د. خالد السلطاني
معمار وأكاديمي… جريدة المدى
مرة، عندما نشرت في اذار 2018، <مقالا -تحية> الى المعمار الهندي المعروف «بالكرشنا دوشي» (1927 – 2023) Balkrishna Doshi بمناسبة منحه جائزة “يريتزكر” المعمارية المرموقة في نفس ذلك العام، تَعَمَّدَتْ ان أختار صورة له عند احد سلالم المجمع السكني الذي صممه لذوي الدخل المحدود، وهو جالس.. “حافي القدمين”؛ حاله حال اولئك الذين يشغلون “احياز” سكن تلك المجمعات المجاورة التى صممها! وبهذة الصورة المعبرة “اراد” المعمار ذو التوجهات المعمارية الانسانية، ان يُفصح ببساطة بكونه <رَايَة ضمن رايات المشهد الحضري>: «رَايَة» (من دون الف ولام التعريف)، تمثيلا وتشديداً لنزعة التماهي في تقديم نفسه مكافئاً وشبيهاً «بالآخرين» ومنتمياً اليهم؛ وليوضح بصراحة نوعية اهتماماته المهنية وان يكشف عن هدف “العمارة” التى يتعاطى معها ويبوح عن اهدافها. وأشرت في ذلك المقال بان هذا “الفوز” (الفوز بالجائزة) ذَكَّرَنا “.. بقيمة العمارة المحلية ، ومعنى الالتزام والواجب الاخلاقي الملقى على المهنيين في ادراكها والتعاطي معها اسلوباً و تَنَوُّعًا. اذ ان فوز «دوشي» بها، يحمل رسالة خاصة، مفادها من ان ثمة «مفهوماً» آخر، يمكن ان يكون عليه، ذلك المنجز الابداعي، الذي نسميه <عمارة>. فعمارة هذا الرجل المفعم بالحب الانساني، مثلما هي بعيدة عن البهرجة، فهي «ليست مهتمة كثيراً وراء صرعات الاساليب والطرز المتنوعة المتخم بها الخطاب المعماري المعاصر..». والحق، فان كثراً من معماريي شبه القارة الهندية وجوارها، ملتزمون بمثل هذة المقاربات المعمارية الاجتماعية، واجدين فيها غاية وهدف نشاطهم الابداعي. من هنا تغدو تلك المسالك المهنية الهندية، نبراساً وقنديلا يمكنهما ان ينيرا الطريق للكثيرين، وان يكونا درسا مهنيا قابلا للاحتذاء والتقليد. وقلت ايضاً ان اسلوب عمارة «دوشي» وغيره من المعماريين المهمين هو مثال ضمن امثلة كثيرة وهو ما كنت “.. انادي به طيلة سنين عديدة، من خلال دراسات ومقالات نشرتها في الميديا العربية، بضرورة واهمية التعرف والتعلم لما حققه “الآخر”: القريب والمجاور لجهة ايجاد حلول لمثل تلك المشاكل المزمنة التى تواجهها مجتمعاتنا، والتى يتتطلب حلها، فيما يتطلبـ المعرفة العميقة وادراك ما انجزه الآخرون ازاء تلك الاشكاليات المهنية والمعرفية”.
ومناسبة استحضار نوعية نهج عمارة “دوشي” ورفاقه هنا، تسوغه نِيَّة الحديث عن عمارة المعمارة «يَاسَمِين لَارِي” (1941) الباكستانية، هي التى جعلت من اسلوب عمارتها شأناً مهنياً مترعاً بالحس الانساني وطافحاً بالقيم الاجتماعية، اسلوب، يبقى وفق رؤيتهاـ يعمل كوسيلة من وسائل ايجاد حلول مقنعة للمشاكل التى يتعرض لها يوميا الناس الفقراء في مجتمعها!
ولدت المعمارة «يَاسَمِين لَارِي» عام 1941 ببلدة «ديرا غازي خان»، في الباكستان، وقضت سنوات طفولتها في لاهور وما حولها. كان والدها، ظفر الحسن، موظفًا في الخدمة المدنية الهندية، ويعمل في مشاريع تنموية كبرى في لاهور ومدن أخرى، مما أتاح لـ ” يَاسَمِين « فرصة التعرف على العمارة. وعندما بلغت الخامسة عشرة من عمرها، غادرت باكستان لأول مرة متجهةً إلى لندن مع عائلتها. كانت زيارتها في البداية لقضاء عطلة عائلية، لكنها وإخوتها التحقوا بمدرسة في لندن. حاولت الالتحاق بكلية العمارة، بعد أن أثار اهتمامها رؤية والدها يعمل في مشاريع تنموية ضمن وظيفته. اعترفت «لارِي» مرة، لمجلة محلية: «ذهبت لإجراء مقابلة للقبول في كلية العمارة وسألوني: ‹هل تجيدين الرسم يا آنسة؟› فأجبت بالنفي. فنصحوني: ‹من الأفضل أن تتعلمي الرسم أولًا في مدرسة فنية. درست «يَاسَمِين لَارِي» الفن لمدة عامين، قبل أن تحصل على شهادتها من كلية أكسفورد للتكنولوجيا، التي تُعرف الآن باسم كلية العمارة بجامعة أكسفورد بروك Oxford School of Architecture (التي كانت تُعرف سابقًا باسم جامعة أكسفورد بوليتكنيك)
بعد تخرجها عام 1964، عادت «يَاسَمِين لَارِي» إلى باكستان في سن الثالثة والعشرين برفقة زوجها، سهيل ظهير لاري، وافتتحت مكتبها المعماري “لاري وشركاؤها” في كراتشي، إقليم السند. وبذلك أصبحت <أول> مهندسة معمارية في باكستان. في البداية، واجهت صعوبات عندما شَكَّكَ العمال في مواقع البناء في سلطتها أو خبرتها بسبب جنسها الانثوي. بيد انها استطاعت ان تتلافى تلك المشاكل المهنية بذكاء ومواظبة مُسْتَمِرَّيْنِ، لتصبح لاحقاً واحدة من اهم المعماريين في باكستان باكمله.
استطاعت «يَاسَمِين لَارِي» ان تحدث <بصمة> واضحة في المشهد المعماري لبلدها وعلى الصعيد الدولي ايضاً، بفضل نهجها المبتكر والواعي اجتماعياً في العمارة وفيما حولها. فهي تراعي حضور خصوصية الثقافة المحلية وتأويلاتها المبدعة، وتتقصى الفرص المتاحة وتواجه التحديات المهنية لكل موقع معين. بدأت «يَاسَمِين لَارِي» بوقت مبكر دراسة المدن الباكستانية القديمة ولاسيما العمارة المحلية فيها وبالاخص الابنية الطينية، مما اشعل شغفها بالتراث المعماري والمعرفة بالتقنيات التقليدية لبلدها. وفي عام 1980 شاركت مع زوجها في تأسيس مؤسسة التراث الباكستاني، وكان لها دور محوري في صون التراث الثقافي الغني لبلدها.
بعد اكتمال اعمال معمارية هامة من قبل مكتبها الاستشاري وتنفيذ تلك التصاميم في المشهد المعماري الباكستاني مثل “مبنى شركة النفط الحكومية” عام 1984 في كراتشي، الذي أَعْتَبِر ايقونة معمارية للعاصمة وقتها، وبلغ ارتفاعه عشرة طوابق بمساحة تقدر بـ 51000 مترا مربعا . والمبنى يتكون من كتلتين لجناحين متصلين بردهة وسطية مركزية شاهقة وبارتفاع خمسة طوابق مغطاة بالزجاج العاكس. كما صمم مكتبها الحي السكني قي المركز التجاري والمالي (1983 – 1989) في كراتشي ، الذي تميز باستخدام مواد وتقنيات انشائية حدثية مع حرص المعمارة على تضمينه اساليب تبريد وتهوية تقليدية عملت على سهولة ادخال الهواء النقي الى الشبكة الواسعة من الافنية المتصلة، مما قلل الحاجة الى التبريد المكيف. وغيرها من المشاريع المهمة، فأنها دأبت في الوقت نفسه على ايجاد مفهوم جديد للعمارة يمكن بها تقديم حلول ناجعة للمشاكل الكبرى التى تواجه مجتمعها وخصوصا النساء منهم.
في عام 2000 تركت العمل المعماري وتقاعدت مكرسة نفسها ونشاطها في التصميم للحفاظ على التراث المعماري. وعندما ضرب زلزال مدمر باكستان سنة 2005، دفع «يَاسَمِين لَارِي» الى تسخير خبرتها لمساعدة المجتمعات المتضررة على إعادة بناء قراها باستخدام تقنينات ومواد محلية كالطين والحجارة والخشب. ولم يقتصر نشاط «يَاسَمِين « على تقديم حلول انشائية ومعمارية، وانما ساهمت ايضا مع فريق من المتطوعين الى تدريب وتعليم السكان المحليين بناء هياكل افضل واكثر اماناً. لم تكن المباني المشيدة وفق تصاميمها موفرة للتكاليف فحسب، بل كانت ايضاً صديقة للبيئة ومقاومة لزلازل والفيضانات. وبحلول عام 2014، تم بناء اكثر من 40000 ملجأ خالي من الكربون في المناطق المتضررة من الكوارث الطبيعية.
ولعل جهد “يَاسَمِين لَارِي” المميز، كما اراه، يكمن في الاهتمام والسعي لخلق بيئات صحية للنساء المهمشات في باكستان، واشير بصورة واضحة الى عملها الرائد والاستثنائي في اهميته وهو العمل على ايجاد تصميم ملائم لـ “موقد” (تنور) <تشولا، كما يدعى في الباكستان>. فمن المعروف ان طرق الطهي التقليدية في باكستان وفي جوارها يعتمد في الكثير منها على استخدام اللهب المكشوف والذي يكون غالباً في أماكن ضيقة، مما يعرض النساء المعيلات الرئيسيات لأسرهن لخطر الحروق والحرائق، فضلا على عن مشاكل تنفسية وهضمية خطيرة، نظراً لسهولة تلوث الطعام. واستجابة لتلافي تلك المشاكل، طورت “يَاسَمِين لَارِي” موقداً طينياً منخفض التكلفة، عديم الدخان، مصنوعاً من الطين والجص الجيري. ويتميز هذا الموقد المرتكز على قاعدة من الآجر اللين، بنوع من سهولة الاستخدام والتنفيذ، ويوفر بيئة صحية اكثر لتحضير الطعام، كما انه مقاوم للفيضانات علاوة على ذلك ، فانه يستهلك نصف كمية الوقود المعتادة. وتشير “يَاسَمِين” الى نتيجة أخرى غير متوقعة، فقد ساهمت القاعدة المرتفعة للموقد في رفع المكانة الاجتماعية وتعزيز ثقة النساء بأنفسهن . ومنذ سنة 2014 تم تشييد اكثر من 60 الف موقد، مما حسن حياة اكثر من 400 الف شخص.
نالت «يَاسَمِين لَارِي» جوائز مهنية عديدة سواء كانت ممنوحة من بلدها الباكستان او من خارجه، نظرا لانشطتها الثقافية وعملها الاستثنائي في مجال العمارة وتحديدا لجهة مقاربتها المهنية الخاصة المعروفة بـ “العمارة الاجتماعية البسيطة”، او كما تسميها «يَاسَمِين»: <العمارة حافية القدمين» Barefoot social architecture، التى يحتاجها المهمشون والفئات المهمشة، والتى تتطلب مزيدا من الجهد التصميمي لا العكس؛ لجهة اجتراح وسائط تعمل على تحقيق حياة افضل. وهي هنا تذكر بانها ” .. عملت سابقًا كمهندسة معمارية تجارية، والان تكرّس وقتها لتطوير مشاريع منخفضة الكربون، بما في ذلك مشاريع إسكان لضحايا الكوارث الطبيعية: “علينا التخلص من العقلية الاستعمارية السائدة والرغبة في إنشاء هياكل ضخمة مهيبة». وتتابع: “في المستقبل، يجب علينا جميعًا أن ندعم عمارة إنسانية شاملة، تُراعي الاعتبارات البيئية، وتُقلل من أثرها على كوكب الأرض، وتستجيب لاحتياجات الأغلبية».وتختتم قائلة: “أتمنى أن أرى نشاطًا جديدًا بين المعماريين». يدعم مثل هذة المقاربات”. ومن ضمن الجوائز والاوسمة التى نالتها المعمارة الباكسنانية “جائزة <نجمة الامتياز> «ستارة امتياز» Sitara -e- Imtiaz عام 2006، التى تعد واحدة من أرفع الأوسمة المدنية التي تمنحها حكومة باكستان، تقديراً لخدماتها في مجال العمارة وصون التراث في المواقع التاريخية. كما نالت في عام 2011جائزة “أول امرأة رائعة للعام” في باكستان. وقي عام 2016 حازت على جائزة “فوكوكا” للفنون والثقافة. كما نالت جائزة “جين درو” لعام 2020 المخصصة لرفع مكانة المرأة في مجال العمارة والتصميم. وفي عام 2021 منحتها “جامعة بوليتكنيكو دي ميلانو” الايطالية درجة الماجستير في العمارة. في عام 2022 عُينت أستاذة في كرسي السير “آرثر مارشال» للتصميم المستدام في قسم العمارة بجامعة كمبردج ؛ وفي ايار (مايو) 2023 حصلت على درجة الدكتوراه الفخرية في التصميم من جامعة أكسفورد بروكس حيث تخرجت منها عام 1964. كما نالت الميدالية الذهبية الملكية “ريبا”RIBA من المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين. وعند سماعها نبأ فوزها بتلك الميدالية الذهبية المرموقة، قالت «يَاسَمِين لَارِي»: <.. لقد فوجئت جداً بهذا الخبر، وبالطبع غمرني شعور بالسعادة والفخر. اذ اني لم اتخيل يوماً ما أنه بينما أركز اهتمامي على الفئات الاكثر تهميشاً في بلدي، وأخوض غمار مسارات غير مطروقة، قد أُرشح لنيل أرفع وسام مهني في العمارة. لقد بشر المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين ولجنة الجائزة بتوجه جديد للمهنة، مشجعين جميع المعماريين. على التركيز ليس فقط على الميسوريين، وأنما ايضاً على الانسانية جمعاء التى تعاني من التفاوتات والصراعات وتغيير المناخ”. وعندما ارادت احدى المنظمات الاسرائيلية في مايو 2025، ان تستثمر اسم «يَاسَمِين لَارِي» لصالحها ولاجل “تبيض” وجه الاحتلال، بان “تمنحها” <جائزة وولف للعمارة> Wolf Prize for architecture، سارعت المعمارة الباكستانية المشهورة والناشطة في المجال الانساني بعد يوم واحد من إعلان تلك المؤسسة عن اسمها ضمن الفائزين بجوائزها، أعلنت لاري رفضها للجائزة وردت قيمتها البالغة 100000 دولار ، في رسالة نشرتها على مواقع التواصل الاجتماعي. قائلةً: «نظراً للإبادة الجماعية المؤسفة المستمرة في غزة، لا أستطيع قبول هذة الجائزة … «. وكان موقفها هذا متوقعاً تماشياً مع تعاضدها مع المهمشين وقضاياهم العادلة، واتساقاً مع قيم نهجها الاسلوبي ومبادئ نشاطها المهني والاجتماعي.
تعكس اقوال المعمارة «يَاسَمِين لَارِي» واستشهاداتها المدونة عن نوعية تفكيرها وفي احوال كثيرة عن المبادئ والقيم التى تتمسك بهما، والتى وصلت اليهما بعد نتائج عمل مستمر ودائم وتفكير عميق. فاسلوب عمارتها كانت دوما تشي «بنقطة تقاطع» وتلاقي بين العمارة والعدالة الاجتماعية. وفي ادناه بعض من تلك الاقوال التى تظهر بوضوح فلسفتها التصميمية»
-»ليس هدف العمارة الاساسي يكمن في تشييد النصب، وأنما يتجسد في تحسين حياة البشر».
-»علينا أن نبني بما يملكه الناس، لا بما لا يستطيعون تحمّله».
-“العمل مع المجتمعات الفقيرة علّمني التواضع أكثر من أي مشروع فاخر.”
- “العمارة ليست ترفاً، بل مسؤولية اجتماعية”
- “إذا لم تُحسّن العمارة حياة الناس الأكثر هشاشة، فهي تفقد معناها.”
- ” أشعر أن أجمل المباني هي تلك التي تمنح الناس الكرامة، لا تلك التي تبهر الأثرياء.”
-“الفقراء لا يحتاجون إلى الصدقة، بل إلى المعرفة والأدوات التي تمكّنهم من البناء بأنفسهم”.