بقدر ما يعزز انضمام سوريا إلى التحالف الدولي من فرص تموضعها الدولي ويكسر عزلتها السياسية، إلا أن تحديات ومخاطر متنوعة قد تواجه السلطة السورية في حال تمت هذه الخطوة، أبرزها احتمالية حدوث اعتراضات من البيت الداخلي لها، يموازاة إمكانية تغيير “داعش” لخط المواجهة مع السلطة التي يكفرها.
ومن المنتظر أن تشهد العلاقات السورية الأميركية انعطافة تاريخية غير مسبوقة، مع قرب الإعلان الرسمي عن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”، في ظل ما كشفه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، أخيراً.
بنية السلطة لم تتغير
ويرى الباحث عرابي عرابي أن زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة تأتي في لحظة مفصلية من تاريخ الدولة السورية الجديد، فهي ليست محطة بروتوكولية عابرة، بل خطوة تعكس تحوّلاً عميقاً في مسار الشرعية السياسية لسوريا بعد سقوط النظام السابق، مؤكداً لـ”المدن” أن هذه الزيارة يتقاطع فيها البعد السياسي بالاقتصادي والأمني، إذ تسعى دمشق إلى ترسيخ اعترافٍ أميركي واضح بسلطتها الجديدة.
وحول مخاطر انضمام سوريا إلى التحالف الدولي على بنية السلطة الحالية، يلفت إلى أنها لن تكون موجودة نتيجة معطيات عدة منها، أن بنية التشكيل الفصائلي الذي قاد عملية سقوط النظام ليست جهادية بالمعنى المتعارف عليه وإن وجدت داخله شخصيات ذات خلفية جهادية، كما أن بنية الدولة ما بعد سقوط الأسد لم تتغير كثيراً بمعنى أنها لا تشبه مثلاً إمارة أفغانستان في حكم طالبان الحالي، وبالتالي، لا توجد مخاوف من البيت الداخلي للسلطة في حال تمت هذه الخطوة وانخرطت سوريا في التحالف الدولي.
تاريخ حافل ضد “داعش”
ويشير عرابي إلى نقطة مهمة جداً، وهي أن الحكومة السورية لا تخفي موقفها لـ”داعش” سواء انضمت إلى التحالف أم لم تنضم، مؤكداً أن الهيئة كانت تواجه تنظيم الدولة منذ زمن طويل ولها تاريخ واضح في هذا المجال ربما يتفوق في منجزاته على ما تروجه “قسد” في مواجهة التنظيم.
وبناء على هذا المعطى، يوضح عرابي أن المشهد والسياق لن يتغيرا في هذا الملف في حال تم الانضمام الرسمي للتحالف، باستثناء أن دمشق ستمسك بهذا الملف رسمياً مما سيهمش التعاون مع الجهات الأخرى.
ومن جانب آخر، يرجح أن إدارة المخيمات والسجون التي تضم عناصر تنتمي لتنظيم الدولة ستؤول إلى الحكومة السورية ما سيمنحها ورقة قوة إضافية.
مصدر عسكري: تصدع البيت الداخلي.. غير وارد
من جانبه، يلمح مصدر عسكري عامل في هيئة التوجيه المعنوي للجيش السوري في حديث لـ”المدن”، إلى أن إمكانية حدوث أي اضطراب أو تصعيد داخلي من الأطراف المنخرطة في المؤسسة العسكرية السورية أمر غير وارد، لأسباب منها أن تَوجُّه الهيئة والفصائل كان ولا يزال واضحاً ضد “داعش”، على اعتبار التنظيم كان يُصنف ضمن أدبياتها السابقة كـ”غلاة وخوارج”.
ويضيف بأنه حتى لو وُجد بين المؤسسة العسكرية من ينتقد الخطوة فسيبقى موقفاً فردياً، لأنه لا توجد تكتلات صلبة داخل المؤسسة أساساً، كما أن قيادات الصفين الأول والثاني ملتزمة بخط واحد يقوم على كل من: العقيدة القتالية ومدونة السلوك، اللتين أصدرتهما هيئة التوجيه المعنوي.
المخاطر الداخلية محتملة
أما المحلل السياسي درويش خليفة فيعتبر أن الأنباء حول زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن لإتمام اتفاق الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، إن صحت، فستكون خطوة إيجابية ومهمة على الصعيد الخارجي، لكنها في الوقت ذاته تنطوي على تبعات محلية معقدة.
ويوضح لـ”المدن” أن القوى المتشددة قد ترى فيها تهديداً مباشراً، لاسيما أن هيئة تحرير الشام كانت قد اعتقلت في آذار من العام الماضي أبا ماريا القحطاني بتهمة التواصل مع جهات خارجية، في إشارة إلى التحالف الدولي، قبل أن يُقتل في سرمدا بريف إدلب بعد شهر.
ويلفت خليفة إلى أن الشرع يقدم اليوم على هذه الخطوة متسلحاً بمنصبه كرئيس للمرحلة الانتقالية، في ظل خلافات داخلية حول الانفتاح على الغرب، والانقسام من الانفتاح على روسيا التي كانت تستهدف الحاضنة الشعبية لهيئة تحرير الشام، بوصفها النواة الأساسية للتحرك العسكري الذي أسقط نظام المخلوع بشار الأسد. كما تأتي هذه التطورات بالتوازي مع النزاع الأخير بين الهيئة ومجموعة من المهاجرين الفرنسيين، واصطفاف عدد من التركستان إلى جانبهم، ما يزيد المشهد تعقيداً.
ورغم أهمية الانضمام إلى التحالف الدولي من حيث كسب الشرعية الدولية وتعزيز موقع السلطة الجديدة، إلا أن الخطوة قد تدفع البلاد نحو احتراب داخلي تقوده خلايا “داعش” ضد مصالح الدولة، في وقت تفتقر فيه السلطة للوسائل العسكرية الكفيلة بردع التنظيم. كما قد تمنح هذه التطورات القوى المعترضة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وفرض واقع جديد ميدانياً، على غرار ما حدث بين عامي 2013 و2016 عندما تصدت فصائل الجيش الحر للتنظيم فيما اكتفت قوات النظام حينها بالمراقبة. لكن المعادلة اليوم مختلفة، إذ بات التنظيم يعتمد تكتيك المجموعات الصغيرة اللامركزية التي تنشط وفق مبدأ سهولة الوصول إلى الهدف وتنفيذه.
شكل المعارك ضد “داعش”
أما في خصوص شكل المعارك المتوقعة مع “داعش” بعد انضمام دمشق للتحالف الدولي، فيستبعد الباحث عرابي عرابي أساساً حدوث معركة كبيرة ميدانياً، مشيراً إلى أن المعركة ستكون على الصعيد الإعلامي الذي سيأخذ مساحة أكبر من التحركات الميدانية.
وبالنسبة للرد من قبل تنظيم الدولة على هذه الخطوة، يلفت عرابي إلى أنه غالباً لن يتخذ مسارات جديدة، بل سيقتصر على تحرك طبيعي واعتيادي عبر عمليات متفرقة تنفذها خلايا سرية، مع التركيز على محاولة الاختراق الحضري باتجاه مجتمعات أقلوية بهدف تنفيذ ضربات ذات طابع طائفي.
من جانبه، أشار مصدر عامل ضمن الاستخبارات السورية لـ”المدن” إلى وجود تحديات تواجه مكافحة خلايا “داعش” التي استغلت سقوط النظام للتمدد السري، مثل ضبابية المعلومات التي تتعلق بأماكن التمدد الجديدة وحجم الخلايا ونطاق التوزع الجغرافي، بالإضافة لدخول السلطة مجتمعات جديدة سجلت حضوراً لـ”داعش” في السابق سواء في الجنوب السوري أو الريف الدمشقي أو وسط البلاد، ما يعني احتمالية وجود شيء من الحواضن السابقة للتنظيم والتي تحتاج إلى مزيد من الدراسة والمعلومات الدقيقة.