريق.
قدّمت السلطة المركزية في أوائل حزيران (يونيو)، مشروع اتفاق أمني يقوم على نشر 2500 عنصر من قواتها داخل المحافظة، ونشر قوات تابعة لها على الأطراف لمنع اعتداءات المسلحين العشائريين. وقد رفضت الفصائل الدرزية جميعها هذا الاتفاق، وكذلك رفضه مشايخ العقل، وعلى رأسهم الشيخ الهجري.
في يوم السبت 12 تموز (يوليو)، أوقفت مجموعة مسلحة شاحنة خضار لأحد تجار السويداء قرب خربة الشياب، وشتمت سائقها بألفاظ طائفية قبل الاستيلاء على الشاحنة وضربه وتركه على الطريق. بعد عودة السائق إلى السويداء، ردّ أقاربه بخطف عدد من أبناء العشائر البدوية في مدينة السويداء، فانزلقت الأحداث خلال ساعات إلى سلسلة من عمليات الخطف والخطف المضاد.
في يوم الأحد 13 تموز، اندلعت اشتباكات في حي المقوس بمدينة السويداء بين مقاتلين دروز ومقاتلين من العشائر البدوية المقيمة في الحي، ما أسفر عن قتلى ومصابين من الجانبين. كما اندلعت اشتباكات متقطعة في بعض قرى ريف المحافظة الغربي. ثم نجحت وساطات محلية في التوصل إلى اتفاق تهدئة وتبادل أسرى في اليوم نفسه.
في فجر يوم 14 تموز، أبلغت السلطة المركزية مشايخ العقل أنها تحشد لعملية عسكرية «لفرض الأمن» في السويداء عبر طريق دمشق الذي يخترق ريفَ المحافظة الشمالي. وأصدر الشيخ الهجري بياناً رحّبَ فيه بدخول قوات وزارتَي الداخلية والدفاع، داعياً الفصائل الدرزية إلى عدم المقاومة.
مع حلول فجر 15 تموز، تبيّنَ أن قوات السلطة تقدَّمت عبر الريف الغربي أيضاً، وليس الشمالي فقط، تُرافقها مجموعات عشائرية كان يُفترَض أصلاً أن القوات دخلت لفضّ الاشتباكات بينها وبين الفصائل الدرزية.
بدأت تتوالى الأخبار والفيديوهات عن جرائم مروعة ارتكبها خليط القوات المُتقدِّمة في الريف الغربي، ثم في الأطراف الشمالية الغربية لمدينة السويداء، شملت أعمال قتل طائفي ونهب وحرق للمنازل. وفي ظهيرة اليوم نفسه، خرج الشيخ الهجري في بيان جديد يتراجع فيه عن بيانه السابق، ويصفه بأنه «بيان مُذل»، مُعتبِراً أن ما يجري هو «حرب إبادة شاملة»، داعياً إلى مقاومة القوات المهاجمة.
خلال هذه الأيام، تكرّرت محاولات محلية لوقف الاشتباكات، لكنها لم تنجح في تثبيت تهدئة شاملة، وظل إطلاق النار والاشتباكات المتقطعة مستمراً في عدد من القرى والبلدات حتى بعد الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار. ومع تصاعد العنف وامتداده إلى عشرات القرى، بما فيها قرى تعرّضت للحرق والتدمير شبه الكامل، توالت المجازر التي ستوثّقها لاحقاً تقارير لجنة التحقيق الأممية والجهات الحقوقية، بوصفها نتيجة مباشرة لهذا المسار من الاقتحامات والاشتباكات بين قوات السلطة والفصائل الدرزية والمجموعات العشائرية المسلحة.
واستمرت أعمال القتل الطائفي طوال يومي 15 و16 تموز، وتواصلت المعارك في أحياء داخل المدينة وفي قرى وبلدات في الريفين الغربي والشمالي. حتى نفّذت طائرات حربية إسرائيلية ضربات ضد قوات السلطة ومواقع تابعة لها، كان أبرزها استهداف مجمع الأركان العامة في دمشق في 16 تموز بالتزامن مع ضربات أخرى استهدفت مواقع تابعة لقوات السلطة في محيط السويداء وعلى طريق دمشق–السويداء. وقد أعقب ذلك بدء انسحاب قوات السلطة من مدينة السويداء.
عقب بدء انسحاب قوات الجيش والأمن انتشرت فصائل محلية درزية في المدينة وبعض قرى الريف، ونفّذت مجموعات منها هجمات على مناطق وأحياء مأهولة بعشائر بدوية وارتكبت أعمال قتل فيها، ما أدى إلى موجة تهجير قسري للعائلات البدوية من قرى وبلدات وأحياء مثل المقوس وشهبا وسهوة بلاطة والكفر والثعلة وغيرها عبر باصات أمَّنتها ورافقتها قوات السلطة قبل اكتمال انسحابها.
بين 17 و19 تموز، وبعد انسحاب قوات وزارتَي الدفاع والداخلية من السويداء، بدأت موجة ثالثة من العنف نفّذتها فزعات عشائرية واسعة من المقاتلين باتجاه القرى الدرزية في الريفين الغربي والشمالي، وشملت هجمات واقتحامات ونهباً وحرقاً للمنازل، وانتهت بتدمير شبه كامل لعشرات القرى.
وثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة مقتل 1707 أشخاص خلال أحداث تموز (يوليو) 2025 في السويداء، في الفترة بين 14 و19 تموز، وغالبيتهم من المدنيين، ولا تختلف أرقام لجنة التحقيق الوطنية التي شكّلتها السلطة كثيراً عن هذه الحصيلة فقد أعلنت أن عدد ضحايا أحداث السويداء من جميع الأطراف بلغ 1760 قتيلاً، وأن عدد المصابين بلغ 2188 شخصاً، من دون نشر توزيع تفصيلي كامل للفئات الاجتماعية المتضررة.
أمّا توزيع الضحايا بحسب تقرير لجنة التحقيق الأممية، فيُظهر حجم الكلفة البشرية على كلّ من المجتمعات الدرزية والبدوية والعناصر الحكومية: قُتل 1342 شخصاً من الدروز، معظمهم من المدنيين أو من الأفراد الذين لم يشاركوا وقتها في الأعمال العدائية. ويتوزّعون كما يلي: 1190 رجلاً، و99 امرأة، و22 فتى، و31 فتاة. فيما قُتل 70 شخصاً من المجتمع البدوي المحلي، معظمهم أيضاً من المدنيين أو من أشخاص لم يكونوا يشاركون في الأعمال العدائية وقت وقوع الهجمات، بينهم 53 رجلاً، و9 نساء، و5 فتيان، و3 فتيات.
أمّا من العناصر الحكومية ومقاتلي العشائر فقد قُتل 225 عنصراً من قوات السلطة السورية، كثير منهم في الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع حكومية في السويداء وعلى أطراف دمشق بين 14 و16 تموز (يوليو). ولا يقدّم التقرير الأممي رقماً مفصلاً لمقاتلي العشائر، لكنه يلمّح إلى أن الفارق بين الحصيلة الإجمالية وتوزيع الضحايا المذكور يترك نحو 40 قتيلاً إضافياً يمكن إدراجهم، بتحفّظ، ضمن فئة مقاتلي العشائر وغيرهم ممن لم يُذكر لهم توزيع مستقل.
في حين لا يُورد تقرير لجنة التحقيق الأممية رقماً واحداً جامعاً للمصابين كما يفعل مع القتلى والنازحين، ويكتفي بالإشارة إلى «مئات الجرحى» من جميع الأطراف، بينما أعلنت لجنة التحقيق الوطنية السورية أنها وثّقت إصابة 2188 شخصاً في تلك الأحداث، موزّعين بين الدروز والبدو والعناصر الحكومية، من دون نشر تفاصيل أكثر عن الفئات الاجتماعية لكل حالة.
تقديرات عدد المفقودين ما تزال تقريبية، وتعتمد على ما نُشر من خلاصة أعمال اللجان والتحقيقات الحقوقية؛ إذ يُرجَّح أن يكون نحو مئة شخص من المجتمع الدرزي في عداد المفقودين، إلى جانب قرابة عشرين مفقوداً من المجتمع البدوي، وحوالي ثلاثين مفقوداً من عناصر وزارتي الدفاع والداخلية. كما اعترفت السلطة السورية باحتجاز 25 درزياً، على أن يُفرج عنهم في إطار ترتيبات تبادل محتملة مع محتجزين لدى المجموعات الدرزية المسلحة.
أمّا النزوح والتهجير، فيُظهر حجم الكارثة على مستوى السكان؛ فقد اضطر قرابة مئتي ألف شخص إلى النزوح خلال تموز (يوليو) 2025، غالبيتهم العظمى من الدروز، وبقي نحو 155 ألفاً منهم في حالة تهجير بعد ثمانية أشهر عند صدور تقرير اللجنة الأممية، من دون مؤشرات مستقلة إلى تغيّر جوهري في هذه الأعداد لاحقاً، ما يرجّح استمرار واقع التهجير على حاله. وبحسب أحد العاملين في مجال الإغاثة في بلدة السيدة زينب، يبلغ عدد المهجّرين البدو المقيمين هناك 5598 شخصاً موزّعين على 23 فندقاً، إضافة إلى نحو 350 شخصاً يقيمون خارج الفنادق في منازل ومراكز إيواء بديلة، فيما يُقدَّر عدد المهجّرين من الدروز في السويداء بنحو 142 ألفاً، موزعين بين مراكز الإيواء ومنازل خاصة.
وعلى مستوى الجغرافيا المدمَّرة، يُشير تقرير لجنة التحقيق الأممية إلى أن التعبئة العشائرية، التي قُدِّرت بنحو 80 ألف مقاتل، نفّذت هجمات واسعة على القرى الدرزية انتهت بحرق وتدمير شبه كامل لـ35 قرية. في المقابل، تذكر لجنة التحقيق الوطنية السورية أن 36 قرية تعرضت للحرق أو التخريب، بدرجات مختلفة بين الدمار شبه الكامل والضرر الجزئي في المنازل والبنى.
بعد مرور عام على تلك الأيام، تبدو السويداء اليوم محمولةً بأثقالها إلى الحاضر أكثر مما هي متروكةً في الماضي؛ فالضحايا لم يُنصَفوا، والمهجّرون لم يعودوا إلى قراهم، والقرى المحروقة ما تزال شاهدةً على موجات عنفٍ شاركت فيها السلطة والفصائل والعشائر، وتداخلت فيها الضربات الإسرائيلية مع صراعات الداخل السوري، في حين يترك غياب الخطوات الجديّة في ملف المحاسبة الأسئلة المفتوحة حول السلاح والأمن والعدالة بلا إجابة.
-