في عميق نفوسنا ما يغلب كل قول. لقد عادت سوريا، بوجهها المحبب، بدبلوماسيتها الرفيعة، بخطابها الأنيق، عادت بعد نصف قرن من الانتظار لتقول ما كنا نود سماعه على الدوام. ولى زمان عنجر. ولى زمان التهديد والوعيد والوصاية وأقبية المخابرات. صرنا جيران الرضا. يرضى كلٌ منا بما أوجدته الجغرافيا المتلاصقة، لا بما صنعه التاريخ المتورّم بالوصاية والهيمنة والاخضاع.
لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت أمس الأول الخميس مجرد محطة بروتوكولية في سياق استئناف العلاقات الرسمية بين البلدين، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي عن ولادة مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية ـ السورية، تختلف في الشكل والمضمون عن كل ما عرفه البلدان طوال العقود الخمسة الماضية. ولعل أهم ما ميّز هذه الزيارة أنها كرّست، للمرة الأولى منذ زمن طويل، تعاملاً سورياً مع لبنان باعتباره دولة كاملة الأوصاف، مكتملة السيادة، لها مؤسساتها الدستورية التي تشكل المرجعية الوحيدة لأي علاقة ثنائية، بعيداً من منطق الوصاية أو إدارة التوازنات الداخلية أو الاستثمار في الانقسامات اللبنانية.
مشيٌ بين الألغام؟
منذ انقلاب حافظ الأسد ووصوله إلى السلطة سنة 1970، ارتكزت السياسة السورية تجاه لبنان على بناء النفوذ عبر القوى والأحزاب والمرجعيات السياسية والطائفية، بحيث أصبحت العلاقة مع أطراف الداخل اللبناني أكثر حضوراً من العلاقة مع الدولة نفسها. وكانت دمشق، طوال تلك المرحلة، تتعامل مع الساحة اللبنانية باعتبارها امتداداً لأمنها القومي، فتقوّي هذا الفريق وتضعف ذاك، وتعيد رسم التوازنات وفق حساباتها الإقليمية، إلى أن أصبح القرار اللبناني، في كثير من المحطات، أسير الإرادة السورية أكثر منه نتاج المؤسسات الدستورية اللبنانية.
أما في زيارة الشيباني، فقد بدا المشهد مختلفاً بصورة لافتة. فجولته شملت الرؤساء الثلاثة وشخصيات سياسية تمثل مختلف الاتجاهات والانتماءات، من دون استثناء أو تمييز، في رسالة واضحة مفادها أن سوريا الجديدة لا تبحث عن حلفاء أو أدوات داخل لبنان، بل عن علاقة طبيعية مع الدولة بكل مؤسساتها، وأنها تؤمن بأن استقرار لبنان لا يتحقق عبر دعم فريق على حساب آخر، بل من خلال احترام البلد بكل مكوناته.
لعل أكثر ما اختصر هذه المقاربة قوله إن دمشق تجتمع مع كل الأطراف من دون استثناء، لأنها تؤمن بلبنان بجميع أطيافه وأعراقه وأديانه. وهي عبارة تحمل في مضمونها أكثر مما يبدو في ظاهرها، لأنها تعكس انتقالاً من سياسة الاصطفافات والمحاور وأحلاف الأقليات إلى الاعتراف بلبنان كما هو، بتنوعه وتعقيداته، بعيداً عن أي محاولة لإخضاعه أو إعادة تشكيله.
لم تكن الرسائل السياسية وحدها هي التي لفتت الأنظار، بل أيضاً شخصية وزير الخارجية السوري نفسه. فقد بدا الشيباني بصورة استثنائية، بدبلوماسيته ولياقته وهدوئه واحترافه، حتى خُيّل إلى كثيرين أنهم أمام أحد كبار رجال الدبلوماسية الذين راكموا خبرات طويلة في إدارة الملفات الدولية المعقدة. ورغم أن لبنان يُعد من أكثر الدول حساسية وتعقيداً في المنطقة، حيث يمكن لكلمة واحدة أن تشعل سجالاً سياسياً أو أزمة وطنية، نجح الشيباني في أن يمشي، حرفياً، بين الألغام، وأن يقول ما ينبغي قوله، وأن يتجنب كل ما يمكن أن يُفسر على أنه تدخل أو انحياز أو استفزاز، من دون أن يُسجل عليه خطأ سياسي أو دبلوماسي يُذكر.
كان لافتاً أيضاً إصراره على أن تكون الدولة اللبنانية هي المرجعية الوحيدة للعلاقات الثنائية، كما كان لافتاً حديثه الصريح عن ضرورة تجاوز الإرث السيئ الذي أثقل العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني لعقود طويلة. ولم يكن هذا التعبير مجرد توصيف للماضي، بل بدا اعترافاً ضمنياً بأن المرحلة السابقة خلّفت جروحاً عميقة وانعداماً للثقة لدى الطرفين، وأن بناء علاقة جديدة يقتضي أولاً الاعتراف بأخطاء الماضي، ثم الانطلاق نحو نموذج مختلف يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
لا انصهار ولا قطيعة
غير أن مسؤولية بناء هذه العلاقة الجديدة لا تقع على دمشق وحدها، بل على بيروت أيضاً. فمن الإنصاف القول إن الأداء اللبناني خلال المرحلة الماضية لم يكن على مستوى التحولات التي شهدتها سوريا، وظهر ذلك بوضوح في غياب أي تشاور سياسي جدي مع دمشق قبل التوقيع على اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. وليس المقصود هنا الدعوة إلى إحياء شعار وحدة المسار والمصير الذي استخدمه النظام البعثي البائد لتبرير وصايته على لبنان، وهو شعار سقط مع سقوط تلك المرحلة، وإنما المقصود هو إدراك حقائق الجغرافيا السياسية التي لا يمكن لأي دولة أن تتجاوزها أو تتجاهلها.
فسوريا ليست دولة بعيدة عن لبنان، بل هي جاره العربي الوحيد، وتشترك معه في حدود طويلة، وفي ملفات أمنية واقتصادية معقدة، وفي تحديات تتصل بالتهريب والنازحين والمياه والطاقة، كما أن البلدين يواجهان أزمة مشتركة تتعلق بالصراع مع إسرائيل وتداعياته السياسية والأمنية.
من الطبيعي، في ظل هذا الواقع، أن يكون هناك حد أدنى من التشاور والتنسيق بين الدولتين في القضايا الكبرى التي تمس مصالحهما المشتركة. فرفض الوصاية لا يعني القطيعة، والتمسك بالسيادة لا يعني تجاهل الجار، كما أن التخلص من إرث البعث لا يبرر الانتقال إلى الضفة المقابلة، حيث يُتعامل مع سوريا وكأنها غير موجودة على الإطلاق. فالعلاقات الطبيعية بين الدول تقوم على الاحترام المتبادل، لكنها تقوم أيضاً على الحوار والتنسيق كلما فرضت المصالح المشتركة ذلك، ولا سيما في الملفات التي تتجاوز حدود كل دولة وتمس أمنهما واستقرارهما ومستقبلهما.
إن نجاح هذه المقاربة الجديدة لن يتوقف على حسن النيات أو على اللغة الدبلوماسية الهادئة، بل أيضاً إلى ترجمة عملية من خلال آليات تعاون واضحة في الملفات الحدودية والأمنية والاقتصادية وحتى السياسية، وهو ما حصل عبر إعلان الرئيس نواف سلام سلام من على منبر مجلس الوزراء عن انشاء لجنة مشتركة “بهدف تعزيز العلاقات الثنائية، وإرسائها على قاعدة من التعاون والتنسيق من دولة إلى دولة، استناداً إلى مبادئ الاحترام المتبادل للسيادة والاستقلال”، وهذا ما يؤدي إلى تثبيت قاعدة أساسية مفادها أن العلاقات بين بيروت ودمشق يجب أن تُبنى بين دولتين مستقلتين ومتساويتين في السيادة، لا بين وصي وموصى عليه، ولا بين خصمين يعيشان قطيعة دائمة.
قد يكون من المبكر القول إن صفحة الماضي قد طُويت نهائياً، فالتاريخ بين البلدين مثقل بالتجارب المريرة، والذاكرة الجماعية لا تُمحى بزيارة واحدة مهما بلغت أهميتها. إلا أن ما جرى في بيروت خلال زيارة الشيباني يستحق التوقف عنده، لأنه للمرة الأولى منذ عقود طويلة، بدا المسؤول السوري وكأنه يخاطب لبنان الدولة، لا لبنان الساحات والمحاور.
وإذا نجحت دمشق في ترجمة هذا الخطاب إلى سياسة ثابتة، ونجحت بيروت في مقاربة العلاقة مع سوريا بعقل الدولة لا بعقد الماضي ولا بحسابات اللحظة، فإن الزيارة قد تشكل نقطة انطلاق لعلاقة جديدة، قوامها السيادة المتبادلة والاحترام المتبادل والتنسيق المسؤول، بعيداً من الوصاية، وبعيداً أيضاً من القطيعة التي لا تقل ضرراً عن الهيمنة.
