في متابعة سريعة لشارات المسلسلات التلفزيونية السورية، يظهر العديد من التسميات لفعل الكتابة. نقرأ توصيفات مثل: (فكرة، تأليف، سيناريو وحوار، معالجة درامية، Script Doctor، متابعة درامية…إلخ) وغيرها من المسميات التي تتصل بفعل الكتابة وبناء الدراما. سابقاً كان التوصيف أكثر وضوحاً واختصاراً، تأليف فلان، وإخراج فلان، أمًا اليوم يبدو موضوع التسميات متعدداً ومتشعباً، وفي بعض الأحيان يبدو فوضوياً، تحديداً حينما تختلف أسماء الكتاب ومسمياتهم، أو حينما يكتفي صنّاع العمل بتوصيف (ورشة كتابة) ما يخلق سؤال عند المشاهد مفاده (مَن كتب نص المسلسل؟) وما الفرق بين التأليف والكتابة؟ وبين صاحب الفكرة وصاحب السيناريو والحوار، وبين التأليف الفردي من قبل كاتب، وبين التأليف الجماعي الذي يندرج تحت مسمى ورشة الكتابة؟

مهرب من سلطة المؤلف؟

واحدة من أهم الشراكات في الكتابة الدرامية التلفزيونية هي شراكة الكاتب الراحل حسن سامي يوسف مع السيناريست نجيب نصير، التي قدّمت للتلفزيون السوري عشرات النصوص الدرامية المتينة التي تحمل قول درامي ساهم في إغناء المشهد الدرامي التلفزيوني وتطوره. قامت هذه الشراكة على بيئة عمل صحيّة بين الكاتبين، قسّمت العمل بينهما بوضوح وتكامل، لذلك استطاعا تقديم نصوص جيدة، بمعنى أن بيئة الكتابة الصحية، والعمل الكتابي المشترك هما الأساس في توليد نصوص درامية جيدة، وهي الأساس الذي يقوم عليه عمل ما يُسمّى بـ«ورشة الكتابة».

التأليف في التلفزيون نوعان: تأليف فردي يقوم به مؤلف واحد بكتابة المسلسل كاملاً، انطلاقاً من بناء الحكاية وصولاً إلى السيناريو والحوار. أو تأليف جماعي، كالثنائيات وورشات الكتابة الجماعية، التي تعمل ضمن آلية العمل الجماعي، بحيث يتقاسم الكتّاب مهام المؤلف الواحد، ففي ورشة تضم أربعة كتّاب مثلاً، يُمكن تقسيمها إلى مسؤول عن كتابة الحكاية، وآخر مسؤول عن السيناريو والحوار، وثالث يتابع الدراماتورجيا في النص، والأخير يلعب دور رئيس ورشة الكتابة (Head Writer)، حيث يُدير عمل الورشة، ويُحاول الاستفادة من ملكات كل كاتب في كتابة النص وتطويره، ما يُغني الكتابة وينوّع تقنياتها داخل النص الواحد، لكن هل تجري الأمور على هذا النحو في ورشات الكتابة في الدراما التلفزيونية السورية؟

حتى اليوم، لم تُقدَّم ورشة كتابة تلفزيونية سورية على شاكلة ورشات الكتابة الاحترافية، حيث المهمات واضحة والوظائف دقيقة ومُحدَّدة، كما لم تستمر أي ورشة كتابة في إنتاج أكثر من عمل واحد، ولم يُؤَسّس أي كيان أو تجمّع لمجموعة كتّاب يُقدِّم نفسه على أنه ورشة لكتابة السيناريو، وبقيت تجربة الكتابة الجماعية إقرب إلى حلول إسعافية تُعتَمد قبل بداية الموسم الرمضاني. ورغم كتابة نصوص كثيرة تحت مسمَّى «ورشة كتابة» لم تُقدَّم بَعدُ تجربة ورشة كتابة احترافية في سوريا، مثلما حصل في مصر مثلاً، التي قدّمت واحدة من أهم ورشات السيناريو العربية، وهي ورشة «سرد» بإدارة السيناريست مريم نعوم، صاحبة نصوص درامية مؤثرة مثل: ذات، سجن النسا، الهرشة السابعة… تقول نعوم، في مقابلة لها مؤخراً مع بودكاست السيناريست، إن على السيناريست الذي يريد العمل ضمن ورشة كتابة أن «يُحيّد الإيغو، وعلى جميع المشاركين الالتزام بذلك، فإن حيّد أحدهم الإيغو ‘الأنا’ خاصته بينما الآخر رفض لن تُنتِج الورشة نصاً مكتوباً بطريقة جماعية وتشاركية، فلا يُمكِن لكاتب ما مشارك بورشة كتابة أن يقول: ‘أنا’ كتبت ذلك، وهذه فكرتي ومشهدي؛ بل عليه أن يقول دائماً، ‘نحن’، فكرتنا، ومشهدنا».

ملاحظة نعوم السابقة هي الأساس في عمل أي ورشة كتابة واستمرارها، فالكتابة الجماعية بحاجة إلى تحييد الأنا، والإصغاء إلى الآخر ومحاولة البناء على أفكاره. ومن دون ذلك، تستحيل الورشة إلى فوضى وصراع، وبدلاً من أن تُنتِج نصاً متيناً، تراها تُنتِج نصوصاً ممسوخة صُنِعت بمزاج موتور وبيئة كتابة سامة. تلك هي محاذير عمل ورشات الكتابة التي يجب أن تحذرها أي عملية كتابة جماعية. وإذا أردنا في الدراما السورية العمل بمنطق ورشات الكتابة، فيجب أن يعلم القائمون على الصناعة، أن خياراً كهذا ينطوي على حساسية عالية، تبدأ باختيار الكتّاب المشاركين ومدى تناغمهم وانسجامهم، واختيار المشرف على الورشة (Head Writer) ومنحه الصلاحيات اللازمة، وتنتهي بتوفير جو صحي ومناخ احترافي للكتابة، لا يتدخل فيه القاصي والداني في العمل التلفزيوني. دون ذلك، يُفضّل للصنّاع، منتجين ومخرجين، التوجّه إلى كاتب فرد، وعدم الهروب من سلطة الكاتب أو اسمه عبر اللجوء إلى ورشات كتّاب تتحرك كالدمى (الماريونيت)، وتكتب كما يريد الصانع لا كما يرى الكتّاب.

دراماتورج، معالج درامي، أم سكريبت دكتور « Script Doctor»؟

كلُّ التوصيفات السابقة تصب في مصب واحد، وهو دراماتورجيا النص. قد يظن البعض أن الدراماتورجيا عملية خاصة بالمسرح والعملية المسرحية، إلا أن ذلك يشوبه عدم الدقة، فرغم عدم وجود توصيف دراماتورج في السينما والتلفزيون، إلا أن العملية الدراماتورجية قائمة فيهما، ولا يُمكِن لأيِّ دراما أن تُبنى أو تسير في خطوطها المختلفة من دون أن تخضع لعملية الدراماتورجيا، وهي إذا أردنا اختصار المفهوم قدر الإمكان، فيمكن تعريفها بأنها متابعة سير الدراما في الحكاية، وكيفية نشوئها وتصاعدها، ومدى منطقيتها واتساقها مع فكرة النص، والإجابة عن أسئلة المعنى والسياق اللذين تطرحهما الدراما وتحاكيهما. لذلك، لا يُمكِن للدراما التلفزيونية أن تُنتَج وتُكتَب من دون عملية دراماتورجية، سواء جرت هذه العملية بين المؤلف والمخرج، أو داخل ورشة الكتابة، أو كانت مهمة مستقلة تحت مُسمّى آخر.

في المسرح، يكون المسمّى واضحاً، دراماتورج، وهو الشخص الذي يتابع سير الدراما ويضبطها، ويراقب اتساق الحكاية وتكاملها. أمّا في التلفزيون فقد استقر العرف على مسمّى «المعالج الدرامي». وهو المسؤول عن متابعة النص ومعالجة المشاكل الدرامية التي يُشير إليها المخرج. وغالباً ما يحضر المعالج الدرامي عندما يحتوي النص على بعض المشكلات، أو عندما يكون كاتبه جديداً أو من الكتّاب ناشئين. ولذلك، ينبغي لمن يلعب دور المعالج الدرامي أن يكون كاتبة أو كاتباً مخضرماً، وسيناريستاً خبيراً يعرف فنون كتابة السيناريو، والبناء الدرامي، وجُبلة الشخصيات، وكتابة الحكاية التلفزيونية. فالمعرفة هنا لازمة، لأنها الأساس في ما يُمكن أن نسميه «التقويم الدرامي». وعلى من يريد أن يؤدي هذا الدور أن يكون خبيراً وكاتباً، أو أستاذاً في كتابة السيناريو، لا أن يكون المعالج الدرامي بخبرة أقل من الكاتب، أو أن يُستعان بكاتب شاب بوصفه معالجاً درامياً لنص كتبه مؤلف مخضرم.

ما يحصل اليوم في الدراما السورية مختلف عن ذلك، فتحت مُسمّى (Script Doctor) نشهد أسماءً ناشئة وكتّاباً جدداً يعملون معالجين دراميين لنصوص مختلفة. بل قد يصل الخلل أحياناً إلى أن يعمل كاتب مستجد، يفتقر إلى الخبرة الكافية، كمعالجٍ دراميٍّ لكاتب مخضرم وخبير، تحت مسمّيات وتوصيفات مائعة. وفي حالات أخرى، قد نجد توصيف (Script Doctor) يَرِد مع اسم المؤلف في ملخص مسلسل قبل أن تبدأ كتابته أصلاً، وكأن وجود (Script Doctor) قرار سابق على الكتابة، وهو عكس ذلك، فلا يُمكن الاستعانة مع معالج درامي أو دراماتورج لمسلسل غير مكتوب أصلاً. وبطريقة أبسط وأوضح: لا يُمكن الطلب من  ميكانيكي إصلاح سيارة لم تُصنع أساساً!

السيناريو خلف الأبواب المغلقة؟

لكل شركة إنتاج، ولكل قناة ناقلة، لجنة قراءة تطَّلع على نصوص المسلسلات المطروحة. وتتكوّن هذه اللجان من مجموعة من الكتّاب والسيناريستيين وأحياناً من المخرجين، يشاركون في قراءة النص ووضع الملاحظات عليه. وهذه القراءة لازمة في صناعة العمل الدرامي التلفزيوني اليوم، سواء من قبل شركات الإنتاج قبل شراء النص، أو من قبل القنوات الناقلة أثناء كتابته. وهي عملية ضرورية لاختيار المسلسل المناسب للإنتاج والعرض، ويختلف أعضاؤها وعددهم واختصاصهم باختلاف طبيعة شركة الإنتاج والقناة، لكن في الحالتين، هناك عُرف ملفت تتبعه الشركات والقنوات وهو إغفال أسماء القراء، وعدم ظهورها لاحقاً على الشارة، وقد يصل التعتيم على الأسماء إلى درجة أن الكاتب نفسه لا يعلم من يقرأ نصه ومن يضع الملاحظات التي تصله، ما يوحي بأنه نصه ذهب ما وراء الأبواب الموصدة.

خلف هذه الأبواب المقفلة، تجري واحدة من عمليات التنقيح والتعديل الأساسية في الصناعة الدرامية التلفزيونية، وتختلف هذه الحالة بين صناعة درامية وأخرى، حسب الاحترافية والإنتاج وحركة الحقل، لكنها واحدة في جميع الحالات. في حالتنا السورية، فإن الآلية ذاتها تتطبق، لكنها ليست بنفس السرية دائماً، على سبيل المثال، قد يلعب كاتب أو كاتبة ما دور القارئ مع شركة معينة، ثم يظهر اسمه لاحقاً على الشارة كمعالج درامي للمسلسل، علماً أنه لم يقم بهذا الدور، ولم يعمل على تعديل النص ومعالجة مشاكله، هو مجرد قارئ وضع بعض الملاحظات هنا وهناك بما يتناسب مع سياسة الشركة أو القناة. وأحياناً يحدث العكس، كأن تعيد لجنة القراءة، أو أحد عناصرها، كتابة أجزاء من النص، دون أن يظهر اسم الفاعل، وهذا ما يندرج تحت مسمى الكاتب الشبح (Ghost Writer) الذي يُعدّل في الخفاء، وقد يُعيد كتابة خطوط كاملة في النص دون أن يظهر اسمه على الشارة. وفي كل الأحوال، يتقارب عمل لجنة القراءة هذه مع عمل اللجان الرقابية، إذ تعمل ضمن محددات ومحاذير تختلف باختلاف سياسات القناة أو شركة الإنتاج. ويكون هدفها، قبل المعالجة الدرامية، هو رقابة النص الدرامي المّقدم وفحصه ضمن المعايير والأصول والخطوط الحمراء التي يضعها المنتج أو القناة الناقلة.

شارات المسلسل السوري فوضوية، والتوصيفات فيها ليست واضحة أو دقيقة، وتختلف بين عمل وآخر وبين مخرج وآخر، وتدخل فيها حسابات المنتج والممثل، ولطالما شهدت الدراما التلفزيونية صراعات حول اسم من في البداية، وتبدلت عقود وتغيّر ممثلون تبعاً لما يُسمّى بمشاكل الشارات، إلا أن الجديد هو دخول الكتّاب على حقل مشاكل الشارات، وتقسيم التأليف التلفزيوني بين أكثر من مُسمّى، متناثرين على امتداد الشارة بين «فكرة» و«سيناريو وحوار» و«مشاركة في الكتابة» وغيرها من المسميات التي تظهر وكأنها هروب من السؤال الكبير مَن كتب المسلسل؟ من هو المؤلف؟