
يكتب نيكولاس شكسبير: “لقد كنت صديقاً ليوسا على مدى 40 عاماً، أعددت عنه أفلاماً وثائقية، وكتبت رواية نبعت من أحد أحاديثنا معاً، وأحببته حباً عظيماً، لكن قراءة الصورة الاستثنائية التي رسمها جيرالد مارتن جعلتني أدرك ضآلة ما أعلمه عنه”. وفي حين أن غالبية السير اليوم تنزع إلى “إعادة تأهيل” أبطالها على حد تعبير براتيناف أنيل، “فإن مارتن يكتب سيرة حياة نقدية عميقة…ويقدم سرداً أنيقاً موضوعه الحقيقي ليس فارغاس يوسا فقط وإنما البيئة الثقافية والسياسية التي كونته وفككته”.
عند وفاته في عام 2025، كان الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا صاحب شهرة مدوية على المستوى العالمي، ولم يكن في العالم الناطق بالإسبانية من ينازعه مكانة أعظم الكتاب وأكثرهم تأثيراً، ولا في أنه الأكثر إثارة للجدل منذ ستة عقود في الأدب والسياسة، منذ اقتحامه المشهد الثقافي في ستينيات القرن الـ20 بروايته “زمن البطل”، وحتى روايته الأخيرة “أعطيكم صمتي” الصادرة في عام 2023.
ووقائع أخرى صاخبة لا سيما ترشحه لرئاسة بلده، وحصوله على نوبل في الأدب، واللكمة الشهيرة التي سددها لغريمه العظيم غابرييل غارسيا ماركيز.
هذه الحياة المتخمة هي موضوع كتاب “حياة ماريو فارغاس يوسا” الصادر عن دار “بلومسبيري” في سفر من أكثر من 800 صفحة للكاتب والأكاديمي البريطاني جيرالد مارتن الذي سبق أن منحنا سيرة ماركيز في سفر لا يقل ضخامة وأهمية.
في استعراضه لهذه السيرة “التي استغرق تأليفها 15 عاماً” (ذي سبكتيتور-1 أغسطس/ آب 2026) أولى الروائي البريطاني، نيكولاس شكسبير، اهتمامه للتحولات الأساسية في حياة يوسا، “المغامر الأدبي، والسياسي، والدبلوماسي، والمحارب، وحمار الشغل الذي لا يكل، الذي بلغ التنوع والتوتر في حياته حداً ’لا يكاد يُصدق‘”، فقد تحول من طالب جامعي شيوعي – اسمه الحركي هو “الرفيق ألبرتو” – يناصر الثورة الكوبية، إلى الأرستقراطي المركيز دي فارغاس يوسا، نديم ملك إسبانيا المخلوع، والمتحمس لمارغريت تاتشر ورونالد ريغان، والمرشح لرئاسة بيرو عام 1990. فـ”هل من حياة شبيهة بهذه الحياة في أي مكان من العالم الغربي في النصف الثاني من القرن الـ20؟”، هكذا يتساءل جيرالد مارتن.
يبرز شكسبير بضع “فضائح” تمثل علامات في سيرة يوسا ذي المظهر “الهادئ الودود الصريح الذي يداري حياة خاصة مضطربة. ففي عام 1955، وهو في الـ19، تسبب في فضيحة لأهله بزواجه بخالته جوليا ذات الـ29 سنة، في إعلان مبكر للاستقلال خلّده لاحقاً في “الخالة جوليا وكاتب السيناريو” أكثر رواياته شعبية.
وفي 1965، وكان هو بلغ الـ 29، كرر الفضيحة مرة أخرى بزواجه من ابنة عمه باتريسيا ذات الـ19 سنة. أما أشهر الفضائح قاطبة فهي في سينما بمكسيكو سيتي عام 1976 حيث قابل “شقيق الدم” غارسيا ماركيز بذراعين مفتوحتين ليسقطه أرضاً بـ”أشهر لكمة في تاريخ الأدب” دونما تفسير إلا صيحته: “هذه من أجل ما فعلته بباتريسيا”. “وبعدها، هرب من المكسيك، ولم يكلم غارسيا ماركيز أبداً، أما كتابه النقدي المؤلف من 667 صفحة عن ’صديقه المعلن، وعدوه غير المعلن‘ فسحبه من التداول”.
يرى شكسبير أن مارتن يعد تلك اللكمة الغامضة التي طبقت شهرتها الآفاق مفتاحاً لقصة حياة يوسا العجيبة، فسر اللكمة “قد يكون حلاً للغز آخر هو لغز تحول الروائي الواقعي العظيم إلى داعية متحمس للنيوليبرالية”.
ينقل شكسبير عن فريدي كوبر، وهو من أبناء عمومة يوسا، أن “ماريو لم يكن لديه من العمق ما يجعله يتعامل مع المشاعر، أو يصل إلى النضج. لقد نشأ بلا أب. وكانت أمه امرأة طيبة، بسيطة… علَّمه جده قراءة روايات القرن الـ19 التي كانت لمؤلفيها علاقات غرامية أراد ماريو بعد ذلك محاكاتهم فيها”.
يحدد مارتن مشهداً أساساً في حياة يوسا: “في مدينة بيورا الساحلية في بيرو، ظل ماريو طوال السنوات الـ10 الأولى من حياته يشارك أمه سريرها، ويقبّل كل ليلة صورة إرنستو يوسا الذي اختطفه الموت، إلى أن قيل لماريو بغتة إن والده الوسيم لا يزال على قيد الحياة، ويعتزم دخول حياتهم مرة أخرى. وكان رجوع ماريو في كنف الطاغية الأصلع ذي الكرش الذي عد حب ابنه للشعر ’خنوثة‘ مصدراً للعذاب والنجاح معاً في حياة ابنه في عالم الأدب، فقد قال يوسا: ’إنني أدين له بكثير مما أنا عليه ومما كتبته‘”.
“يرى مارتن، أن يوسا لم يكرس نفسه للأدب إلا لاجتناب البحث في جذوره. فماريو لم يتجاوز قط الطفل ذا السنوات الـ10 الذي كان ’أمل العائلة‘ والذي تعرض لكذبها وخداعها، فظل دافعه في الحياة والكتابة على السواء هو الانتقام والضغينة. ولم تكن تلك المشاعر موجهة فقط إلى أبيه العنيف (الذي يكتب عنه: ’كرهته‘)، ولكن أيضاً إلى البيرو (بلده الذي طالب في لحظة ما بفرض عقوبات عليه) وتجاه ’المثقفين الرخاص‘ من أصدقائه في اليسار، كما كانت موجهة إلى كل من اقترب منهم: زوجتيه، وإخوته غير الأشقاء، وابن عمه فريدي الذي قال إنه ’كان يقاطع كل من يكلمه في انتمائه السياسي‘ وإنه ’لم يحل قط مشكلة عدم نضجه‘”.
في استعراضه للكتاب (ذي غارديان-30 يوليو/ تموز 2026) يكتب براتيناف أنيل أنه “في اللحظة التي بدأت فيها أميركا اللاتينية تكتشف الإمكانات المذهلة للواقعية السحرية التي ارتبطت غزارتها بالسياسات الثورية وانهيار الفارق بين الإعجازي والممكن، آثر ماريو فارغاس يوسا واقعية المدرسة القديمة على الواقعية السحرية الجديدة. وكان ذلك نتاج حساسية بقدر ما هو نتاج موقف سياسي، بحسب ما يرى جيرالد مارتن في السيرة القائمة على الثرثرة بقدر قيامها على التحليل البارد، إذ يتعقب مسار روائي بدأ بتشريح الأوليغارشية بدقة الجراحين وانتهى سعيداً بالجلوس إلى مائدة طعامها… مهاجراً من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين”.
“غير أن ما يصححه مارتن هو أن المسافة التي عبرها يوسا حقاً أقصر مما يذهب إليه خيال غالب القراء. فهو لم ينتم قط انتماءً حقيقياً إلى اليسار، ومغازلته العابرة لم تكن للاشتراكية بقدر ما كانت لإحدى المنتميات إلى الاشتراكية وهي (لي باربا) الفاتنة المستحيلة المنال التي التقى بها في جامعة سان ماركوس، وترافقا في أعوام الدراسة الجامعية في متاجر الكتب وحول طاولات النادي الليلي البوهيمي المعبأ بالدخان الذي كان يديره والدها الشيوعي. ومن تحت المظهر الثوري يعثر جيرالد مارتن في فارغاس يوسا على إيمان أرستقراطي بالهيراركية. فقد كان ’عيب التصنيع‘، على حد تعبير معاصر ليوسا في الجامعة، عيباً خلقياً، ويوسا لم يكن يوماً غير ’فتى ليما ابن الذوات‘”.
يذهب أنيل إلى أن سحر الفيلسوف الفرنسي جان بول ساتر هو الذي ألهم يوسا كتابة رواياته، قبل أن ينفر من ميل الفيلسوف الفرنسي إلى أنظمة الحكم الثورية وينفصل عنه وعن واليسار كله عام 1971 مع قضية باديلا، إذ تعرض الشاعر الكوبي هيبرتو باديلا للاعتقال والإكراه على تقديم اعتراف علني مهين دان فيه شعره ’المعادي للثورة‘ ورفاقه في المعارضة، فقاد يوسا حملة عالمية ضد تعامل فيدل كاسترو مع الكتَّاب. ولا يبدي جيرالد مارتن أي مودة تجاه هذه اللحظة التي تحرك فيها يوسا بشجاعة ليبرالية، بل ذهب إلى أن مقارنته بين كاسترو وستالين قامت على مبالغة كبيرة وأن حملته العالمية على هافانا ساعدت في عزل نظامها الحاكم في أشد لحظات احتياج يسار أميركا اللاتينية إليه”.
يكتب شكسبير أن يوسا الذي عاش منذ أواخر الخمسينيات بعيداً من البيرو، في باريس وبرشلونة ولندن “كان يرى أن له ’حرية إلهية‘ في أن يكتب وأن يفعل ما يشاء. لكنه في إشباعه لشهوته الجامحة في مزيد من الاستقلال، أوقع نفسه في حبائل عقد نفسية. فكان، في رأي زوجته باتريسيا، مثل أوديب إذ ’فرض على نفسه العمى‘ فلم يكن يرى واقع نفسه وعلاقاته بالآخرين، ولم يكن ذا بصيرة ورؤية إلا في خياله”.
ويحكي شكسبير عن لقاء له بباتريسيا في مدينة لا باث في بوليفيا تساءلت فيه: “لماذا، لماذا كل هذه الأكاذيب، وكل هذه الخدع، وكل هذه الخيانات؟”، وقالت “لقد كان شخصاً أنانياً وضيعاً”. ويعلق بأن جيرالد مارتن يوثق ما درج عليه يوسا من “غرس أنيابه ـ أنياب الذئب المنفرد ـ في أي يد امتدت له بالطعام: فـ’لم يكن الإيثار قط من طباعه… وإنكار الذات وفارغاس يوسا تعبيران لا يجتمعان أبداً‘”.
ويكتب براتيناف أنيل أن مارتن “يستعيد النساء اللاتي اختزلهن فارغاس يوسا إلى محض خامة لأدبه”. ويشير في هذا الصدد إلى كتابٍ، ليت مترجمي يوسا يتيحونه لنا بالعربية، إذ كتبت جوليا أوركيدي، زوجة يوسا الأولى، وبطلة “الخالة جوليا وكاتب السيناريو”، سيرة ذاتية بعنوان “ما لم يقله فارغيتاس”، “لتكشف الفجوة بين القصة الغرامية الناعمة التي كتبها فارغاس يوسا والواقع الأقل فتنة بما فيه من زنا وهجر. ومن أسف أن هذه السيرة لم تقترب قط من قوائم الكتب الأكثر مبيعاً”.
يمضي أنيل مع نساء يوسا: “ذهبت جوليا لتحل محلها باتريسيا، ابنة عمه، التي تصغره بتسع سنوات، فأنجب منها ثلاثة أبناء. شأن الكثيرات للغاية من زوجات الكتاب في جيلها، كانت هي المضحية الدائمة من أجل الفريق، وهي التي تسارع بالابتعاد بعربة الطفل المزعجة كلما صاح (باتريشياااا) أبعدي عني هذا الطفل، لا أستطيع أن أعمل. وبعد نصف قرن تم تغييرها هي الأخرى، وفي هذه المرة حلت محلها سيدة المجتمع الإسبانية إيزابل برايلسر، والدة المغني إنريك إيغلسياس، ومعها انتقل الكاتب الثمانيني أخيراً من عالم الأدب إلى صفحات مجلات المشاهير”.
يشير استعراض أنيل إلى شخصية كان لها أثر مهم في حياة يوسا في إنجلترا، وجعلت انتقاله إلى إنجلترا ذا أثر كبير لم يكن بالمتوقع، إذ “استقر يوسا في كريكليوود الهادئة التي تواءمت مع إيثاره لأجواء الضواحي المحافظة. وثمة دور لعبه المؤرخ هيو توماس، وهو مهاجر آخر ينتمي إلى اليسار، في حياة يوسا مثل الدور الذي لعبه فرجيل مع دانتي، فرافقه إلى طروادة المحافظين بل إلى ماغريت تاتشر نفسها في نهاية المطاف، فكتب عن لقائه معها بإعجاب بالغ مقالة بعنوان “سيدة وسط وحوش البرية”. وتبين أن الروائي الذي قضى عقوداً يفضح غوايات الأيديولوجيا ضعيف ضعفاً لافتاً أمام غواية جديدة. فبعدما رفضت البيرو مطامحه الرئاسية ببرنامجه النيوليبرالي في عام 1990، ازداد انغماساً في دوائر السلطة. وبات في رواياته الأخيرة يرى اليوتوبيا، وهي مصدر طموح اليسار، مرضاً مزرياً لا أكثر”.
وفي السياق نفسه يكتب نيكولاس شكسبير أن يوسا الذي لم يستطع الفوز برئاسة البيرو قرر أن يستعيض عنها بإسبانيا، فانتقل “إلى مدريد، مركز السلطة السياسية، وأصبح بطل احتفالات الذكرى الـ500 لاكتشاف كولمبوس لقارته وجعل من نفسه ’شخصية روائية لم يتسن له الهرب منها بعد ذلك‘، واتخذت رواياته منحنى هابطاً فباتت ’أضيق وأدنى‘ مع تحول مؤلفها إلى داعية للشعبويين اليمينيين من أمثال خافيير ميلي وجايير بولسونارو، مروجاً للأيديولوجيا الطوباوية التي سبق أن هاجمها في أدبه. و’هذا ما لا يصعب رؤيته مأساة تامة الأركان‘”.
“وبعد فوزه بنوبل عام 2010″ حسبما يكتب أنيل، “استغل يوسا مكانته لمصلحة اليمين المتشدد، فدعم دينا بولوراتي، حاكمة البيرو غير المنتخبة التي لا تبالي بإطلاق النار، وفي تشيلي دعم خوسيه أنطونيو كاست، المناهض للمثلية وللإجهاض، ودان النسوية باعتبارها ’أعدى أعداء‘ الأدب وعامل كل ميل انتخابي إلى اليسار باعتباره ردة”.
ولا مفر في سيرة ليوسا من حضور غارسيا ماركيز، وبخاصة لو أن كاتبها هو كاتب سيرة ماركيز أيضاً. يكتب شكسبير أن “مارتن يحكم بأن حياة يوسا هي الأكثر ملحمية، لكنه يرى الإنسان والكاتب أكثر تكاملاً في ماركيز. وفي تقدير مارتن أن يوسا كان يستطيع ’على المستوى التقني والتاريخي، أن يصل إلى مكانة تولستوي أو حتى هوغو، لكنه، على المستوى الروحي، لم يكن يملك إلى هذا أو ذاك سبيلاً‘”.
ولا مفر أيضاً في سيرة يوسا من ذكر لكمته الشهيرة لماركيز، فيكتب شكسبير: “سمعت القصة نفسها من كارلوس فوينتس الذي بدأ انفجارة الواقعية السحرية، ومن غييرمو كابريرا إنفانتي، صديق يوسا المقرب في لندن: في سعيه وراء مغامرة غرامية أخرى، هجر يوسا زوجته باتريسيا، فهربت إلى برشلونة. وبعد عشاء مع ماركيز، أوصلها الأخير بسيارته إلى الفندق ونصحها قائلاً: ’لو أنك تريدين استعادة ماريو، فعليك بإقامة علاقة أو التظاهر بإقامة علاقة مع مَن يغار منه، وهو لا يغار إلا من شخص واحد: أنا. ولما رجعت باتريسيا إلى أحضان زوجها أخطأت وحكت له. ولم يكن ماريو ممَن يحتملون المنافسة، فانفجر حينما رأى ماركيز بعد ذلك في مشاجرة السينما الشهيرة”.
يكتب نيكولاس شكسبير: “لقد كنت صديقاً ليوسا على مدى 40 عاماً، أعددت عنه أفلاماً وثائقية، وكتبت رواية نبعت من أحد أحاديثنا معاً، وأحببته حباً عظيماً، لكن قراءة الصورة الاستثنائية التي رسمها جيرالد مارتن جعلتني أدرك ضآلة ما أعلمه عنه”. وفي حين أن غالبية السير اليوم تنزع إلى “إعادة تأهيل” أبطالها على حد تعبير براتيناف أنيل، “فإن مارتن يكتب سيرة حياة نقدية عميقة…ويقدم سرداً أنيقاً موضوعه الحقيقي ليس فارغاس يوسا فقط وإنما البيئة الثقافية والسياسية التي كونته وفككته”.
عنوان الكتاب: Mario Vargas Llosa: A Life
تأليف: Gerald Martin
الناشر: Bloomsbury