بغداد/ تميم الحسن.. جريدة المدى
قد تكون المفاجأة التي يحملها علي الزيدي، رئيس الحكومة، إلى نيويورك، في لقاء محتمل هذا الأسبوع مع دونالد ترامب، أكبر من مجرد لقاء عابر.
فالتراجع الذي بدا واضحاً في ملف تفكيك الفصائل المسلحة خلال الأسابيع الأخيرة، قد لا يعني أن الخطة انتهت.
وربما كان ما حدث مجرد مناورة سياسية قبل الوصول إلى الموعد الذي حددته الحكومة في 30 أيلول.
في بغداد، تتحدث مصادر قريبة من الملف عن احتمال عودة خطة أكثر صداماً إلى الواجهة.
وقد تتضمن اعتقالات لمن يرفض تسليم السلاح، فيما تنفي الحكومة وجود موعد نهائي للمفاوضات.
المفاجأة قد تظهر في نيويورك
الحكومة العراقية قالت إن رئيس الوزراء علي الزيدي سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع.
وبحسب مصادر قريبة من الحكومة تحدثت إلى (المدى)، فإن الزيدي قد يحمل معه إلى نيويورك التزاماً متجدداً بموعد حصر السلاح بيد الدولة.
لكن السؤال الذي يسبق اللقاء هل تراجع الزيدي فعلاً عن خطة تفكيك الفصائل، أم فهمت المواقف بشكل خاطئ؟
قاسم الأعرجي، مستشار الزيدي، يقول إن لا موعد نهائياً لحسم النقاشات بشأن حصر السلاح.
وفي حديثه الأخير، نفى الأعرجي ما يجرى تداوله عن تحديد سقف زمني لأعمال لجنة حصر السلاح، وقال إن ذلك «غير صحيح إطلاقاً»، مؤكداً أنه «لا توجد أي مدة محددة لحصر السلاح بيد الدولة».
لكن كلام الأعرجي يمكن قراءته باتجاهين، وفق ما فهمته (المدى) من مصادر قريبة من الملف.
الأول، أن النقاش مع الفصائل قد ينتهي قبل 30 أيلول، وهو السيناريو الذي يبدو مستبعداً في ظل استمرار الخلاف على أصل فكرة التسليم.
والثاني، أن الحكومة وضعت بالفعل 30 أيلول كخط نهائي ويمكن تمديده لفترة قصيرة، لكن خلال هذه الفترة لن تسمح بأي تحرك بدون موافقة الزيدي، وسيتم الانتقال إلى إجراءات أخرى فور حدوث أي خرق كما حدث في قضية ميسان.
ثلاث لجان.. وثلاثة مواعيد للسلاح
في تصريحات الأعرجي الأخيرة، تظهر للمرة الأولى ملامح لجنة حكومية تتفاوض مع الفصائل، إلى جانب اللجنة الشيعية – الإطارية التي بدأت بثلاثة أطراف ثم أصبحت أربعة.
في حديث تلفزيوني، قال الأعرجي وهو مستشار سابق للأمن القومي وقيادي في منظمة بدر التي تعارض استخدام القوة ضد الفصائل، إن اللجنة التي تفاوض الفصائل تعمل بإشراف مباشر من رئيس الوزراء.
وذلك يؤكد، بحسب المعلومات المتوافرة، وجود ثلاث قنوات تفاوضية على الأقل.
الأولى، اللجنة الشيعية- الإطارية، التي تضم نوري المالكي ومحمد السوداني وهادي العامري، وانضم إليها لاحقاً همام حمودي.
الثانية، لجنة برلمانية يقودها عدنان فيحان، نائب رئيس البرلمان و القيادي في عصائب أهل الحق.
والثالثة، لجنة حكومية يقودها الأعرجي نفسه.
لكن اللجان الثلاث لا تتحرك بالضرورة على إيقاع واحد.
فقيس الخزعلي، زعيم «عصائب أهل الحق»، أُبعد عن اللجنة الأولى، رغم انه أحد زعامات «الإطار».
وكان لديه راي اخر بشان السلاح بحسب ماتقوله اوساطه، ويحاول تنفيذه عن طريق فيحان، فيما تبدو لكل جهة حدود مختلفة لما يمكن أن تسميه «نهاية ملف السلاح».
الاقتراحات تتدرج من أسابيع قليلة إلى أربع سنوات. وفي هذا التباين تكمن المشكلة من الذي يملك فعلاً حسم الملف؟
الحكومة تقول شيئاً، والإطار يناقش شيئاً آخر، والبرلمان لديه تصور مختلف، فيما ترفض الفصائل المسلحة حتى الآن الانتقال من الحوار إلى تسليم السلاح.
و الأعرجي يذهب أبعد من ذلك. فحين يصبح السلاح بيد الدولة بشكل كامل، يقول، فإن من يحتفظ بسلاح خارج الدولة سيعامل «معاملة الإرهابيين».
خطة لم تختفِ.. بل ابتعدت عن الضوء
عقيل عباس، الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي، يرى في حيدث لـ(المدى) أن هناك شعوراً عاماً بالتراجع عن الأجندة الأصلية، أي تفكيك الفصائل، لكنه يقول إن الملف لم يحسم.
ويشرح أن «الخطة الأصلية» كانت تعتمد على القضاء، عبر القاضي فائق زيدان، بالتعاون مع الزيدي، واستخدام جهاز مكافحة الإرهاب لاعتقال من يرفض تسليم السلاح إذا صدرت بحقه أوامر قبض.
لكن ما تغير، بحسب قراءته، ليس بالضرورة موقف الزيدي وحده، بل موقف «الإطار» من الخطة.
ويقول إن هناك مؤشرات على أن «الإطار» كان قد أعطى موافقة أولية ومبدئية عليها، قبل أن يتراجع عنها، خصوصاً بعد زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد.
ومنذ تلك اللحظة بدأت صيغة التعامل مع السلاح تتغير تدريجياً. من «النزع»، إلى «الخزن»، ثم إلى «التنظيم».
أما الفصائل، فانخرطت في الحوار، لكنها رفضت تسليم السلاح.
وحتى هذه النقطة ليست محسومة. فبين المقترحات المطروحة نقل بعض الأسلحة إلى إيران، أو تخزينها في مخازن تابعة للفصائل، أو وضعها في مخازن خاصة داخل الحشد.
ولا يتعلق الخلاف بالمكان فقط. هناك سؤال آخر: هل سيشمل التخزين كل الأسلحة، أم الأسلحة الثقيلة والصواريخ الباليستية فقط؟
ثم جاءت الهجمات على السعودية، لتمنح الزيدي فرصة سياسية جديدة.
فأبعدت الحكومة مسؤولين أمنيين في ميسان، وكشفت مواقع إطلاق المسيّرات وأغلقت الحدود مع إيران.
أكد الأعرجي دقة المعلومات السعودية، رغم روايات مضادة تحدثت عن إسرائيل وأوكرانيا وحتى الصومال.
وبحسب مصادر تحدثت إلى (المدى)، «قلبت» الإجراءات الرأي العام، وحولت الزيدي من رئيس حكومة تحاول قوى شيعية «الحجر» عليه إلى طرف يقود التحقيق في مصدر الهجمات.
وفي موازاة ذلك، بدأت قوى شيعية تبحث، تحسباً لصدام محتمل بعد 30 أيلول، عن تشكيل «مجلس قيادة» لتنظيم الإطار والإشراف على الدولة.
ويعني هذا المجلس، وفق المصادر، تقليص دور الحكومة ورئيسها.
ووصف مصدر الخطوة بأنها «استهداف للدستور ولشخص علي الزيدي» ولما تم الاتفاق عليه بين أميركا والعراق.
ماذا لو كان التراجع مؤقتاً؟
بالنسبة إلى عباس، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الخطة قد تغيرت، بل ما إذا كان الزيدي نفسه قد تراجع عنها.
وإذا حدث ذلك، يعتقد عباس أن مستقبل رئيس الوزراء السياسي سيتأثر بشدة.
فبحسب تقديره، سيتوقف الدعم الأميركي له، وقد يتحول موقعه من رئيس وزراء إلى مجرد «مدير عام» لمن يريدون إبقاءه، أو قد يفتح الباب أمام إقالته أو استقالته، ثم تبدأ المنافسة على المنصب.
فالمالكي يريده، والسوداني يريده، وآخرون أيضاً. بحسب مايقوله عباس.
وكانت إجراءات الحكومة الأخيرة تقرأ في أوساط سياسية باعتبارها تراجعاً عن نزع السلاح.
فالشعار الذي ظهر على التلفزيون الرسمي ثم رفع، وقارن بين تسليم السلاح والحصول على الحياة، إلى جانب الدفع نحو تشريع قانون الحشد، عدا مؤشرين على تخفيف لهجة الحكومة.
وجاء ذلك بالتزامن مع زيارات إيرانية رفيعة إلى بغداد، أبرزها زيارة محمد باقر قاليباف وإسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس.
وبدأ الإطار يتحدث عن ضرورة مراعاة «مشاعر الفصائل»، كما قال المالكي، فيما كرر العامري أن التصادم لن يحدث. وبحسب مقربين من الحكومة، ربما كان العامري يعول على هذه الفرضية منفرداً.
بعدها تغيرت اللغة من نزع السلاح إلى خزنه، ثم تنظيمه. أما الفصائل، فانخرطت في الحوار من دون أن توافق على التسليم.
مفاجأة نيويورك
الآن وصل الملف إلى نيويورك، وإذا التقى الزيدي ترامب، فقد تكون لديه فرصة لإعادة تثبيت الموعد – بحسب مقربين من الحكومة- الذي ظل يتراجع في الخطاب العراقي.
لكن حتى حدوث اللقاء ليس مضموناً بالشكل الذي يجري تداوله في بغداد.
كاتو سعدالله، الخبير في الشؤون العراقية- الأميركية، يقول لـ(المدى) إن اجتماعات الأمم المتحدة عادة ما تكون مزدحمة، وإن الرئيس الأميركي سيكون مشغولاً بلقاء قادة دول عدة.
ويشير إلى أن البيت الأبيض أكد اجتماع ترامب مع قادة السعودية وقطر والبحرين والإمارات لبحث قضية إيران وتداعيات الحرب، بينما لم يعلن، بحسبه، عن اجتماع مطول مع رئيس الوزراء العراقي.
ويتوقع سعدالله أن يكون اللقاء، إذا حدث، قصيراً؛ ربما تحية أو حديثاً سريعاً.
وقد يطلب الزيدي من ترامب فرصة إضافية أو تمديداً في ملف نزع السلاح، بحجة استمرار المفاوضات مع الفصائل.
لكنه يرى أن أهمية الملف بالنسبة إلى واشنطن قد تتراجع بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق، وأن التطورات المقبلة ستعتمد بدرجة أكبر على ما ستفعله إدارة ترامب تجاه إيران: هل تتجه إلى جولة جديدة من الحرب، أم إلى اتفاق في اللحظات الأخيرة؟
وبحسب سعدالله، فإن زيارة الزيدي هذه المرة لن تكون شبيهة بزيارته السابقة، وقد يكون هناك امتعاض أميركي من عدم إحراز تقدم في ملف الفصائل، وكذلك في ملف مكافحة الفساد.
فالزيدي كان قد وعد، أمام الإعلام، بأن 30 أيلول سيكون آخر يوم للفصائل.
ويقول سعدالله إن ترامب يمنح في البداية فرصاً لمن يقدمون الوعود، لكن الصورة قد تتغير إذا لم تنفذ تلك الوعود.
لقاء قصير.. ورسالة طويلة
عباس، في المقابل، يشكك في الرواية التي تقلل من أهمية اللقاء.
فإذا حدث اللقاء، يقول، فإنه سيقوي موقف الزيدي كثيراً، وقد يدفعه إلى التمسك أكثر بالأجندة الأصلية.
«أعتقد لقاء مع ترامب لن يحدث من دون ثقة أميركية أو فهم أميركي أن الخطة المتفق عليها ستنفذ»، يقول عباس.
ويضيف: «لن يكون هناك لقاء مع رئيس وزراء أخلف وعده أمام الأمريكان».