تمثّل زيارة وزير الخارجية الألماني الجديد يوهان فاديفول إلى دمشق، أواخر الشهر الفائت، أول إعلان فعلي عن تحوّل بارز في المزاج السياسي الألماني حيال سوريا بعد عام تقريباً على وجود السلطة الانتقالية. هذه الزيارة، التي سبقتها خطوة تمهيدية مماثلة من الوزيرة السابقة أنالينا بيربوك، لم تكن منعزلة عن مسار داخلي وخارجي ضاغط يدفع برلين إلى كسر الصيغة التقليدية في التعاطي مع دمشق، وإعادة تعريف مقاربتها.
لا يكشف التحرك الألماني في دمشق عن سياسة خارجية مكتملة الملامح بقدر ما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو مقاربة “إدارة الملفات الضاغطة” التي تُعد نموذجاً معروفاً في سلوك الدول عندما تتقاطع اعتبارات الداخل مع متطلبات الحضور الخارجي. فبرلين تتصرف، في هذه المرحلة، وفق منطق ما تصفه الأدبيات السياسية بـ”البراغماتية التكيفية”، أي التعامل مع الواقع السياسي السوري كما هو، من دون الدخول في ترتيبات تفاوضية واسعة أو هندسة سياسية تتجاوز نطاق الملفات الفنية، وفي مقدمتها ملف اللاجئين.
هذا الانخراط المحدود لكنه ذو وزن وقيمة يبرز على خلفية تراجع فرنسي لافت، لا يعود إلى تبدّل جوهري في موقف باريس من دمشق الانتقالية، بل إلى ما يشبه إعادة ترتيب للأولويات الوطنية وفق ما تُسميه بعض نظريات السياسات الخارجية بـ”هرمية الاهتمامات”، حيث تتراجع الملفات التي لا تنتج عائداً سياسياً مباشراً لحساب الملفات المرتبطة بالضغط الداخلي وأزمات الشرعية والأمن الاجتماعي. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الانكفاء الفرنسي باعتباره امتداداً لحالة أوسع من “الاستنزاف الاستراتيجي” الذي أصاب الدور الفرنسي في إفريقيا، وما نتج عنه من ميل متزايد لترك الساحة الأوروبية تتحرك وحدها في الملفات غير المركزية، فضلاً عن الضغوط السياسية الداخلية الناتجة عن أزمات الشرعية التنفيذية والانقسام المجتمعي.
وضمن هذه الصورة المركبة، لا يمكن قراءة فتور باريس تجاه سوريا كتحوّل في الموقف المبدئي، بل كعرض جانبي لتآكل الحضور الفرنسي في ساحات الصراع المفتوحة، وتقدّم سلوك “إعادة التمركز الدفاعي” على حساب المبادرة الخارجية. وبينما تتحرك ألمانيا لسد الفراغ الذي تركته باريس وبقية العواصم الأوروبية، تواصل فرنسا مراقبة المشهد من مسافة آمنة، بلا أدوات ضغط فاعلة ولا رؤية ميدانية قادرة على التكيّف مع الضغوط الداخلية والتحول السوري خلال الفترة الحالية.
دوافع الحراك الألماني
في ظل إعادة هندسة الفعل الأوروبي تجاه سوريا، جاءت الزيارة الألمانية الأخيرة إلى دمشق لتجسّد مظهراً من مظاهر انزياح المركز الأوروبي التقليدي نحو مساحات براغماتية جديدة. فلم تكن الزيارة استثنائية فقط في توقيتها، ولكن أيضاً في مضمونها؛ إذ دخلت برلين إلى دمشق من موقع “الشريك البراغماتي” الباحث عن أدوات تأثير في الفترة الحالية، وليس بالضرورة من موقع الممثل لخطاب أوروبي موحّد. هذا التوجّه يكشف عن تحوّل في البنية السياسية الألمانية حيال سوريا، مدفوع أولاً باعتبارات داخلية تتعلّق بملف اللاجئين وضغوطات المجتمع السياسي، أكثر مما تحكمه استراتيجية أوروبية واضحة أو تفاهمات مؤسساتية داخل الاتحاد.
لم يكن الانفتاح الألماني على دمشق نتاج لحظة سياسية عابرة، بل حصيلة لتراكب ضغوط داخلية وخارجية تراكَمت على صانع القرار في برلين. ففي الداخل، بات ملف اللاجئين السوريين بنداً دائماً في الخطاب السياسي، خصوصاً مع تنامي دعوات بلورة سياسة “عودة طوعية” منسّقة. وتقتضي هذه العودة، وفق منطق الواقعية الليبرالية، التأسيس لقنوات تواصل مباشرة مع السلطة القائمة، باعتبار أن استقرار الدول الأصلية شرطٌ لسياسات إعادة الإدماج.
وفي هذا الإطار، يُفهم الحراك الألماني كممارسة لـ “البراغماتية التكيفية”، حيث تستجيب الدولة لمعادلات الواقع المتغيّر دون التخلي عن مبادئها المعلنة، بل بإعادة تأويلها في ضوء المستجدات الجيوسياسية والضغوط المؤسساتية المتداخلة على مستوى الاتحاد الأوروبي.
إلى جانب المحفّزات الداخلية، يبرز دافع جيوسياسي حاسم، يتمثل في سعي ألمانيا إلى توسيع نطاق فعلها الدبلوماسي في مرحلة ما بعد التحولات الإقليمية الكبرى، مستفيدة من إعادة توزيع غير معلنة للأدوار داخل الفضاء الأوروبي. فمع تنامي الحاجة إلى سياسة خارجية أكثر استقلالاً، خصوصاً في الملفات التي تلامس الأمن القاري والهجرة والحدود، تُشكّل سوريا اليوم ميدان اختبار حقيقياً لإمكانية بلورة سياسة أوروبية متعددة المركز، لا تُختزل في مقاربة واحدة ولا تحتكم إلى خطابات معيارية جامدة. ومن هذا المنظور، تتعامل برلين مع الملف السوري كمساحة محتملة لبناء تأثير طويل الأمد، شرط الحفاظ على توازن دقيق بين ضرورات التنسيق العملي، ومحدّدات الالتزام الأوروبي العام بالمسارات السياسية والدستورية الجارية.
ومفهوم السياسة الأوروبية متعددة المركز يقوم على تفكيك التصوّر الكلاسيكي للاتحاد الأوروبي كفاعل خارجي متجانس، لصالح فهم أكثر مرونة وتعددية يقرّ بتفاوت المصالح الوطنية داخل الفضاء الأوروبي نفسه.
هذا التصوّر، المستند إلى أدبيات الواقعية الليبرالية في العلاقات الدولية، يُفسح المجال أمام دول بعينها، كألمانيا، للاضطلاع بأدوار نوعية في ملفات خارجية دون انتظار إجماع كامل من بروكسل أو التماهي مع السياسات الفرنسية التقليدية. يُشبه هذا النموذج جزئياً ما قامت به بولندا ودول البلطيق في الملف الأوكراني، حين دفعت نحو سياسات ردعية متقدمة تجاوزت أحياناً إيقاع الاتحاد نفسه، دون أن تخرج عنه مؤسسياً. وفي الحالة السورية، تمارس برلين نوعاً من “الدبلوماسية المؤطرة” التي تسعى إلى إنتاج أدوات تأثير وتواصل، دون أن تتصادم مع الخطاب العام للاتحاد، ما يتيح لها مساحة مناورة استراتيجية قائمة على البراغماتية المؤسسية.
هنا يتضح أن برلين اعتمدت مقاربة مزدوجة؛ فمن جهة، يكون هناك إدارة ملف اللاجئين والهجرة بما يلبّي احتياجاتها الداخلية، ومن جهة أخرى، فتح قنوات عمل منخفضة التوتر مع دمشق تتيح التفاهم على مشاريع إنسانية أو خدمية لاحقاً، يمكن تقديمها كأرضية لـ”تطبيع تقني”. وفي الأدبيات النظرية، يُشار إلى هذه الأنماط من التعامل بـ”العلاقات منخفضة التوتر” أو سياسات “المشاركة المحدودة”، وهي مقاربة تُستخدم عادة في البيئات الانتقالية، مع الحفاظ على مستويات من التنسيق الفني والوظيفي.
حدود التراجع الفرنسي
رغم أن فرنسا كانت من أوائل الدول التي عبّرت عن استعدادها للتعامل مع السلطة السورية ضمن “إطار انتقالي مشروط” مطلع العام الجاري، إلا أن تحركاتها الفعلية ظلت محدودة وموزونة، ما يُظهر تحوّلاً في تموضعها من الدور القيادي المباشر إلى موقع “المراقبة الاستراتيجية” بانتظار تبلور التوازنات الجديدة داخل الاتحاد الأوروبي. ويعكس هذا السلوك ما يُعرف في النظريات الدبلوماسية بـ”الانخراط المحسوب” الذي يُستخدم في البيئات الانتقالية المعقّدة حين تتعذّر القراءة الدقيقة لدى دول ما لمآلات المشهد أو عندما تُعاد صياغة تقاسم النفوذ بين العواصم الأوروبية الكبرى.
منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تواجه فرنسا حالة من التصدّع السياسي الداخلي وضعف الاستقرار الحكومي، وهو ما انعكس على أولويات السياسة الخارجية، حيث بات الملف الأوكراني والأمن الأوروبي يحتل المقدّمة. كما أن صعود اليمين المتطرف داخلياً دفع مؤسسات القرار إلى التركيز أكثر على ملفات الهجرة والهوية، ما جعل المقاربة الفرنسية حيال سوريا ذات طابع أمني–إنساني أكثر منها سياسي–انتقالي.
في السابق، كانت فرنسا تتصدر الخطاب الأوروبي حيال سوريا، لكن التحولات التي شهدها الاتحاد الأوروبي مؤخراً أدّت إلى إعادة توزيع الأدوار، كما في حالة ألمانيا وإيطاليا وحتى المجر والنمسا، التي بدأت تقود خطوطاً موازية في السياسة الشرق–أوسطية. ضمن هذا السياق، يبدو أن فرنسا تراجعت خطوة إلى الخلف، منتظرة ما ستؤول إليه تفاهمات القوى الأوروبية بشأن طبيعة العلاقة مع الملف السوري.
تباين أدوات التأثير
التحرّك الألماني الأخير، وإن لم يؤسس بعد لتحوّل استراتيجي يقلب مركز ثقل الملف السوري على الصعيد الأوروبي من باريس إلى برلين، إلا أنه يكشف عن تبدّل تدريجي في توازنات التأثير داخل المنظومة الأوروبية. ففي مقابل الرأسمال السياسي والرمزي الذي ما تزال فرنسا تستثمره، تبني ألمانيا حضورها بأدوات إجرائية مرنة، ترتكز على البيروقراطية الفاعلة والموارد الاقتصادية، ما يمكن أن يتيح لها نسج شراكات تقنية منخفضة التوتر مع دمشق، من دون الحاجة إلى تفويض سياسي شامل من بروكسل.
في ظل هذا التباين، يُرجَّح أن تشهد المرحلة المقبلة نوعاً من التوزيع الوظيفي للأدوار داخل الاتحاد الأوروبي؛ إذ تتولى ألمانيا الملفات التنفيذية المرتبطة بالهجرة، والمساعدات، وإعادة الخدمات الأساسية، بينما تحتفظ فرنسا بدور “المراجعة السياسية” للملف السوري، مستندةً إلى خطابها في المسارات الأممية والقانونية.
غير أن هذا التوازن يظل هشّاً وقابلاً للتآكل. فنجاح برلين في بناء قناة تواصل مستقرة مع دمشق قد يمنحها، بمرور الوقت، اليد العليا في صياغة الموقف الأوروبي تجاه سوريا، خصوصاً إذا فشلت باريس في طرح بدائل واقعية تُمكّنها من استعادة زمام المبادرة.
بالعموم، فإن السياسة الأوروبية تجاه سوريا تسير في مسار غير متوازن، تُهيمن عليه الحسابات الوطنية للعواصم الكبرى بدل وجود رؤية موحدة داخل الاتحاد. في هذا السياق، يمكن التعامل مع زيارة وزير الخارجية الألماني إلى دمشق كإعلان ضمني عن بدء مرحلة جديدة من إدارة الملف السوري أوروبياً، قوامها الواقعية السياسية.
ما سيحدّد مستقبل هذا التحوّل ليس حجم الحضور الألماني، وإنما طبيعة التفاعل السوري معه، ومدى قدرة برلين على الحفاظ على هذا الحضور دون أن تفقد غطاءها الأوروبي.
في المقابل، إن استمرّت باريس في إدارة الملف من موقع المراقبة، فإنها قد تجد نفسها تدريجياً خارج معادلة التأثير، لأنها لم تبنِ لنفسها أدوات توازي وزن الخطاب السياسي الذي تتبناه.
وفي المدى القريب، يبدو أن سوريا باتت ميدان اختبار جديد لتوازن القوى داخل أوروبا.
