
نزيه الخياط*..المصدر: “النهار”
ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن قراءته بوصفه اتفاقاً نهائياً مكتمل العناصر، بل إطار تفاهم عام ينتظر اختباره خلال مهلة ستين يوماً ستُخصص لصوغ التفاصيل التنفيذية.
لكن أهمية هذا التطور لا تكمن في طبيعته القانونية أو التقنية، بل في كونه يعكس تحوّلاً أوسع في طريقة إدارة الصراع بين الطرفين، وربما في موقع الشرق الأوسط داخل النظام الدولي المقبل.
فالولايات المتحدة التي تتجه تدريجاً نحو تركيز استراتيجيتها في آسيا، تحتاج إلى تقليل استنزافها في الشرق الأوسط. وإيران، التي تواجه بدورها ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متراكمة، تحتاج إلى تخفيف تكلفة المواجهة المفتوحة.
وبين هذين المسارين، تتشكل محاولة جديدة للانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التوازن، من دون إلغاء التناقضات الأساسية بين الطرفين.
الشيطان يكمن في التفاصيل
رغم أهمية الإعلان عن الإطار العام، فإن المرحلة الحاسمة تبدأ الآن.
فالتجربة التفاوضية بين واشنطن وطهران تُظهر أن الاتفاق على المبادئ غالباً ما يكون أسهل بكثير من الاتفاق على آليات التنفيذ.
وخلال الستين يوماً المقبلة ستبرز ملفات شديدة الحساسية: البرنامج النووي، نسب التخصيب، آليات التفتيش، العقوبات، والضمانات المتبادلة، إضافة إلى ملف النفوذ الإقليمي الذي يمثل العقدة الأكثر تعقيداً.
وفي هذه المرحلة لن يكون التفاوض ثنائياً فقط، بل سيتحول إلى ساحة ضغط متعددة الطرف. فإسرائيل، وبعض القوى داخل الولايات المتحدة، وأطراف داخل إيران نفسها، ستسعى جميعها إلى التأثير على مسار التفاصيل.
ولهذا، فإن النجاح الحقيقي لا يُقاس بإعلان الإطار، بل بقدرة الأطراف على عبور هذه المرحلة الرمادية التي تفصل السياسة عن التنفيذ.
أمن خليجي جديد أم مرحلة إعادة تموضع؟
أي تحول في العلاقة الأميركية–الإيرانية سينعكس مباشرة على البنية الأمنية في الخليج العربي، لكن هذا الانعكاس لا يعني انتقالاً خطياً من التوتر إلى الاستقرار، بل إعادة تركيب لمنظومة ردع متعددة المستوى.
فالنظام الأمني الذي تشكل خلال العقود الماضية لم يكن قائماً على مظلة واحدة، بل على تداخل ثلاث طبقات من الردع: ردع دولي تقوده الولايات المتحدة، وردع إقليمي تشارك فيه قوى إقليمية فاعلة، وردع وطني تقوم عليه قدرات الدفاع الذاتي للدول الخليجية.
وهذا التكوين لا يختفي، سواء نجح التفاهم الأميركي–الإيراني أو تعثر. بل على العكس، قد يعاد ضبطه وفق شروط اللحظة الجديدة.
ففي حال التوصل إلى اتفاق نهائي، ستتحول وظيفة الردع من إدارة تهديد مفتوح إلى ضبط سلوك إقليمي ضمن قواعد أكثر استقراراً، بما يسمح بتخفيف منسوب التصعيد وإعادة توزيع الموارد نحو التنمية والاستثمار.
أما في حال فشل المسار التفاوضي وعودة التوتر، فإن منظومة الردع نفسها ستبقى قائمة، لكنها ستعمل ضمن بيئةٍ أكثر حساسية وتعقيداً، بحيث تصبح إدارة التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة هي الوظيفة الأساسية.
وبين هذين الاحتمالين، لا يتغير جوهر المعادلة الأمنية في الخليج بقدر ما تتغير طريقة تشغيلها وحدود تفعيلها، وفق ميزان القوى الإقليمي والدولي في تلك المرحلة.
هل تقود الممرات إلى الاستقرار؟
يترافق التحول الجيوسياسي مع تحولٍ أعمق في طبيعة المنطقة نفسها.
فالشرق الأوسط لم يعد يُقاس بوزنه العسكري أو بموقعه في الصراعات فحسب، بل بشكل متزايد بدوره في شبكات التجارة العالمية وممرات الطاقة. الممرات التي تربط آسيا بالخليج العربي وصولاً إلى أوروبا لم تعد مشاريع اقتصادية فحسب، بل أصبحت عناصر في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية.
وفي هذا السياق، تكتسب مشاريع الربط الإقليمي أهميةً متزايدة، ليس فقط بوصفها مشاريع اقتصادية، بل باعتبارها أدوات لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.
فالممرات الاقتصادية تحتاج إلى بيئة مستقرة، والاستثمارات الكبرى تحتاج إلى توقعات أمنية قابلة للحساب، وشبكات التجارة العالمية تحتاج إلى ممرات آمنة ومفتوحة. وهكذا يتحول الشرق الأوسط تدريجاً من ساحة صراع إلى عقدة اتصال اقتصادي عالمي، أو على الأقل إلى ساحة تنازع بين منطق الصراع ومنطق الممرات.
واشنطن وبكين إلى أين؟
لا يمكن فصل هذا التحول عن التنافس الأميركي–الصيني المتصاعد.
فالولايات المتحدة تنظر إلى آسيا بوصفها مركز الثقل الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين، وتسعى إلى تقليل انشغالها في الساحات الثانوية.
في المقابل، تعتمد الصين بصورة جوهرية على استقرار الشرق الأوسط لضمان أمن الطاقة وسلاسل التجارة المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”.
وبهذا المعنى، فإن استقرار المنطقة لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلات التنافس الدولي الكبرى. فواشنطن تحتاج إلى شرق أوسط أقل اضطراباً، وبكين تحتاج إلى شرق أوسط أكثر استقراراً. وبين هذين المنظورين تتشكل أهمية أي تفاهم يمكن أن يحد من احتمالات الانفجار الإقليمي.
شرق أوسط جديد أم مرحلة انتقال؟
رغم كل هذه التحولات، يبقى من المبكر الحديث عن ولادة شرق أوسط جديد أو نهاية مرحلة تاريخية كاملة. فما زال إطار التفاهم في مراحله الأولى، وما زالت التفاصيل التي ستُناقش خلال الستين يوماً المقبلة قادرة على تغيير المسار بالكامل، سواء نحو اتفاق نهائي أم نحو تعثر جديد.
لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية نادرة، إذ تتقاطع التحولات الإقليمية مع إعادة توزيع الأولويات الدولية. فإذا نجحت هذه العملية في عبور اختبار التفاصيل، فقد يتجه الشرق الأوسط تدريجاً نحو نموذج أكثر استقراراً، فتتراجع الحروب بالوكالة لمصلحة التنافس المنضبط والممرات الاقتصادية. أما إذا تعثرت، فقد تعود المنطقة إلى دوامة التوترات التقليدية، ولكن ضمن سياقٍ دولي أكثر تعقيداً.
وفي كلتا الحالتين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام بداية إعادة هندسة الشرق الأوسط… أم هدنة في صراع لم يُحسم؟
*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية