حمل الوفد السعوديّ ـ الباكستانيّ ـ التركيّ إلى طهران رسالة تحذيريّة حاسمة في توقيت إقليميّ بالغ الحساسيّة: لا مشاركة في أيّ حرب ضدّ إيران، لكن لا تساهل مع أيّ اعتداء على أمن دول المنطقة. وبين الضغوط الأميركيّة المتصاعدة وفرص التسوية التي تتضاءل، وضع “حلف مكّة” القيادة الإيرانيّة أمام خيارين: الانخراط في تفاهم يضمن الأمن الإقليميّ، أو تحمّل تداعيات مواجهة عسكريّة قد تهدّد استقرار النظام نفسه.
تذكر طهران الزيارة السابقة لوزير الدفاع السعوديّ الأمير خالد بن سلمان، في نيسان 2025. كان اسم المرشد حينها السيّد عليّ خامنئيّ، وكان الموعد قبل أيّام من جولة روما التفاوضيّة بين طهران وواشنطن.
اندلعت الحرب الأولى بعد شهرين، ثمّ أتت الحرب الكبرى بعد عشرة أشهر، ولم يبقَ من المرشد سوى اسم خامنئيّ الابن، مجتبى، ومنصبٍ تُنسب إليه البيانات والقرارات الكبرى. أمّا القرار الفعليّ، فيبدو أنّه لدى ذلك العسكريّ الذي استقبل الوفد (العسكريّ) لـ”حلف مكّة” يوم الإثنين: أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ محسن رضائي، القائد الأسبق للحرس الثوريّ.
عاد وزير الدفاع السعوديّ إلى طهران بعد ثمانية عشر شهراً بصحبة مختلفة: قائد الجيش الباكستانيّ المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركيّة إبراهيم كالن. جلس الثلاثة مع رضائي إلى طاولة مستديرة، وأوصلوا ما يصفه الإعلام الغربيّ بعرض اللحظة الأخيرة.
لماذا العسكر؟
لم تكن رسالةً أميركيّة، ولا عرضاً للتوسّط بين طهران وواشنطن، بل رسالة تخصّ السعوديّة ومنظومة الأمن الإقليميّة. حملت تركيبة الوفد بحدّ ذاتها جزءاً من رسالة الخطوط الحمر. أوفدت الرياض وزير دفاعها وشقيق وليّ العهد ومبعوثه الموثوق. وتمثّلت إسلام آباد بالرجل الذي يمسك فعليّاً بالقرار العسكريّ وقناة التفاوض في مسار إسلام آباد. وأرسلت أنقرة مدير جهازها الاستخباريّ. ووجد الثلاثة في انتظارهم جنرالاً من الحرس الثوريّ على رأس المجلس الذي يقرّر في الحرب والسلم. فيما غاب عن المشهد رئيس البرلمان، رئيس الوفد المفاوض في مسار إسلام آباد، محمّد باقر قاليباف.
تكلّم العسكر مع العسكر. يدلّ هذا الخيار على أنّ الوفد ذهب ليصف ما ينتظر المنطقة إذا فشلت الوساطات، ويحدّد الخطوط الحمر، تاركاً مسار التفاوض مع واشنطن للمسارين القطريّ والباكستانيّ، وربّما المسار الروسيّ المستجدّ، مع انعقاد القمّة الثلاثيّة بين الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان في موسكو أمس.
السّاعة الأميركيّة
أتت زيارة “حلف مكّة” لطهران قبل أسبوع من الانتخابات النصفيّة الأميركيّة، الموعد الذي تعهّد دونالد ترامب ألّا يضرب إيران قبله. لكنّ الإعلام الأميركيّ يتكفّل بتسريب ما يُحضَّر لما بعده: حشد عسكريّ وقوّات جاهزة للتحرّك خلال 96 ساعة من صدور الأمر، وخطط لضربات تمتدّ أيّاماً وتطال الصواريخ والمسيّرات ومنشآت الطاقة والمواقع النوويّة. يلخّص ترامب الموقف على طريقته: “إمّا صفقة، وإمّا القضاء عليهم”. وأمّا رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو فكان أكثر فجاجة في إعلانه أنّ إسقاط النظام الإيرانيّ هو “الهدف الأوّل”، ووجّه الجيش والموساد للعمل عليه.
ليست طهران في الوضع الذي كانت عليه قبل اندلاع الحرب الأخيرة. خنق الحصار البحريّ صادراتها النفطيّة، حتّى وصلت إلى حدّ نفاد مخزوناتها العائمة على ظهر الناقلات في عرض البحر، وباتت على شفير الانقطاع الكامل للإيرادات الدولاريّة. وبعد ذلك يبدأ العدّ العكسيّ لانفجار “التضخّم المفرط”، وهو الحدّ الفاصل بين “اقتصاد البقاء” والانهيار الشامل لمنظومة الدعم والرواتب الحكوميّة.
سيكون القرار الإيرانيّ برفض التسوية انتحاراً موصوفاً، مهما كان الرهان على قدرتها على إيذاء جيرانها وابتزازهم في اقتصاداتهم القويّة ومدنهم المزدهرة.
رسالة الحلف.. ونفاق الخطاب الإيراني
رشح عن اللقاء القليل، لكنّ القليل يكفي. وضعت الرياض، بحضور شريكَيها في حلف مكّة، السيناريوات العسكريّة التي تنتظر المنطقة وخطوطها الحمر أمام محاوريها. ترفض المملكة بأيّ شكل أن تتحوّل ساحةً للردّ الإيرانيّ على أيّ هجوم أميركيّ أو إسرائيليّ. وستردّ إن استُهدفت، لتضع حدّاً للابتزاز الإيرانيّ.
عند هذا الخطّ الأحمر، تضع الرياض حدّاً للنفاق في الخطاب الإيرانيّ: تهاجم الصواريخ الحوثيّة المطارات والمنشآت النفطيّة السعوديّة، فيما يتحدّث رضائي عن التعاون بين الدول الإسلاميّة، وينظّر بزشكيان في تعميق التعاون الإقليميّ واستثمار “الموارد والقدرات المشتركة للدول الإسلاميّة”.
جاءت رسالة حلف مكّة واضحة بثلاثة أركان:
1- لا تريد الدول الثلاث الحرب، وليست منخرطة في مساندة أيّة ضربة أميركيّة أو إسرائيليّة جديدة على إيران.
2- لن تخضع الرياض للابتزاز في أمنها الداخليّ وعصب اقتصادها وأمن الحرمين الشريفين. وإذا فُرضت عليها المواجهة، فسيأتي ردّها أكبر من حسابات الرؤوس المتعنّتة في طهران.
3- ثمّة فرصة أمام إيران للانخراط بشكل إيجابيّ في منظومة أمن إقليميّة تحترم سيادة الدول، وللتوقّف عن انتهاكها، وسيكون ذلك مفيداً لها في التفاوض مع الأميركيّين، كما أنّ بإمكانها أن تختار الطريق الآخر فتتحمّل العواقب.
ليست الحربُ أفضلَ السيناريوات. تُدرك الرياض أنّ أثمانها ستكون كبيرة إذا ما تزامنت الهجمات الحوثيّة من الجنوب مع هجمات إيرانيّة من الشرق. لكن إذا كان الخيار بين الابتزاز والمواجهة، فإنّها ستختار المواجهة. وقد أظهرت هجمات الأسابيع الماضية مدى جاهزيّة المملكة في صدّ الهجمات الإيرانيّة، عبر الحوثيّين، على منشآتها الحيويّة والاقتصاديّة. وتلك هي استراتيجية “حلف مكّة” والتحالف مع مصر والدول الأوروبيّة.
فرصة الاتّفاق
في الساعة الأخيرة، ثمّة عرضٌ على الطاولة يعمل عليه الوسطاء القطريّون، يتضمّن صفقة متدرّجة تمتدّ خمسة أيّام: تعيد إيران فتح مضيق هرمز، فيما ترفع الولايات المتّحدة الحصار عن موانئها. تتعثّر المعادلة عند سؤال الترتيب، إذ يضغط الوسطاء كي تقدّم طهران تنازلاً نوويّاً في المرحلة الأولى.
ليس واضحاً ما إذا كانت تركيبة النظام الإيرانيّ تسمح بالمرونة. كلّ ما يُقال عن سرديّة “حياكة السجّاد” و”تقشير الفستق” لوصف حنكة المفاوض الإيرانيّ يسقط أمام الحصيلة البائسة للسياسة الإيرانيّة: بلدٌ يعوم على ثالث أكبر احتياطيّ نفطيّ في العالم، وثاني أكبر احتياطيّ للغاز، يعيش 40% من شعبه تحت خطّ الفقر، ويحيط نفسه بدائرة كاملة من العداوات مع جيرانه العرب والمسلمين.
راهن حكّام طهران على اللعب بالأوراق كلّها في وقت واحد: المضيق ضدّ الاقتصاد العالميّ، والحوثيّين ضدّ الرياض، والوقت ضدّ ترامب، ونفاق “الأخوّة الإسلاميّة” ضدّ حلف مكّة. جاءهم الردّ بخلاصة محدّدة: نفدت الأوراق، وضاق الوقت. وقد أعذر من أنذر. ربّما عادوا إلى عقلهم قبل طلوع روح النظام.. هؤلاء قوم لا يعرفون من الشطرنج إلّا لوحها ولا من الفستق إلّا قشره، واعتقدوا في لحظة أنّهم أذكى أهل الأرض، ثمّ حشروا أنفسهم في زاوية الاتّفاق أو سقوط نظامهم.
لم يعد ثمّة وقت لحياكة السجّاد أو أكل الفستق. أمام طهران وقت قصير لتقرّر: إمّا حياة كريمة لشعبها في إطار منظومة إقليميّة متوازنة، وإمّا أن يُشعل الحائكُ النار في سجّادته.
