-
-
..علاء الدين العالم…. الجمهورية .نت
-
رغم الرحلة الطويلة التي خاضها السوريون في أصقاع الأرض، ورغم عشرات المقالات التي تناولت أمكنة ومدن زارها كتاب وأدباء سوريون، فأن ما يُسمى بـ «أدب الرحلات» لم ينشط في الأدب السوري. الأمثلة عنه نادرة جداً رغم نشاط هذا النوع الأدبي في الأوساط الثقافية العربية إلى اليوم، وتخصيص جوائز أدبية له كجائزة ابن بطوطة التي تكرّم كتب الرحلات المحققة منها والمكتوبة. في هذا السياق يأتي كتاب الظلال المتنقّلة… مع أسامة بن منقذ في تركيا للكاتب والقاص السوري عُدي الزعبي تحت عنوان أدب الرحلات – صادر عن دار مرفأ ودار خان الجنوب – كواحد من الأمثلة القليلة من أدب الرحلات السوري، يُدون فيه الزعبي رحلته إلى الجزيرة العليا في تركيا بحثاً عن أمير كان هناك قبل قرابة ألف عام.
سيراً خلف ظلال ابن منقذ
متتبعاً خطى الأمير والفارس والكاتب أسامة بن منقذ يتنقّل عدي الزعبي بين مدن حصن كيفا وميديات ونصيبين، وبالو وديار بكر ومعمورة العزيز، رحلة يخوضها الكاتب في الجزيرة العليا بعد «سنين طويلة متخمة بالتنقلات القلقة». يوازي الزعبي بين رحلة الأمير العربي قبل ألف عام، ورحلته اليوم، يقارب بينهما ويباعد ويجد نفسه، كما أسامة في حينها «أقف على مفترق طرق بعد انهيار الآمال في عالم لا يكترث بنا». لم تتطابق رحلة عدي مع رحلة سلفه، ولم يجمعهما المصير نفسه. ذاك المآل الذي كان يخشاه الزعبي، وهو ألا يعود إلى دمشق إلا ليدفن بها كما كان حال أسامة. سقط نظام الأسد، وعاد الزعبي إليها بعد شهرين، أصدر كتابه هذا مستهلاً إياه بالقول: «رجعت إلى دمشق بعد تحريرها، وفيها حررت الكتاب الذي يقوم بكليته على استحالة زيارتها».
غادر أسامة بن منقذ دمشق عام 1163م إلى حصن كيفا في أراضي الجزيرة العليا، استقر فيها عشر سنوات وألّف معظم كتبه، مبتعداً عن البلاد الشامية التي كانت تغلي بالحروب حينها، ومتنقلاً من دور الفارس الذي أجاده إلى دور الكاتب «الذي يعتزل الدنيا ليتأمل وحيداً معناها ومبناها» ويُقدم كتباً حاضرة إلى اليوم ككتابه الاعتبار وهو الوثيقة «الإسلامية الوحيدة من ذلك العصر عن العلاقات بين المسلمين والصليبيين» أو كتابه الشهير المنازل والديار. حينما زار الزعبي حصن كيفا لم يجد البلدة القديمة التي سكنها ابن منقذ فقد غرقت «عندما افتتح السد عام 2019، وترك الناس كل تاريخهم وتراثهم، وذكرياتهم، وأحزانهم، وكل ما يمكن أن يقودني إلى حياة أسامة فيها».
«ألا يفقد الناس أنفسهم في السفر؟ أم على العكس يجدونها؟» يسأل الزعبي هذا السؤال وهو يجوب مدينة ميديات، ثاني مدن رحلته إثر ابن منقذ، لكن فعلاً هل يفقد الناس أنفسهم في السفر أم يجدونها؟ هل فقد السوريون أنفسهم في أسفارهم، القسرية منها والطوعية، أم ربما وجدوها؟ هذا أحد أسئلة الكتاب الكبرى. في بداية حديثه عن رحلته إلى «نصيبين» المدينة الثالثة في الجولة، يقف الزعبي على حاجز تركي، يتساءل بعد أن يستذكر سورية المعسكرة «العسكر عسكر في كل زمان ومكان» لكنه يعود ليسأل «ما الذي يدفع كل هؤلاء الشباب إلى حمل السلاح؟». لا يوقفه الحاجز التركي، ولو أوقفه فجنسيته السويدية تخفف من وطأة هويته السورية. لم يعانِ ابن منقذ من الأوراق الرسمية وأثرها على وجوه العسكر، عاش في عالم أخفَّ وطأة من عالم الزعبي.
في محطته التالية، يتوقف الزعبي في رحلته عند ماردين، يتذوق قهوتها بأنواعها الخمسة، ويفصّل في وصف المدينة، لا في أوابدها ومعالمها التاريخية، بل في التفاصيل داخل حاراتها وأزقتها، تُعيد إليه ذكريات حي الأكراد في ركن الدين بدمشق الذي نشأ فيه، بازاراتها وأسواقها تماثل تلك الأسواق، وشبابها كشباب الركن (الحارة) يربون الحمام. يغادر الزعبي ماردين وهو يردد «خمسة أنواع من القهوة المحلية، لم تنجح أي منها في مداراة وحشتي الماردلية». يُعرج بعد ذلك على «دير الزعفران»، لا يجد تفسيراً للاسم، يدخل كنائسه ويتذكر أمه، وعلاقته بالكنيسة وهو تحت أسقف الدير الذي استفاض في وصف عمارته. يُنوّع الزعبي في بناء نصوص الرحلة، بين اليوميات والسرد الطويل، بين الشذرات والرسائل والملاحظات السريعة. يُحافظ على استخدام الاسم الأول لأسامة بن منقذ حين يذكره، وكأنه يخلق علاقة حميمية مع الاسم، وكأنه يتقفى خطى صاحب له لا باحث عنه. وذلك خفف من رسمية البحث العلمي، وبنى علاقة أدبية وشيجة بين فارس من القرن الثاني عشر وكاتب من القرن الحادي والعشرين.
بين ديار بكر وجرمانا
كدت أعتمد هذا العنوان عنواناً رئيسياً للمقال كاملاً، تراجعت حينما توقعت ردّ الفعل المتشنج على مقال نقدي يُعنى بأدب اختصاصي كأدب الرحلات، وكيف سيحظى فجأة بجمهور واسع من الشتّامين، سوف أُهاجَم ومعي الكاتب والمنصة في غمرة السعار الطائفي والإثني في سوريا اليوم. ستسيل «ديار بكر» لُعاب القوميين وستحرّض «جرمانا» غريزة الطائفيين، لكن ذلك ما حدث، نعم، حضرت ديار بكر بنص أدبي لكاتب سوري في جرمانا. المدينة التي اختارها الزعبي لتوقيع كتابه في دمشق نهاية العام الماضي بتنسيق من نادي سينما جرمانا بإدارة ناصر منذر، هذا النادي الذي تأسس عام 2019، وقدّم العديد من النشاطات الثقافية في المدينة.
توقيع الكتاب في جرمانا كان بمثابة فعل ثقافي خارج المركز الدمشقي المُشع بعد السقوط، وفي ذات الوقت جاء التوقيع والنقاش كفعل اجتماعي، تبعته جلسة سمر شملت سوريين متنوعين يستحيل اجتماعهم قبل عام هناك، في وقت كادت المدينة أن تدخل فيه دوام معركة طائفية قبل أشهر. المدينة التي احتوت الهامش في وقت الانفجار أصبحت هي نفسها مهددة بالانفجار، حمى المدينة فعلها الاجتماعي الدؤوب وناسها الطيبون المضيافون، وأصبحت هي ذاتها قابلة للوصف في كتاب أدب للرحلات، يذكرها كاتب ما بوصفها مدينة تكسر المركز وتخلط الطوائف في لحظة تاريخية مشتعلة وبأفعال ثقافية بسيطة، نادٍ سنمائي، عمل مسرحي، وتوقيع كتاب.
«كأن دمشق ستعيش حيواتها الأخرى في مدن أبعد، كأنها تكرر نفسها، بتنويعات محلية، كي يتشرب الكون معناها، كأنني أنا الهارب منها، ألتقيها في أماكن لا تتوقعها» بتلك كلمات يصف الزعبي شعوره وهو في مواجهة الجامع الأموي في ديار بكر. يطغى على وصف الزعبي هنا التوق إلى دمشق، بما هي حلم بعيد المنال، واستحضارها في قراءة (آمد/ديار بكر) التي شكّلت ذات يوم «مركزاً طرفياً صغيراً، أنيقاً، للحضارة الإسلامية». لم يكن يعلم عدي أن التاريخ سيقدم له فرصة قراءة هذه الكلمات بعد أشهر فقط من كتابتها، في دمشق، وفي جرمانا المدينة التي شكلت هي أيضاً مركزاً طرفياً ثقافياً صغيراً للفن والأدب السوري في سنين النار.
الوصفُ وتَدُ أدب الرحلات، مَن أجاده أصاب القارئ وأخذه من يده في الرحلة، ومن جَانَبه ضاع منه الأدب وبقيت الرحلة. جاء وصف الزعبي على امتداد الكتاب مكثفاً، لا يُثقل على القارئ بتفاصيل لا لزوم لها، وصف رشيق وانسيابي، لكنه أحياناً بخيل خشية الإطالة. وحدها ديار بكر من كان لها نصيب بوصف مفصّل. إذ يتوسع الزعبي في وصفها، لا يسترجع معها أسامة وحسب، بل يستحضر المعري أيضاً، وكيف بدأت حكاية كتابه الأشهر رسالة الغفران من ديار بكر. ويستذكر الزعبي أيضاً الخطاط الشهير حامد الآمدي، وكيف انهارت مهنته بعد تغيير الأبجدية في تركيا، ليعيش سنواته الأخيرة فقيراً مجهولاً، بعد أن كان معلّماً «تتلمذ على يديه أشهر الخطاطين العرب، واحتفظت متاحف دمشق والقاهرة وبغداد ببعض لوحاته». يكتب عدي اسم المدينة باللغتين، آمد/ الاسم السرياني للمدينة والذي يفضله الأكراد، وديار بكر، الاسم العربي الذي جاءَ مع السلطنة العثمانية. ويُشير إلى الإزاحة في الاسم التركي «بكير/ النحاس في التركية» مردداً قبل أن يغادرها «ربما سيأتي وقت نكتب فيه ما حصل، بكل اللغات».
هل دوّنَ السوريون رحلاتهم؟
في انفجار السوشيال ميديا ووسائل التواصل والستوري اليومية، لم يعد لأدب الرحلات هذا الأثر الآني الذي كان عليه سابقاً، وربما هذه الآنية التي خسرها هذا الجنس من الأدب، عوضها الكتّاب في المقالات تحت باب (الأمكنة/رحلات/أسفار) في الصحف والمواقع الإلكترونية. إلا إنّ كتاب الزعبي هذا، يُعيد إلى الأذهان أثر أدب الرحلات في التاريخ، فهو، حرفياً، يُسجل تدفُّق التاريخ عبر الجغرافيا في لحظة زمنية محددة، ويحفظها كوثيقة تاريخية أدبية نرى من خلالها مدينة ما في وقت ما من عيون شخص ما، ابن منقذ في القرن الثاني عشر، والزعبي في القرن الواحد والعشرين.
إضافة إلى ما سبق، فإن أدب الرحلات هو أكثر الأنواع الأدبية ذاتية، فهو ذات الكاتب توثق ما تراه. ورغم تصاعد الذاتية في الأدب السوري إبان الثورة، إلا أن هذه الذاتية لم تنتج أدب رحلات سوري، بقدر ما أنتجت شهادات شخصية قد يتغير قالب كتابتها لكنها تبقى شهادة شخصية لا أدبية. من هنا تأتي أهمية حضور أدب الرحلات في الأدب السوري المعاصر، لتوثيق اللحظة في الأوديسة السورية الطويلة ذات الأماكن المختلفة. بتجربة ذاتية ذات صبغة أدبية، يتنوع فيها السرد بين مستويات مختلفة، كالرسالة واليوميات والوصف والسرد، وذلك ما التقطه الزعبي في رحلته إلى الجزيرة، موثقاً رحلة سوري في تركيا خارج أطر المدن الكبرى. وفي لحظة زمانية لم يكن يعرف الزعبي أنها اللحظة الأخيرة قبل السقوط.
إنها ليست دعوة إلى كتابة أدب الرحلات السوري في وقت أصبح فيه أدب الرحلات على اليوتيوب، وأبدلت الثقافة العربية ابن عساكر وابن شهيد وابن بطوطة بـ (ابن حتوتة)، بل هو قراءة لتجربة أدبية قد تبدو متحفية للوهلة الأولى، ولا تثير شهية الناشرين إلا أنها – في حالتنا السورية – تجربة تستحق التأمل، ونوع أدبي يحفظ تقاطعات الأدب السوري مع المكان والزمان في لحظات التحول الكبرى التي نعيشها.
-
