“من السهل الوقوف بتأكيد عاطفي على أحكام حاسمة؛ ومن الصعب استحضار الحقيقة بهدوء ورؤيتها في معرفة كاملة بجميع الموضوعات. من السهل قطع التواصل بتأكيدات تحدٍّ؛ ومن الصعب الدخول من دون توقف، وراء التأكيدات، على أرض الحقيقة. من السهل انتزاع رأي والتمسك به والاستغناء عن مزيد من التفكير؛ ومن الصعب التقدم خطوة بخطوة وعدم إغلاق باب مزيد من التساؤلً” (كارل ياسبرز، الذنب الألماني، 1948)
في روايته “بيت خالتي” (صدرت عام 2020) التي تدور أحداثها بين دمشق وبرلين، يتحدّث أحمد خيري العمري عن التشابه بين أساليب النازية والأساليب الوحشية التي اتبعها نظام الأسد لإبادة ضحاياه الممنهجة. يلتقط العمري حدث تسريب صور قيصر الصادمة لـ 11 ألف ضحية مطلع عام 2014، وكشفت لأول مرة عن حجم الفظائع في السجون، يمارسها نظام الأسد. ويعقد العمري مقارنة مثيرة بين الجهود المضنية التي بذلها ضحايا النازية لإقناع العالم بما يجري في ألمانيا وجهود السوريين المضنية في سبيل هذا. كان العالم في البداية يتعامل مع أخبار معسكرات الإبادة النازية بنوع من الشك أو التغافل، وكان على الناجين النفاذ عبر جدار سميك من الإنكار الدولي لإثبات أن هناك “محرقة” حقيقية تجري خلف الأبواب المغلقة.
في الواقع، لم يكن التشابه مع النازية مجرد مصادفة، فجزءٌ أساسيٌ من أساليب التعذيب والإبادة يعود إلى خبرة النازية بالفعل والتي نقلها الضابط النمساوي النازي ألويس برونر من قوات الأمن الخاصة النازية (SS)، والذي كان “الساعد الأيمن” لأدولف إيخمان (أحد أبرز مهندسي الهولوكوست)، ومهندس غرف الغاز الشهيرة (فالتر راوف)، والذي اعتُبر مسؤولاً مباشراً عن ترحيل أكثر من 128 ألف يهودي من عدة دول أوروبية إلى معسكرات الإبادة، ثم نجح في الفرار بعد الحرب العالمية الثانية، ووصل إلى دمشق في عام 1954 تقريباً، وعاش هناك تحت اسم مستعار “الدكتور جورج فيشر” (يُعرف محلياً أيضاً بلقب “أبو حسين”). وتذكُر تحقيقات صحافية واستخباراتية أن حافظ الأسد استعان بخبراته في تكوين أجهزته الاستخباراتية وتدريبها، فساهم في تدريب عناصرها على أساليب التحقيق والتعذيب والرقابة البيروقراطية الممنهجة. وخلال وجود برونر في سورية طاردته عدة جهات دولية وصياديو نازيين، وتعرّض لمحاولتي اغتيال برسائل مفخّخة في مقر إقامته في دمشق (عامي 1961 و1980)، ما تسبب في فقدانه إحدى عينيه وثلاثا من أصابع يده.
الاعترافات التي أدلى بها أمجد يوسف وأراد أن يتحمل فيها وحده مسؤولية المجازر، تشبه إلى حد التطابق الاعترافات والأجوبة التي أدلى بها الضابط الألماني النازي أدولف إيخمان
بقي مصير برونر مجهولاً سنوات طويلة، وحين شارف حافظ الأسد على الموت أمر بوضع الضابط النازي في زنزانة منفردة في قبو الفرع 300 المسؤول عن التجسس ومكافحته في سورية، وهي موبوءةٌ، في ظروف غير إنسانية، إلى أن توفي في دمشق عام 2010 عن 98 عاماً، وقيل إنه توفي عام 2001 في حي العفيف بدمشق ودفن في مقبرة الحي نفسه. وكانت الأجهزة الاستخباراتية حتى سقوط نظام الأسد تستخدم بعض الأساليب في الاستجواب والتحقيق تعود إلى الخبرة النازية، ومنها التعذيب بالكرسي الألماني. وحضر برونر، في بعض الروايات السورية، في “عين الشرق” لإبراهيم الجبين (2016)، الذي قدم سيرة تخيلية له، وفي “رقصة القبور” لمصطفى خليفة (2016).
أكثر من هذا، هناك شبه تطابق في سلوك المجرمين المتورّطين مباشرة في الفظائع، فالاعترافات التي أدلى بها أمجد يوسف التي أراد أن يتحمل فيها وحده مسؤولية المجازر، تشبه إلى حد التطابق الاعترافات والأجوبة التي أدلى بها الضابط الألماني النازي أدولف إيخمان في أثناء محاكمته في القدس عام 1961، والذي خصصت له الفيلسوفة حنا أرندت كتاباً تناول هذه المحاكمة (حضرتها بنفسها) وخرجت منه بنظريتها حول العنف بما هو ممارسة بيروقراطية و”تفاهة الشر”.
… كان الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز مشغولاً بمعالجة آثار النازية، فكتب مؤلفه “مسألة الذنب الألماني” (1946) الذي اعْتُبِرَ تأسيسياً في قضية التسوية الاجتماعية والنفسية للألمان بعد النازية، وفي كتابه هذا يقسم المسؤولية إلى أربعة مستويات: جنائية، سياسية، أخلاقية، ميتافيزيقية (اعتقادية/ إيمانية ما ورائية). وفي حين يرى أن المستويين الجنائي والأخلاقي فرديان بالضرورة، مسؤول عنهما الفاعلون بصفتهم أفراداً لا جماعات، فإن المستويين الآخرين جماعيان، فالذنب السياسي يقع على عاتق مواطني الدولة الحديثة بأسرهم حين يتعلق الأمر باضطهاد ضد فئة منهم، حيث يُفترض أن يتحمّل الذنب السياسي جميع مواطني الدولة إذا ما تم استثناء المضطهدين، وتحمّل العواقب السياسية، الذي يتضمن أفعال رجال الدولة ومواطني الدولة، ينتج منه “التعويض”، و”القيود على السلطة السياسية والحقوق السياسية” (للجانب المذنب).
وما يسميه ياسبرز الذنب الميتافيزيقي/ الماورائي هو المسؤولية التي يشعر بها الناجون تجاه من عانوا وماتوا: “ثمة تضامن بين البشر بوصفهم بشراً يجعل كلاً منهم شريكاً في المسؤولية عن كل ظلم وجور في العالم، ولا سيما الجرائم التي تُرتكب بحضوره أو بعلمه. إذا أخفقت في فعل كل ما في وسعي لمنعها، أكون مذنباً أيضاً. إذا كنت حاضراً عند قتل الآخرين دون أن أخاطر بحياتي لمنع ذلك، أشعر بذنب لا يمكن تصوره بشكل كافٍ لا قانونياً ولا سياسياً ولا أخلاقياً. أن أكون حياً بعد حدوث مثل هذا يثقل كاهلي كذنب لا يُمحى”، إذن ما يعنيه ياسبرز فعلياً بالذنب الجماعي هو “المسؤولية الجماعية”، فالذنب بمعنى الجرم “لا يمكن أن يحكم به على شعب بأكمله.. فالمجرب دائماً فرد واحد فحسب”.
لاحقاً طوّرت تلميذته حنا أرندت أفكاره عن المسؤولية في كتابها “المسؤولية والحكم” (Responsibility and Judgment) الصادر عام 1968 “المسؤولية الجماعية”، وميزت بين تحمّل “الذنب الجماعي” وتحمّل “المسؤولية الجماعية”، باعتبار أن الذنب مسؤولية جنائية خلافا للمسؤولية، وبالتالي “لا وجود لشيء يُدعى الشعور بالذنب، أو كون المرء مذنباً، حيال أمور حدثت من دون أن يشارك فيها مشاركة فعلية”، ولكن توجد مسؤولية جماعية ويجب تحملها، بشرطين: “أن أُحاسَب مسؤولاً عن شيء لم أفعله، وأن يكون سبب مسؤوليتي انتمائي إلى جماعة (كلٍّ جماعي) لا يمكن لأي فعل طوعي من جانبي أن يفك عراها، أي انتماء لا يشبه على الإطلاق الشراكة التجارية التي يمكنني فضها وإلغاؤها بمحض إرادتي”. وبحسب أرندت “لن تتمكن أي معايير سلوك أخلاقية وفردية وشخصية من إعفائنا من المسؤولية الجماعية. فهذه المسؤولية النيابية عن أشياء لم نفعلها، وهذا الأخذ على عاتقنا لتبعات أمور نحن بريئون منها تماماً، هو الثمن الذي ندفعه مقابل حقيقة أننا لا نعيش حياتنا بمفردنا بل بين زملائنا من البشر، وأن ملكة الفعل، وهي في نهاية المطاف الملكة السياسية بامتياز، لا يمكن تحقيقها وتحويلها إلى واقع إلا في شكل من الأشكال العديدة والمتنوعة للمجتمع البشري”.، وإذا كان غير ممكن قانونياً وأخلاقياً وسياسياً الحديث عن “الذنب الجماعي” فإنَّ لا شيء يمنع سياسياً وأخلاقياً على الأقل الحديث عن المسؤولية الجماعية.
كانت أرندت في كتابها “آيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر” (1963) قد حلّت معضلة “كيف نحاكم فرداً تافهاً داخل منظومة قمعية جماعية؟”، ومنه انطلقت لتأسيس التمييز بين الذنب القانوني والمسؤولية السياسية، وسبق أن فككت في كتابها “أصول الشمولية” (1951) كيف تبتلع الأنظمة الشمولية (النازية والفاشية والستالينية) المجتمع بأسره، وكيف تُحوّل المواطنين العاديين إلى تروس في ماكينة القمع، مما مهّد لاهتمامها اللاحق بكيفية توزيع المسؤولية الأخلاقية والسياسية على هؤلاء الأفراد بعد سقوط الطغيان.
من هنا، ما ركزت عليه في مقالي “في الحاجة إلى تسوية تاريخية في سورية” (“العربي الجديد” 12/07/2026) ليس الإقرار بـ”الذنب الجماعي” أو القبول بـ”التجريم الجماعي”، وكنتُ واضحاً في المقال نفسه في رفض هذا، وإنما تحمّل المسؤولية الجماعية، ولم أتحدّث عن “الاعتذار” وحده، فهذا قد يكون من نتائج تحمّل هذه المسؤولية، فثمة نتائج عديدة تترتب على تحمل المسؤولية، لكن معظم الردود، التي فهمت خطأ أن هذا هو المطلوب وحسب، تفيد بأنَّ لتحمل المسؤولية تبعات أبعد تتمثل في كشف الحقيقة، والاعتراف بالآلام التي سببوها للآخرين، وأيضاً في بناء السردية الوطنية، وفي العدالة الانتقالية ومنع الحماية للمرتكبين للجرائم.، وسأناقش هنا الردود الرئيسية على المقال، محاولاً قد الإمكان الاختصار، ومعالجة النقد الجوهري.
***
هل نظام الأسد علوي؟ كنت قد كتبت صراحة “لم يكن نظام الأسد نظاماً ممثّلاً للطائفة، هذه حقيقة، لكنّ نظام الأسد كان طائفياً، هذه حقيقة أيضاً، ونظرية “الطائفة المخطوفة” أو “الطائفة المجبرة” و”الطائفة المستغلّة” لا تقنع أحداً، لأنّها تعطي تفسيراً مليئاً بالثغرات والأسئلة، ولأنّها تتضمّن تبرئة مفتوحة وأقرب إلى عملية إنكار للوقائع وللتداخل الطويل زمنياً والعميق هيكلياً بين النظام والطائفة العلوية، وإلى العلاقة المركّبة بين “المصالح” و”الامتيازات” و”المخاوف” بين النظام والطائفة، لا يمكن غضّ الطرف عن حقيقة أنّ الطائفة كانت في العموم مستفيدةً، كما لا يمكن إنكار أنّها صارت، مع الوقت، خائفة من الانتقام”.
في الردود يعتقد بعضهم (راتب شعبو “العربي الجديد” 25/6/2026)، عمّار ديوب “العربي الجديد” 26/6/2026)) أن رسوخ تصور علوية النظام ناشئ عن “تفكير طائفي” بـ”سبب غلبة المنظور الإسلامي الهوياتي في المعارضة السورية لنظام الأسد طوال تاريخه”، وأن هذا التصور بدأ ينتشر “منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي”، و”تحوّل هذا التصور، مع الزمن، إلى تعريف للنظام”، وأن هذا ليس سوى تعريف سطحي يستند إلى “غلبة العنصر العلوي في الجيش والأمن” يغطي على “بنية النظام وعلاقاته الداخلية”، بما يسمح برد إجرام هذا النظام على نحو غير عادل إلى “طبيعة إجرامية” في عناصره، وإلى “كراهية مذهبية” تكوينية، وليس إلى تكوينه الاستبدادي. ولكن شعبو يعترف بأن “الغالبية الغالبة من العلويين” وقفت مع نظام الأسد طوال تاريخه، ولم يكن بالإمكان “أن ينضم عموم العلويين يوماً إلى ثورة سورية لإسقاط النظام”، ليس لأن النظام جعل العلويين مواطنين من الدرجة الأولى، وإنما لأنهم لا يريدون التفريط بـ”المكسب الأساسي الذي قدّمه نظام الأسد للعلويين هو الشعور بالأمان الجماعي، أي الاطمئنان التام إلى أن “الدولة” لن ترتد ضدّهم بما هم جماعة وتهدّد وجودهم”، وهذا الاطمئنان ذا الطبيعة الأقلوية “هو العمود الفقري لعلاقة العلويين بنظام الأسد”، ما جعل حتى البطش بأفراد معارضين من الطائفة غير قادر على زعزعة موقفها (عموم الطائفة) من النظام، حتى لو تعاطفوا مع الضحية، مع تعزيز العصبية العلوية في عمق الدولة السورية، وسيطرة عناصر علوية ذات ولاء أسدي تام في المفاصل الأساسية للدولة، واستجر هذا في النهاية “معاملات تمييزية لمصلحة العلويين في الدولة”.
ولكن شعبو يعود بالنقض على ما ذكره في سبب انتشار الانطباع بعلوية النظام، إذ يؤكّد أن العصبة العلوية التي شكلها نظام الأسد في الدولة وما تبعها من امتياز للعلويين، هو الذي “ولّد الانطباع لدى عموم السوريين الانطباع بأن “النظام علوي”، بل لم يكن الانطباع بعلوية النظام حكراً على غير العلويين، فقد تولد كذلك “لدى العلويين مع نظام الأسد، وقد تحرّروا من الانعزال والشعور بالدونية، انطباع بأنهم أهل السلطة، رغم استمرار فقرهم ورغم تعرّضهم الدائم لاعتداءات التشبيح الأسدي وإهاناته”، هذا أصدق تعبير عن الواقع، ليس معنى هذا سوى رؤية العلوي بأن النظام يمثله، وليس معنى توافق الانطباع بين العلويين وباقي السوريين بعلوية النظام سوى أنه بالفعل يعكس تصرّفهم تحت هذا الاعتقاد.
حسنًا، قد لا يكون حافظ الأسد يرى نظامه كذلك، فالرجل ديكتاتور ولا يهمه سوى الاستمرار في السلطة، واستخدم العصبة العلوية لتثبيت نظامه، تبادل معها المنافع: أعطاها الشعور بالأمان عبر منحها الشعور بالسلطة والغلبة، ومنحها الامتيازات. لكن ما الفائدة من معرفة نظرة الأسد إذا كان الطرفان المعنيان يعتقدان بعلوية النظام؟ هل كان من الصعب إذن فهم لماذا كانوا في عمومهم يدافعون عن النظام، ولماذا كانوا يعتقدون أن تهديد النظام تهديد لهم؟
وفي حين يشرح ميشيل سورا في كتابه “سوريا الدولة المتوحشة” (ترجمة أمل سارة، مارك بيالو، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2017) كيف عمل الأسد على تعبئة الطائفة خلفه بخطاب سياسي يستحضر الماضي والمظالم المحفوظة في الذاكرة الجمعية للعلويين، وصناعة سردية لتبرير السيطرة العلوية (وليس الأسدية) على مقاليد السلطة، يوضح خضر خضور كيف أنه بالإمكان الحديث عن “العلوية العسكرية” التي أبقت الجيش متماسكاً إثر ثورة 2011، ببساطة: لأن الضباط ينحدرون من الطائفة، بحسب تعبيره، ويشرح كيف أن هذه العلوية العسكرية تمت من خلال إسناد المؤسسات المدنية والحزبية للدولة للسنة، مقابل إسناد المفاصل الأمنية والعسكرية لأركان السلطة للعلويين، والقاعدة الاجتماعية للنظام مؤلفة من “الأقليات، هي مؤلفة من علويين ودروز ومسيحيين، لكن البنية الأساسية للنظام مرتبطة بالطائفة العلوية”، ويجب أن نكون واضحين وصريحين في هذا (استراتيجية النظام السوري أثناء الانتفاضة: محادثة لـ “الوضع” بين خضر خضور وبسام حداد، جدلية، كارنيغي، 23/12/2014).
***
يعتقد مضر الدبس (تلفزيون سوريا 15/6/2026): أن “الاعتراف المطلوب من العلويين، أو الاعتذار، قد يؤدّي هو نفسه إلى تبعاتٍ طائفية أيضاً”. ولتجنّب هذا الأثر المحتمل بقوة يقترح إحالة الاعتذار إلى كيان اعتباري هو الدولة، “بأن تعتذر الدولة السورية من السوريين كلهم، ومن أهالي الضحايا بوجه خاص، عن الإجرام الذي تمَّ باسمها وباسم الوطنية السورية، وتتحمل بهذا الدولة المسؤولية السياسية”، لكن هذا بمنزلة مطابقة بين النظام السياسي والدولة، وهو غير مبرّر في العلوم السياسية، ويقترح توزيع المسؤولية التاريخية على المجتمع العالمي “الذي كنَّا نُذبح تحت أنظاره”. أما المسؤولية الأخلاقية فيحملها للمجتمع العلوي “من ربَّاهم على كره السنَّة”، مع الإشارة إلى تحمّل آخرين لكره مماثل، ومقترح الدبس عموماً يقع في معضلة: ففي حين يريد تجنب تحميل طرف مسؤولية من نوع ما لا يضمن فيها أن تؤدي إلى تجريم طائفة كاملة، فإنه يفرِّغ مفهوم المسؤولية الجماعية من معناه، ووظيفته، فهل يؤدي تحويل المسؤولية إلى كيانات غير ملموسة إلى لثم الشروخ الاجتماعية في حين أن الفاعلين محسوسون ومحددون؟
تتكرّر في أكثر من مقال (مثلاً عبد الباسط سيدا، تلفزيون سوريا، 1/7/2026)) أطروحة تقول إنَّ ما أطرحه عن تحمّل المسؤولية الجماعية يستند إلى “فرض غير صحيح فحواه أن المكوّنات المجتمعية السورية هي كتل متجانسة واعية بذاتها ولذاتها؛ وهي مسؤولة كجماعات وكتل عن تصرفات أفرادها” ضد الآخرين، وأنَّ مثل هذه المطالبات “تدخل ضمن الأعراف العشائرية التي سادت قبل مرحلة تشكّل الدول” التي تشرعن صيغة العقوبات الجماعية، أكثر مما تسهم في حل المشكلات. وبدلاً من ذلك يجب أن نتوجه إلى “تفكيك الخطاب الطائفي”، أي التفكير الذي يحمل العلويين مسؤولية. وهذه أطروحة تعيد ضمناً طرح علونة السلطة باعتبارها نتاج تفكير وتحريض طائفي، وقد نوقش في السطور أعلاه، ولكننا هنا في حاجة إلى توضيح دقيق، سبق وذكرته في مقالي، ولا أعرف لماذا يفقد قارئو المقال أجزاء رئيسية في بناء أفكاره، وهو أن التجريم الجماعي ليس وارداً ولا منطقياً، ولكن نحن نتحدث عن المسؤولية الجماعية التي شرحتها في المقدمة، والمسؤولية الجماعية ليست موضوعاً قانونياً وإنما موضوع سياسي-اجتماعي، لا يهدف سوى إلى التخلص من عبء الماضي كي لا يمتند للمستقبل.
نظرية “الطائفة المخطوفة” أو “الطائفة المجبرة” و”الطائفة المستغلّة” لا تقنع أحداً، لأنّها تعطي تفسيراً مليئاً بالثغرات والأسئلة
وأيضاً يتكرّر السؤال في معظم الردود بسؤال على فرض قبول أطروحة تحمل المسؤولية “من يعتذر ممن؟” هذا أمر تفاوضي إذا وصلنا إلى قبول الفكرة، يمكن إيجاد طرق للوصول إليها. المسألة ليست تعجيزاً، والموضوع ليس اعتذاراً وحسب، الموضوع أعقد وأكثر شمولاً وجذرية. ورغم أن المطلوب هو تحمّل المسؤولية الجماعية هناك من لا يرى سوى صيغة الاعتذار، ويعتقد أن الاعتذار ليس هو ما ينقص السوريين الآن (سمر يزبك (العربي الجديد 23/6/2026) وأن ما ينقصهم النقاش حوله ضمان العدالة والمواطنة المتساوية للجميع. ولكن كيف نضمن العدالة والمواطنة المتساوية ونحن أمام هذه الجروح الغائرة والنازفة؟ فما أطرحه من تسوية تاريخية مع العلويين ليس سوى طريق نحو العدالة والمواطنة المنشودة تلك!
يقترح أحد الردود (حسين عبد العزيز، العربي الجديد 17/6/2026) التريث. … حسناً لِمَ العجلة؟ البيئة الحالية قد “لا تسمح بمثل هذا الاعتراف” بالفعل، لكن هذا لا يقلل من صوابيته. وبطبيعة الحال، تستغرق المسألة وقتاً لا بأس به، قد يكون خير جواب أن أنقل نصاً لكارل ياسبرز هنا، يمكن إسقاطه بيسر على وضع الطائفة في سورية، يقول فيه: “الناس لا يحبون سماع كلام عن الذنب وعن الماضي؛ تاريخ العالم ليس شاغلهم. هم ببساطة لا يريدون أن يعانوا أكثر؛ يريدون الخروج من هذا البؤس، والعيش لا التفكير. ثمّة شعور بأنه بعد معاناة بالغة الهول على هذا النحو يجب أن يُكافَأ المرء إن شئنا، أو على الأقل أن يُعزّى، لا أن يُثقَل بالذنب فوق ذلك كله (…) حتى نستطيع مواجهة العدمية يجب أن نمسك بالحياة من منبع جديد وحقيقي”، “نحن الألمان مُلزمون دون استثناء بأن نفهم بوضوح مسألة ذنبنا، وباستخلاص النتائج. ما يُلزمنا كرامتنا الإنسانية. أولاً، لا نستطيع أن نكون غير مبالين بما يفكر فيه العالم في شأننا (…) حياتنا في الضيق والتبعية لا يمكن أن تحظى بأي كرامة إلا بالصدق مع أنفسنا. مسألة الذنب أكثر من مجرّد مسألة يطرحها علينا الآخرون، إنها مسألة نطرحها على أنفسنا. الطريقة التي نجيب بها ستكون حاسمة في مقاربتنا الراهنة للعالم ولأنفسنا. إنها مسألة حيوية للروح الألمانية”.
أخيراً، بين النازية والأسدية شبَه أكثر مما نعتقد، ومن الأفضل أن نستفيد من الدرس الألماني بدل أن نهرب إلى الأمام تاركين الجروح خلفنا مفتوحة تتعفّن، و”بينما نفكر عادة في المسؤولية، وخاصة المسؤولية الجماعية، باعتبارها عبئاً وحتى نوعاً من العقاب، أعتقد أنه يمكن إثبات أن الثمن المدفوع مقابل عدم تحمل المسؤولية الجماعية هو أعلى بكثير” على حد تعبير حنا أرندت.