مع استمرار الإدارة الفوضوية لحرب إيران، ومسار المفاوضات معها، من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وانكشاف هزالة إمكانات طاقم المستشارين والمساعدين المحيطين به، مدنيين وعسكريين، تتنامى المخاوف، في المنطقة والعالم، مما إذا كانت إدارة ترامب قد فتحت الباب واسعاً أمام طموحات إيران للسيطرة على مضيق هرمز، إن لم يكن الآن، فحتماً في أي فرصة مقبلة، وهو ما كانت لتخاطر به أي إدارة أميركية أخرى، بعدما ظل أمن النفط، وإمدادات الطاقة، ركناً أساسياً من أركان الاستراتيجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية. فرغم تنوّع التحدّيات، التي واجهتها واشنطن، وتغيرها عبر العقود، من مواجهة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، إلى الشيوعية في الحرب الباردة، وصولا إلى التنافس الاستراتيجي مع الصين، ظل أمن الطاقة الثابت الذي لا يتغيّر، عبر الزمن، في سياسة الولايات المتحدة، خصوصاً بعد إعلان “مبدأ كارتر”.
تم الإعلان عن مبدأ كارتر (نسبة إلى الرئيس الأميركي جيمي كارتر) في خطاب حال الاتحاد، في يناير/ كانون الثاني 1980، في خضم الأحداث التي شهدها العام السابق، وأبرزها سقوط نظام الشاه، ورفع شعار “تصدير الثورة” في إيران، ثم الغزو السوفييتي لأفغانستان، الذي وقع في ديسمبر/ كانون الأول 1979. نص مبدأ كارتر على أن “أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج (…) ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية، وسوف ندفَع مثل هذا الاعتداء بكل الوسائل اللازمة، بما في ذلك القوة العسكرية”. على الأثر، تم إنشاء قوات التدخل السريع (Rapid Deployment Force) بمهمة محدّدة، وهي التصدّي لأي قوة تحاول السيطرة على منطقة الخليج، أو تهديد إمدادات الطاقة، عبر إغلاق مضيق هرمز. وقد تحوّلت هذه القوة لاحقا إلى القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) المسؤولة عن أمن الخليج، وعموم منطقة الشرق الأوسط.
تمثل أول تطبيق عملي لمبدأ كارتر خلال الحرب العراقية- الإيرانية، عندما صارت السفن الحربية الأميركية ترافق ناقلات النفط لحمايتها من هجمات إيرانية محتملة. تطوّر هذا إلى مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، عندما زرعت الأولى ألغاماً في مضيق هرمز، ارتطم أحدها بسفينة أميركية. ردّت الولايات المتحدة بتدمير القدرات البحرية الإيرانية في إبريل/ نيسان 1988. لجأ الرئيس جورج بوش الأب أيضاً إلى تفعيل مبدأ كارتر عندما غزا العراق الكويت عام 1990، لمنع فرض سيطرته على “أكثر مما ينبغي” من احتياطات النفط في المنطقة، بحسب توصيف هنري كيسنجر.
مع انطلاق الحرب الحالية ضد إيران، وإغلاق مضيق هرمز، تبيّن (وكانت هذه مفاجأة الحرب الكبرى) افتقاد إدارة الرئيس ترامب أي خطة لإعادة فتح المضيق، حال إغلاقه، رغم أن الحديث عن هذه الاحتمالية، في دوائر السياسة والإعلام والأكاديميا الأميركية، مستمر منذ نحو نصف قرن. وقد بدا واضحاً، بحسب تقرير صحيفة نيويورك تايمز: “كيف أخذ ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران”، وتناول تفاصيل الاجتماع الذي عُقد في غرفة عمليات البيت الأبيض يوم 11 فبراير/ شباط الماضي، وهو للمفارقة اليوم الذي تحتفل فيه إيران بالذكرى السنوية لانتصار ثورتها، مدى استخفاف الرئيس ترامب باحتمال إغلاق المضيق، وقدرة إيران على فعل هذا، بناء على تقييماتٍ عرضها في أثناء الاجتماع كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ورئيس الموساد، ديفيد برنياع، أن النظام الإيراني سينهار بمجرّد تصفية قيادته السياسية والعسكرية والأمنية. لاحقاً، اعترف ترامب بأنه لم يتوقع إغلاق المضيق، ولا مسارعة إيران لضرب دول الخليج بمجرّد بدء الهجوم عليها.
في كل الأحول، ألحقت سياسات إدارة ترامب غير المسؤولة، وتعاطيها باستخفاف مع قرارات الحرب والسلم، والتفاوت الكبير، الذي كشفته الحرب مع إيران، بين الإمكانات العسكرية الهائلة للولايات المتحدة، في مقابل القدرات السياسية الهزيلة للطبقة الحاكمة في واشنطن، وانعدام أي أفقٍ للتفكير الاستراتيجي لديها، ومحاولتها التربّح مادّياً من أزمة بحجم أزمة إيران، ألحق ذلك كله أضراراً بالغة بمصالح الولايات المتحدة، وهيبتها، قوةً عظمى، وهو أمر سوف تستثمر فيه الصين، وكل خصوم واشنطن في المنطقة والعالم. وهذا يعني أن الأزمة الراهنة، حتى لو انتهت باتفاق ما، سوف تتولد عنها مستقبلا أزمات أخرى، بعدما فتحت شهية المخاطرة أمام إيران، التي باتت ترمق هرمز باعتباره “جائزتها الكبرى”، ما قد يودّي عملياً إلى سقوط مبدأ كارتر.