كتابة فريق التحرير البياني
مرحباً بكلّ من يقرأ نشرة الفراتس،
كثيرٌ من أبناء جيلي (جيل الألفية) يعرف العبارة التي وردت في المسلسل الكرتوني “جزيرة الكنز”: خمسة عشر رجلاً ماتوا من أجل صندوق. ربما لم يعد الكنزُ سببَ تَقاتُل الناس اليوم وإنما الصندوقُ نفسه، أعني صندوق الانتخابات. أكتب هذه النشرة على وقع فرز أصوات الناخبين في بعض الولايات والمدن الأمريكية، والصراع المحتدم بين الديمقراطيين والجمهوريين. أحد الفائزين في مدينةٍ بولاية ميشيغان فاق منافسَه بأحد عشر صوتاً فقط، لعلّه ردّد أهزوجة النصر مع ناخبيه: أحد عشر صوتاً في الصندوق.
مطوّلات الفراتس هذا الأسبوع كانت متنوعةً بين الانتخابات والتصويت والإعلام والحروب والاستعمار وتفسير القرآن. وكانت مطولاتنا من أقطارٍ متنوعةٍ كذلك، من أمريكا ولبنان وكرواتيا ومصر.
ففي صدر الأسبوع كتبت لنا الزميلة هبة أنيس عن حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” أو ما تُعرف به اختصاراً حركة “ماغا”. تعود جذور هذه الحركة إلى فترة ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، حين ظهرت مجموعةٌ محافظةٌ سمّت نفسها “حزب الشاي” تيمناً بحادثة الشاي التي وقعت في بوسطن وساهمت في اندلاع الثورة الأمريكية ثم استقلال أمريكا لاحقاً عن بريطانيا سنة 1776. حركة الشاي الحديثة كانت ضد إصلاحات أوباما الاقتصادية وضد توسّعه في الإنفاق الحكومي، وكذلك ضد تعاظم دور الحكومة الفيدرالية وزيادة الضرائب. استقطبت حركة ماغا الناشئةُ كثيراً من المنتمين لحزب الشاي وغيرهم من اليمينيين الإنجيليين وبعض الأسماء البارزة سياسياً من الحزب الجمهوري، وركزت الحركة على ملفَّي معاداة الصين والحدّ من الهجرة إلى أمريكا. لم يفقد الحزب زخمه حتى بعد خسارة ترامب انتخابات 2020، لكنه أصبح الآن في فترة رئاسة ترامب الثانية أكثر تصدعاً. إذ اختلفت توجهات المنتمين لحركة ماغا ودبّت بينهم الخلافات في قضيتين: دعم إسرائيل، وقانون الإنفاق الحكومي الذي اقترحته حكومة ترامب. وهذا ما سبّب إغلاق الحكومة الفيدرالية لأكثر من شهرٍ حتى الآن.
في مطولتنا الثانية، كتب الصحفي اللبناني مهدي كريّم عن خمسة عشر عاماً في انتظار قانون الإعلام اللبناني، الذي ظلّ يترنح بين أروقة مجلس النواب واللجان منذ آخر تعديل سنة 1994. يخشى الإعلاميون اللبنانيون أن يفقد لبنان واحدةً من أهمّ ميزاته، الحرية الإعلامية، في ظلّ سيطرة الأحزاب المتشظية سياسياً على مفاصل وسائل الإعلام ومصادر تمويلها. قانون الإعلام اللبناني الذي لم يُعتمد بعدُ، يكفل حرية الإعلامي ويمنع سجنه أو مقاضاته خارج قانون المطبوعات. كذلك ينظم القانون الجديد وسائل النشر الجديدة، كالمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها مما لم يكن منظماً قبل ذلك. يأمل الحقوقيون والإعلاميون أن تكون الحكومة الجديدة قادرةً على الحدّ من الافتراق الطائفي الذي أنهك البلد والناس، وأبرز مظاهره المحاصصة الطائفية حتى في وسائل الإعلام.
وكتب الروائي المصري ميشيل حنا مطولتنا الثالثة عن مقبرة الكروات في صحراء سيناء. تعود القصة إلى الحرب العالمية الثانية، حين عصفت الخلافات بمملكة يوغسلافيا التي كانت اتحاداً بين الكروات والصرب والسلوفينيين. هذا الخلاف قاد لتقلّب ولاءات قادتها بين طرفَي الحرب العظمى: المحور بقيادة ألمانيا وإيطاليا واليابان، والحلفاء بقيادة بريطانيا وأمريكا والاتحاد السوفييتي. هذه الحرب والخلافات في يوغسلافيا، وانقسام إيطاليا بين سيطرةٍ ألمانيةٍ في الشمال وأخرى بريطانيةٍ في الجنوب، جعلت كثيراً من المواقع أماكن غيرَ آمنةٍ للعوائل والأطفال. فاضطرت أعدادٌ كبيرةٌ للنزوح والهجرة. وممن تأثر بذلك الكروات الذين نقلتهم بريطانيا إلى بعض مستعمراتها الآمنة مثل مصر. فتشكلت مجتمعاتٌ كرواتيةٌ داخل الأراضي المصرية في مخيماتٍ كانت للجيش البريطاني في سيناء، والعريش وقرب الإسكندرية، وغيرها. عاش أولئك اللاجئون مع قساوة ظروف العيش والصحراء وقلّة المصادر، وتأقلموا وأنشأوا مدارس لهم وكنائس وأنديةً رياضيةً وثقافيةً، بحسب المتوفر لهم من إمكانات. لم يُتَح لبعضهم العودة للوطن إلا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ولم يبقَ أحدٌ في مصر إلا شواهد قبورٍ ظلّت أمارةً على حسن ضيافة مصر للأحياء والأموات. فقد ظلّ المسؤولون الكروات يزورون المقبرة الكرواتية في سيناء إحياءً لذكرى موتاهم وعرفاناً لمصر وأهلها.
وللزميل طارق حجي مطولةٌ عن التفسير الحديث، وموقع محمد متولي الشعراوي منها مفسراً جمع بين التعميم والبساطة من جهةٍ وبين معارضة بعض تفاسيره العقلَ من جهةٍ أخرى. وقد عدّها الزميل طارق سمةً تَسِم المنهجَ التفسيري الحديث كاملاً وليست خاصةً بالشعراوي. إذ امتاز التفسير التراثي بعدم اكتفائه بتفسير النص دون سياقه، بل كان المفسر ملمّاً بفرعٍ معرفيٍّ آخر أو أكثر من فرعٍ، ما يظهر في تفسيره الشامل آياتِ القرآن. في المقابل، كانت التفاسير المعاصرة تكتفي بالنص القرآني وحده دون سياقه، ولذلك ظهر ما يُعرف بتفسير المعنى الواحد والاكتفاء به، في حين كانت التفسيرات التراثية تقول بتعدد المعنى وتطرح كلّ احتمالات المعنى الممكنة. وقد قُيّض لتفسير الشعراوي الانتشار لبساطته وقرب أسلوبه لأفهام العامة، ولأنه أذيع في التلفزيون المصري وعدّة محطّاتٍ عربيةٍ سنواتٍ طويلة. وإتاحة تفسير بعينه في وسائل الإعلام عدّه الزميل طارق من محاولات الدولة الحديثة إدارة الخطاب الديني وإتاحة ما يمكن أن يُقال وما لا يمكن، عبر تبنّي تفسيرٍ أو منهجٍ تفسيريٍّ دون غيره. ويظلّ الشعراوي مثالاً للتفسير الحديث الذي سيتناوله الدارسون اعتراضاً وتأييداً، حتى يظهر تفسيرٌ موسوعيٌّ ذو منهج معرفيٍّ متماسك.
وآخر مطولاتنا عن صورة الفلاح الريفي المصري في الإعلام، كتبتها الصحفية المصرية شيماء اليوسف. إذ شكّلت نظرة الاستعمار والمستشرقين الغربيين صورةً قبيحةً عن الفلاح المصري، سرعان ما تلقّفها الإعلام المصري وأعاد تكريسها وتصديرها دون نظرةٍ ناقدةٍ أو فاحصة. فالفلاح عند أوائل من كتبوا عن مصر، من الرحالة والمستشرقين، مثالٌ على التخلف والوحشية والهمجية، وحتى أطفال الريف وُصفوا أوصافاً قبيحةً تَصِمُهم بالقذارة. وقد صوّرت السينما المصرية ما قبل ثورة 1952 الفلاحَ بنفس النمط والتصوير تقريباً. حتى النساء لم يَسلَمْن من التنميط الجائر، فكنّ مجرماتٍ أو جاهلات. بعد الثورة، حاولت السينما المصرية إعادة الاعتبار للفلاح جزءاً من الثورة المصرية وعضواً فاعلاً في مجتمعه، فصوّرت الفلاح الثائر على الظلم والمتمسك بالعادات الأصيلة. لكن بعد 1970، عادت صورة الفلاح السلبية في السينما المصرية، فتجده مثلاً مهاجراً ساذجاً ينبهر بالمدينة وحضارتها، مثل فيلم “عنتر شايل سيفه” من بطولة عادل إمام. فصورة الفلاح المصري كانت ضحيةَ أكثر من مئة عامٍ من التنميط والتصورات المجحفة، بدءاً من المستعمرين وكتاباتهم ومروراً بالصحف وانتهاءً بالسينما، لكن الجميع غفل عن أسباب عيش الفلاح البائسة من فقرٍ وجهلٍ وتهميشٍ وأمراض.
أرجو أن تجدوا في مطولات الفراتس بُغيَتَكم. وأختم بعبارةٍ أخرى ردّدها جون سيلفر، بطل المسلسل الكرتوني “جزيرة الكنز”، حين حلّ اللغز لاكتشاف موقع الكنز: “في ليلةٍ البدرُ فيها يكتمل، ضربةٌ واحدةٌ للجرس..”. لو رفعنا رؤوسنا لرأينا القمر بدراً، فنحن في منتصف شهر جمادى الآخرة، أرجو أن يجد كلٌّ منكم كنزه، أيّاً كان ذلك الكنز.
إلى لقاء..