تقدّمت المشهد السياسيّ في الأيّام الماضية مواقف لافتة للرئيس نبيه برّي والنائب السابق وليد جنبلاط صُنّفت في خانة “خفض التصعيد” الداخليّ واحتواء رقعة التوتّر، من دون أن يُرصد حتّى الآن أيّ إجراء عملانيّ مرتبط بتنفيذ اتّفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل الموقّع في 26 حزيران.
فَتَح الرئيس برّي الباب أمام “التسوية حماية للاستقرار الداخليّ إذا كان هناك من هو مستعدّ لهذه التسوية”، فيما أعلن جنبلاط بوضوح أنّه لن يكون “مع برّي جزءاً من ائتلاف لإسقاط اتّفاق الإطار”، داعياً إلى إعادة النظر فيه “كونه غير قابل للتطبيق، وبعض بنوده تضع الجيش اللبنانيّ تحت رحمة الجيش الإسرائيليّ”، معلناً استعداده “لمساعدة الدولة على إعادة النظر في الاتّفاق”، كما قال لصحيفة لوريان لوجور.
وفق المعلومات، قوبل “عَرضا” برّي وجنبلاط بارتياح رئاسيّ عكسه عون وسلام في مجالسهما، لكن من دون أيّ ترجمة عمليّة حتّى الآن، مع العلم أنّه حتّى مع تأكيد برّي أنّ “عون ما عم يتّصل فيّي ولا أتّصل في”، بقيت قنوات التواصل “الكلاسيكيّة” مفتوحة بين بعبدا وعين التينة، من دون أن تثمر عن خرق في جدار “أزمة اتّفاق واشنطن” المرفوض من الثنائي بكلّ مندرجاته.
أجواء احتواء
اكتمل مشهد التهدئة في مداولات مجلس الوزراء الأخيرة التي شهدت، وفق مصادر وزاريّة، “نقاشاً هادئاً جدّاً واستيعابيّاً بين وزراء الثنائيّ الشيعيّ ورئيس الحكومة”، حتّى مع استباق وزير “الحزب” ركان ناصر الدين الجلسة بوصفه أداء السلطة السياسيّة بـ”الانبطاح”.
ذهب بعض الوزراء إلى حدّ القول “كأنّنا نسمع نقاشاً داخل حكومة سويسرا”. بدا واضحاً أنّ عون وسلام استبقا الجلسة بتصريحات علنيّة دافعا فيها عن الاتّفاق، وأوضحا العديد من نقاطه، وذهب دفاع رئيس الجمهوريّة إلى حدّ القول: “ما بدّكم ياه؟ أعطوني فرصة لنجرّبه. إذا مشي كان به، وإذا ما مشي يسقط لحاله، أو يسقطوا الإسرائيليّ، مش نحن نسقطه”.
بدا لافتاً في هذا السياق تأكيد نائب رئيس الحكومة طارق متري أنّ “النصّ الأصليّ للاتّفاق هو بالإنكليزيّة، والترجمة إلى العربيّة خلقت بعض الالتباسات في العديد من النقاط الحسّاسة”.
برز التمهيد الأساسيّ لـ “أجواء الاحتواء” فعليّاً من خلال تجاهل الوزراء الشيعة في الجلسة الوزاريّة التي عقدت في بعبدا، قبل يوم واحد من توقيع الاتّفاق في واشنطن، للقرار الذي تمّت قراءته على مَسمع وزراء “حركة أمل” و”الحزب” وجاء فيه أنّه “أخذ مجلس الوزراء العلم بالتفويض المُعطى من قبل رئيس الجمهوريّة، بالاتّفاق مع رئيس الحكومة، إلى الوفد المفاوض في واشنطن، وتكليفه إجراء ما يلزم توصّلاً إلى النتيجة المرجوّة، تحت إشرافهما، علماً أنّ أيّ اتّفاق قد ينتج عن هذه المفاوضات يَخضع إبرامه لموافقة مجلس الوزراء بحسب المادّة 52 من الدستور” رغم الخلاف الدستوري حول هذا النص كون الاتفاقية الإطارية ليست بمثابة الاتفاق النهائي.
هكذا من باب الاحتواء أيضاً تمّ التوافق السياسيّ على أن لا تتحوّل الحكومة إلى ملعب لـ “ماتش” سجاليّ حول بنود الاتّفاق، وعلى التصويت عليه أو إحالته إلى مجلس النوّاب. وقد قُذفت كرة “رجم” الاتّفاق إلى حين التوصّل إلى اتّفاق نهائيّ مع إسرائيل، مع العلم، وفق مصدر مطّلع، أنّ “كلّ بند من بنود اتّفاق 26 حزيران يُشكّل التزامات على الدولة اللبنانيّة والجيش والحكومة، ويجب التصويت عليه في مجلس النوّاب بوصفه اتّفاقيّة دوليّة ولا يقتصر على ترتيبات أمنيّة واردة أصلاً ضمن ملحق أمنيّ سرّيّ”.
السّتاتيكو الحاليّ
لكن ماذا عن استاتيكو ما بعد اتّفاق 26 حزيران؟
يمكن ذكر المعطيات الآتية:
– يقول مصدر مطّلع لـ “أساس”: “المشهد أكبر من حراك داخليّ يهدف إلى الاحتواء وضبط سقف الخلاف، وهذا أمر ضروريّ طبعاً. لكنّ الأهمّ النفق الخطِر الذي سيدخله لبنان في الفترة المقبلة، وهو موعد إجراء انتخابات الكنيست الإسرائيليّة حتّى تاريخ أقصاه 27 تشرين الأوّل، إذ يرى كثيرون أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو سيخوضها من لبنان، والانتخابات النصفيّة الأميركيّة في تشرين الثاني المقبل، التي قد تدفع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تدريجاً إلى إعادة لبنان إلى أسفل الأولويّات، وما بينهما من اشتباك مستمرّ أميركيّ -إيرانيّ على مندرجات اتّفاق قد يؤسّس لاستقرار وتفاهمات تشمل كلّ المنطقة، ولبنان قد يكون آخر المتأثّرين بها”.
– في اللحظة الراهنة لا تراجع رسميّاً عن الاتّفاق، ولا تعديلات عليه قد تنشئ ممانعة تلقائيّة لها من الجانب الإسرائيليّ، ولا انطلاق لمرحلة “المناطق التجريبيّة” بعد، ولا تحديد لمهامّ آليّة المراقبة الثلاثيّة التي نتجت عن اتّفاق واشنطن، ولا تشكيل بعد لآليّة “خفض التصعيد” التي نصّ عليها الاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ. في المقابل، تُمعِن إسرائيل في إرساء معادلات أمنيّة على الأرض تشير إلى أنّ الانسحاب النهائيّ من الجنوب غير وارد على المدى الطويل.
– حين يقول الرئيس برّي إنّ الاتّفاق غير قابل للتطبيق فهو يقصد، بتأكيد مطّلعين، أنّ الإسرائيليّ لن ينسحب من الخطّ الأصفر (وربّما جزء من خارجه أيضاً) قبل إجراء انتخابات الكنيست، في تشرين الثاني المقبل، وما دام واقع الاحتلال قائماً فإنّ “الحزب” سيبقي على عمليّاته الموضعيّة، وآخرها إعلان إسرائيل إصابة جنديّ إسرائيليّ بجروح خطِرة أثناء اشتباكات الخميس في جنوب لبنان. في المقابل، سيبقى الستاتيكو الحاليّ قائماً ما لم يتمّ الاتّفاق بوضوح على “المناطق التجريبيّة”، بموافقة الثنائي، مع تأكيد هؤلاء أنّ المواجهة بين “الحزب” والجيش غير واردة.
إقرأ أيضاً: الشيباني في بيروت: العلاقة من “خُرم” المؤسسات
– تمارس السلطة في لبنان مرّة أخرى ضغوطاً على الأميركيّين للضغط على إسرائيل لالتزام بنود الاتّفاق وما لم يذكر أبداً في الاتّفاق لجهة وقف أعمالها العدائيّة فوراً، ومن ضمنها استهداف مدنيّين بالمسيّرات، جرف وتفجير القرى، وإنشاء بوّابات عبور فاصلة داخل الخطّ الأصفر. ويضغط الجانب اللبنانيّ لتحديد المناطق التجريبيّة التي تشهد احتلالاً إسرائيليّاً بعدما أرجأت إسرائيل مرحلة الاختبار الأولى التي تشمل بلدتَي فرون وزوطر الغربيّة. وحتّى الآن لا معلومات عن القبول باقتراح برّي اعتماد الأقضية للانسحاب بدلاً من “المناطق التجريبيّة”.
– بعد أقلّ من شهر على لقائه الرئيس برّي، التقى أمس قائد الجيش العماد رودولف هيكل رئيس مجلس النوّاب في عين التينة. وأتت هذه الخطوة عقب التصريحات المتتالية لبرّي في شأن التحذير من المسّ بقائد الجيش.
