-
-
-
تنظر هذه المناقشة في أوجه مختلفة من العنف كفاعلية بشرية لم تَغِب يوماً عن التاريخ المكتوب. في تناول سابق، ميزتُ بين ثلاث عائلات كبرى من العنف؛ التعذيب والحرب والإرهاب، وهنا محاولة لفهم كُنْه العنف وآثاره.
ولا يحتاج تناول العنف مرة ومرات إلى تبرير. فهو منتشر حولنا، خَبِرَهُ ما لا يحصى منّا مباشرة أو بصور أقل مباشرة، ويبدو مَلمحاً بارزاً لوجودنا في العالم في العقود الأخيرة، نُعاني منه ونمارسه، ولا نجد سُبُلاً لتوقّيه من غيرنا أو ضبطه من جهتنا أو جهاتنا.
1
ماذا يفعل العنف؟ يكسر، يحطم، يقطع، يجرح، يؤلم، يقتل، يُدمر. هذا أول ما ينبغي أن يحضر في الذهن عند ذكر العنف. ويجمع بين الأفعال المذكورة أنها تمسُّ بسلامة أو تَكامُل من أو ما يتعرض للعنف، من إنسان أو حيوان أو شيء، ومن جسم بشري أو مجتمع محلي أو بيئةِ حياة. السلامة هي الشرط الأول لحياة ونشاط الكائن، ويتصل بها السلام الذي يتجاوز معناه غيابَ الحرب إلى الحياة الآمنة المثمرة، المُفتَقَدَة بشدة في مجالنا. في العربية كلمةٌ أخرى مُقارِبة في دلالتها لما هو سليم: الصحيح، التي تعني غير المكسور أو المقطوع أو المبتور، وليس فقط المُعافَى. الصحة، مثل السِلْم، لا تقتصر على الدلالة الطبية المعلومة للكلمة، غياب المرض، بل تتعداه إلى الحياة الصحيحة، السليمة والمُتكاملة.
ونقيضُ العنف في العربية هو الرِّفق، وهو يعني اللطفَ ولينَ الجانب وحُسنَ المعاملة. والرفيق، الكلمة التي دخلت أدبيات التنظيم والسياسة في أحزاب معاصرة، تشير إلى علاقات رِفق ولُطف مُفترَضة ضمن هذه المنظمات والأحزاب. والكلمة بعد ذلك اسمُ علم، تدل على معنى مُستحسَن اجتماعياً. وبينما ليس لكلمة عنيف حياة اصطلاحية مثلما لكلمة رفيق، فإنها جديرة بحياة كهذه، بالنظر إلى وفرة العُنُف (جمع عنيف) في حياتنا المعاصرة. يستحق غير قليل من الناس لقب عنيف، وكان أصحَّ لو وُصِفَ غير «رفيق» قائد في ماضينا القريب بالعنيف القائد.
وعلى تلك الدلالات الأولية للعنف، المضادة للسلامة والصحة، يقوم النفور منه والعمل على تقييده في كل المجتمعات والثقافات. وبالعكس الثناء على الرفق. ورغم أن كل المجتمعات والثقافات تعرف العنف وتُطبِّعُ ضروباً منه، إلا أن أشكال تنظيمه وتطبيعه تختلف. الصيغة المعاصرة المنتشرة عالمياً تفعل ذلك بحصر مجاله، جعله اختصاصاً لأجهزة بعينها، ونزعِ صفته الاستعراضية، الترهيبية اجتماعياً. كان العنف أكثر سيولة وعلانية في أوروبا قبل القرن التاسع عشر، الذي حلَّ السجنُ فيه كشكل قياسي للعقاب محلَّ استعراضات التعذيب والقتل التي قدم ميشال فوكو مثالاً مروعاً عنها في مطلع كتابه المراقبة والمعاقبة. في مطلع القرن العشرين، عرَّفَ ماكس فيبر، عالمُ الاجتماع الألماني، الدول باحتكارها للعنف الشرعي، المقبول اجتماعياً والمنضبط قانونياً والمُراقَب قضائياً. لكن خلافَ ذلك، تَعرِضُ مجتمعاتنا العربية المعاصرة درجة عالية من التعايش مع العنف وتطبيعه، ومن انفلاته وعدم حصره في نطاقات محددة (سواء عبر توكيل الدول مقاولات قمعية لجهات غير منظمة، أو عبر انهيار الدول وانتشار الميليشيات)، ومن اتساع دوائر مُمارسيه وعدم انضباطهم بقواعد معلومة، ومن غياب أو ضعف الرقابة الاجتماعية عليه، ومن سيلانٍ واسعٍ له في الحياة العامة، ثم بعد هذا كله من غيابٍ واسعٍ بدوره للتفكير فيه.
لكن قبل المضي أبعد في هذه المناقشة، يتعيّنُ الانتباه إلى أن العنف ليس شخصاً وهو بحد ذاته لا يفعل شيئاً، إنه اسم لأفعال يقوم بها أشخاص (وإن أُطلِقَ كذلك على حوادث الطبيعة الحية وغير الحية). ما يكسر ويقطع ويبتر ويجرح ويؤلم هو أشخاص يتصرفون بعنف، يفعلون أفعالاً نَصِفُها بأنها عنيفة ضد أشخاص آخرين أو ضد أحياء وأشياء. وهو ما يعني أن ما يتعيَّنُ ضبطه وتقنينه ومُراقبته هو العنيفون أو «العُنُف».
2
وهذا قد يستلزم عُنفاً للقيام به.
يحدث في التاريخ أن كسرَ أشياء أو قطعها أو تحطيمها، وجرحَ أناس أو حتى قتلهم، يكون مقبولاً، وربما مرغوباً. تخطر بالبال أسماءُ كثير من العُنُف العامّين، لكن ليس من اللياقة ذكرهم. هناك شيء ميت لا يموت، وقد يُستحسَنُ إعطاؤه دفعةً عنيفة إلى قبره. كان ماركس يقول إن العنف قابلةُ التاريخ، بما يعني أنه ليس هناك ولادات لما هو جديد دون عنف يُرسِلُ ما هو قديم إلى قبره. ماركس نفسه كان يقول إن الثورات قاطرةُ التاريخ، وكان مقبولاً في زمنه وحتى عقود قليلة مضت أن الثورة بوصفها حلولَ نظام اجتماعي جديد مَحلَّ نظام قديم لا يمكن إلا أن تكون عنيفة. القديم لا يزول من تلقاء نفسه.
لكن لعلَّ الكلمة التي يُستحسَنُ أن تستوقفنا في العبارتين الماركسيتين أعلاه هي التاريخ. ماركس مفكر من القرن التاسع عشر، قرن التاريخ، وتلميذٌ لهيغل، فيلسوف التاريخ، ومعاصر لثورات عنيفة بمتاريس وبطولات وإعدامات. ومثل أوروبيين كثيرين كان واعياً كُلَّ الوعي بأنه معاصر لأشياء عظيمة وغير مسبوقة، أي أن التاريخ يتحرك، وله جهةٌ يتحرك نحوها وغاية، هي في نظره الشيوعية أو ملكوت الحرية. العنف يبدو ضرورياً للتخلُّص من عوائقَ تسدُّ مجرى التاريخ، لكنه سيزول كلياً بعد ذلك، وستصير التناقضات المُحتمَلة بعد الثورة تناقضات غير تناحرية. لكن لماذا سيتوقف من مارسوا العنف بهدف إزالة العوائق عن ممارسته، بالنظر إلى أنهم سيتشكلون نفسياً وفكرياً بهذه الممارسة التي قد تستمر سنوات طويلة، ربما طوال أعمارهم الناضجة، وإلى أن العنف سيعود عليهم بأفضليات اجتماعية وسياسية وأمنية متعددة؟ لا نجد إجابةً عند ماركس الذي شاركَ اشتراكيي القرن التاسع عشر نظرة طيبة حيال الطبيعة الإنسانية.
يفصلنا عن ماركس نحو قرن ونصف، زمن طويل جرت خلاله مياه كثيرة تحت الجسور مثلما يُقال ودماء غزيرة فوق الأراضي، ومنها ما بَرَّرَ نفسه بأفكار ماركس، وبتسهيل منه. فإذا كان للتاريخ جهةٌ معلومة، وإن كانت هناك حتميةٌ تاريخية تقرر هذه الجهة وغايةٌ للتاريخ مُتمثِّلة في بلوغ الاشتراكية، فلمَ لا نساعد الحتمية ونُسرِّع بلوغ الغاية، فنتخلص من العوائق المتمثلة في طبقات مُستغِلَّة وعقائد مُتحجِّرة وذهنيات عتيقة وتقاليد بالية وغير ذلك من بنى فوقية آفلة، هذا بينما نبني القاعدة المادية للمجتمع الاشتراكي الجديد؟ شيء من ذلك فعله ستالين فسرَّعَ بالفعل النمو الاقتصادي الروسي، لكن بأثمان إنسانية رهيبة، لا تقتصر على ملايين ضحايا المجاعة، الهولودومور، في أوكرانيا وحولها خلال النصف الأول من ثلاثينات القرن الماضي، ولا ضحايا الغولاغ، بل تتعداهما إلى انهيار الاشتراكية السوفييتية بعد موت ستالين بـ 35 عاماً عنه. لقد غرّبَ تَوحُّشُ الستالينية، وانتفاعُ ورثته من أفضليات الاستئثار بوسائل العنف، قطاعات واسعة من المجتمعات السوفييتية عن المشروع، ونشرَ قدراً واسعاً من اللامبالاة والسينيكية في أوساطها، فلم يكد يدافع أحدٌ عن طوبى آملة انقلبت إلى إيديولوجيا مُحافِظة، إن استعدنا مقابلة كارل مانهايم بين المفهومين.
هذا لا يقطع حتماً بإدانة العنف السياسي بكل أشكاله، لكنه يفيد بأنه أداة جامحة، يتعين أن تُستخدَمَ بحذر، باقتصاد، وتتقيد برؤية اجتماعية وسياسية واضحة. ولعله يزكي الحذر من مزاعم المعرفة المسبقة لاتجاه التاريخ (أو لمعنى الحياة، أو فيما يخصنا اليوم لإرادة الله).
3
الموقف من العنف بالتالي ليس حصراً مسألةَ «قِيَم إنسانية عامة»، بل هو كذلك مسألة سياسية وتاريخية، تُحيل إلى أوضاع عيانية يتعيَّنُ النظر فيها عن كثب. النقطة الجوهرية ضد العنف لا تقتصر على أنه يقطع ويجرح ويحطم ويقتل، وهذه أشياء مضادة للحياة والسلامة والسلام، بل تتخطى ذلك إلى إنه يُرجَّحُ أن يُمارَسَ كخيار تفضيلي وبمقادير كبيرة ممن يملكون وسائله، ومن لا تشغل اعتبارات الحياة والسلام والعدالة مواقع مركزية في تفكيرهم. من يملكون المطارق يفكرون في كل مشكلة كمسمار يتعين تثبيته أو قلعه. وحين تملك مسدساً فإنه يُحتمَل أن تُسارع إلى اللجوء إليه لحل مشكلات تَعذَّرَ حلها بوسائل أخرى، أو لم يتعذر. والمثال الإسرائيلي ناطقٌ جداً. العنف هو الحال المُفضَّل لأن القوم يملكون وسائله بفوره، ولأنهم آمنون من العواقب بفعل عُمقهم الاستراتيجي الأميركي والغربي.
امتلاك وسائل العنف يخفض عتبة اللجوء إليه. وهو، أي امتلاك وسائل العنف، مسألة امتلاك، أي مُلكية، أي ثروة. ويُحتمَل أن هذه المُلكية تحققت هي ذاتها عبر السلطة والعنف، ما يخلق حلقة عنف- ثروة مغلقة. في تحليل ماركس للتراكم الرأسمالي الأولي، تشغل القرصنة والعبودية والاستعمار واحتلال أراضٍ وموارد جديدة موقعاً مركزياً. فأصلُ التراكم الرأسمالي ليس رأسمالياً. ونعلم من مثال إسرائيل، التي قامت على نزع ملكية الفلسطينيين لأراضيهم وبيوتهم وأملاكهم، أن التراكم الأولي الإسرائيلي قام على المجزرة والاستعمار.
تقييم العنف، بالتالي، يُوجِبُ طرحَ السؤال التالي: ماذا إذا كان العنف يستهدف سلامةَ من لا سلامة ولا سلام لأحدٍ في عالم يَسودونه، كثير من الحكومات وأقوياء السلطة أو الثروة الذين يريدون ضبط الجميع ولا يضبطهم هم شيء؟ ثم ماذا إذا كان العنف يستهدف شيئاً شائخاً استهلكَ عمره ولا يموت، فيبدأ باستهلاك أعمار فتية؟
4
العنف الذي يقطع ويكسر ويحطم ويقتل من يتعرضون له، المُعنَّفين، له آثار نوعية على من يمارسونه: المُعنِّفين. وأولها أنه يَحولُ، حين لا يكون عارضاً، دون ظهور وتطور أساليب مُغايِرة للتفاعل بين الناس أو بينهم وبين العالم من حولهم. بقدر ما نختار العنف أو نعتاده، فإننا نستغني به عن مسالك غير عنيفة، سياسية أو قانونية أو رمزية، لتعاملاتنا. أجهزة المخابرات الأسدية مثالٌ على الاستغناء بالعنف، التعذيب في هذا المقام، عن مناهجِ تحقيق أكثر حذقاً وأقل تدميراً. وإنما في صلة وثيقة بهذا الاعتبار يتعيّنُ أن تَخضعَ الشؤون العسكرية للسلطة السياسية، لأن العسكريين يميلون إلى حلول عسكرية لما يَعرِضُ أمامهم من مشكلات. قبل أكثر من قرن قال سياسي فرنسي شهير، كليمنصو، إن الحرب شأنٌ أهم من أن يُترَك للعسكريين.
العنف يُفقِر مُمارسيه، يختزلهم إلى عنيفين بقدرِ ما يصير عادةً لهم. وفي هذا المجال يكتسي المثل الشعبي السوري: «جرّي دم، ولا تجرّي عادة» بصواب مضاعف. إذ إن العنف كعادةٍ هو جَعلُ جريانِ الدمِ اعتيادياً، أو عملياً قتل الناس. هذا باب دمار مفتوح مثلما نعرف جيداً في سورية.
وليس إلا مُتوقَّعاً أن تنتهي حياة «العُنُف» بالعنف بوصفهم عاملين في حقله، دون أن يكون ثمة وجهٌ عادلٌ لإدانة ذلك. مقتل قاسم سليماني مثلاً مُتوقَّع لأنه عنيفٌ وقائدُ عنف. وليس مثله مقتل لقمان سليم، الكاتب والناشر والصحفي. مقتل نتنياهو الذي أمرَ للتو بقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، فحكمَ بأن تكون الجولة الحربية الحالية حرباً مطلقة، لا يمكن أن يكون مُداناً من وجهة نظر هذه الحرب بالذات. العنف المُدان هو ما يطال غير العاملين في حقل العنف؛ المدنيين.
أما أثر العنف على المُعرَّضين له فهو أَظهَر: يقضي على الروابط بين الناس حين لا يقضي على الناس أنفسهم. وبهذا يُقوِّضُ المجتمعَ حين لا يُفنيه. وحين يكون العنف منظماً ومنتشراً فإنه يقترن بالخوف الذي يدفع الناس إلى الانكفاء على دوائرهم الخاصة، ما يُشتت مجتمعهم الأوسع أو يرده إلى جُزُر لا تختلط وتتمازج فعلياً. يمكن أن نتكلم على مجتمع مكسور، مُحطَّم، جريح، مُقطَّع الأوصال… مثلما قد نَصِفُ حال فرد تعرض لعنف مُحطِّم.
ومن التجربة السورية نعرف أنه كلما كانت الدولة عنيفة، وعنفها غير منضبط، تداعى المجتمعُ وتَحوَّلَ إلى عُصَب وعشائر ومجموعات لا تثق ببعضها. هذا كان مُحقَّقاً في الحقبة الأسدية، ويبدو واقعُ سورية اليوم استمراراً لها من حيث انتشار العنف وعشوائيته، ومن حيث تَقطُّع المجتمع وتجزؤه. كان عنف النظام الجديد في الساحل والسويداء عنيفاً وفائضاً ومُذِلاً، ليس منضبطاً ومُقنَّناً، يشبه في ذلك العنف الأسدي.
ثم إن المجتمع يتكون حول إنتاج وتَبادُل السلع أو الخيرات المادية، وأثر العنف مُدمِّر على هذه العمليات، مثلما يشهد المثال السوري، وقبله المثال العراقي، وقبلهما المثال اللبناني. تدمير المجتمع لا ينحصر في تدمير علاقات الثقة بين الناس، بل كذلك تدمير تبادلاتهم.
وتدمير تفاعلاتهم البشرية. المجتمعات الأشد عنفاً لا تأكل طعام بعضها ولا تتزاوج بين جماعاتها. يتحكم بها نازعُ نقاءٍ وعدمِ اختلاطٍ يمنع الخبز والملح، كما يمنع الحب والزواج. وقد يجري حظرُ الزواج قانونياً مثلما فعل النازيون حيال اليهود وجميع غير الآريين.
ولا تحيا الثقافة في بيئة عنف تَدفعُ، بالأحرى، النجاةَ والأمانَ إلى صدارة مطالب الناس. في دلالتها المعيارية تعني الثقافة الرهافة والصقل والتهذيب، وهو ما يتعارض مع العنف وخشونته بقدر ما يتعارض معه الرفق. ثم إن الرهافة والصقل تصير من الكماليات، حين تكون الضروريات، حماية الحياة ذاتها، مهددة. وبتلك الدلالة المعيارية، الثقافة ميدانٌ للخلق والإبداع، بينما يقترنُ العنف بالقتل والإماتة. وتضمر الثقافات العنيفة، حتى في بلدان «متحضرة» مثل ألمانيا (تميل الثقافة الألمانية إلى مماهاة الثقافة بالحضارة، وكان فرويد يقول إنه يزدري أي تفريق بين الكلمتين) قبل أقل من قرن واحد. وهو ما حدث بقدرٍ ما في الاتحاد السوفييتي، ويحدث في أي مجتمعات إسلامية ذات مَنازِعَ شمولية، تندمج فيها السلطة السياسية والدينية.
يتعامل منتجو الثقافة بالكلمات أو الأصوات أو الألوان أو الأداءات والكتل وغيرها، وهي كلها تتوافق مع التفكير والتروي والرفق. الثقافة لا تُحطِّم، والفن لا يَقتل، والخلق لا يُميت.
وينفي العنف الدين بقدر ما ينفي السياسة والمجتمع والثقافة، أو لنقل إنه ينفي روح الدين، الإيمان (وعائده الروحي من الأمان). وهذا سواء كان الدين مُعنِّفاً أم مُعنَّفاً. حين يتعنَّف ينقلب إلى عصبية غاضبة أو حتى مجنونة، وحين يُعنِّفُ يصير سلطة مطلقة قاتلة، وفي الحالين يموت الإيمان. تجربتنا السورية تعرض هذين الوجهين معاً.
5
ومثلما أَلمحنا للتو، يمكن التمييز بين عُنفٍ عنيف وعُنفٍ مُنضبِط. العنف العنيف خشن، فائض عن الكفاية، كيدي ومُهين. العنف الأسدي عنيف. والعنف ما بعد الأسدي كان عنيفاً في الساحل والسويداء. وليس العنف المنضبط رفيقاً، لا يمكن للعنف أن يجري برفق، لكنه يمكن أن يُمارَس وفق قواعد، منها أن يكون كافياً وغير فائض، فتوقيفُ شخص مثلاً لا يقتضي ضربه أو إطلاق النار على قدميه، ومنها ألّا يكون شخصياً ولا يتغير باختلاف مكانة الأشخاص، ومنها ألا يكون مُهيناً أو كيدياً. هذا بخصوص العنف البوليسي العادي.
وهناك اتفاقيات دولية تحظرُ التعذيب والمعاملة المهينة، وتُقنِّنُ العنف الحربي بأن يكون مُسبَّباً ومُتناسِباً، وتُجرِّمُ الإرهاب أو استهداف المدنيين لغايات سياسية. وهي تتراوح مثلما هو واضح بين حظر ضروب من العنف، ومحاولة ضبط أو تقييد ضروب أخرى.
والواقع أن الاتفاقيات الدولية قلما احتُرِمَت في الحروب، وبخاصة حروب الأقوياء ضد ضعفاء. إسرائيل لم تحترم قط أي قواعد حربية في مواجهة مقاومات الفلسطينيين، تُحيلها جميعاً إلى الإرهاب، وهو الشر السياسي الأساسي في زمن ما بعد الحرب البادرة، ومُسوِّغٌ للإبادة. وفي حربها الأخيرة جمعت بين الجينوسايد وبين الاعتداء الجنسي واسع النطاق على المعتقلين والمعتقلات الفلسطينيين، أي بين الإبادة الجسدية والنفسية. أميركا مثلها في ذلك، والقوتان مثالان للدولة المارقة أو الفلتانة في عالم اليوم.
وعنف حربهما الحالية ضد إيران عنيف، عنفُ حرب مطلقة، أي بلا ضوابط ولا قواعد، ما دام قد بدأ بقتل المرشد.
6
ليس هناك عنفٌ يستغني عن تبريرٍ لأن العنف لا يملك تبريره في ذاته. ولأنه كذلك، فإنه لا يكون مُبرَّراً إلا إذا كان جزءاً من سياسة، أو أداة من أدوات سياسة تسيطر عليه وتتحكم به. أجزاء السياسة الأخرى هي الكلمات والأفكار والقواعد والمؤسسات. ويجب أن تكون قوية ومتينة حتى تستطيع التحكُّمَ بالعنف وضبطه. وهذا لأن العنف أداة جامحة، وقد يُسيطر على مُمارِسيه من قوى سياسية أو دينية أو فكرية. دول المخابرات هي دول يَرجَحُ فيها قطاع العنف، أو بالتحديد النافذين إلى أدواته وشاغلي المواقع العليا فيه، بينما يقلُّ وزن التبرير، الأفكار أو القِيَم المُشرِّعة، إلى حدِّ أن يحل العنف محل السياسة، فيستغني مُديروه عن الأفكار والقِيَم، أو يفقدون القدرة على التحكم بآلات العنف التي أطلقوها. وقد تسحقهم هم بعد حينٍ يطول أو يقصر. مصيرُ ألمانيا النازية ونظام الخمير الحمر ونظام الهوتو في رواندا، أمثلة على انفلات آلات العنف من حُكْم المُتحكِّمين. والحكم الأسدي كذلك، الذي ضمرت قدراته السياسية والفكرية، حتى تعطلت قدرته على إدارة آلته العنيفة ذاتها.
هل يمكن تَصوُّرُ أوضاع يتفوق فيها المكون الفكري والقيمي للسياسة على المكون العنفي؟ هذا تقريباً هو الوضع المُفترَض للديمقراطيات الليبرالية بعد الحرب العالمية الثانية في بلدانها، وليس خارجها بحال. ويظهر اليوم أن هذا الوضع المُفترَض مُقلقلٌ فيها هي ذاتها، وأن عتبة العنف التمييزي ضد قطاعات من السكان، مهاجرين أو ملونين أو مسلمين، منخفضة وأقرب إلى الاعتباطية. وبصورةٍ ما، يظهرُ أن هذا الشرط الذي خبره الفلسطينيون والمتضامنون معهم في ألمانيا وبريطانيا وأميركا أثناء الجينوسايد الإسرائيلي في غزة هو ارتدادٌ للعنف الإسرائيلي على داخل هذه البلدان، الداعمة لتلك الإبادة والمُغذِّية لها بالمال والسلاح والسياسة (والرجال أحياناً). الأمر يشبه ارتدادَ العنف الاستعماري في الداخل الأوروبي أيام النازيين، مثلما حلله إيميه سيزار وحنة آرنت وغيرهما.
هذا للقولِ إن العنف اليوم لا يزول من العالم، وإن جرى إبعادُ مسارحه مثلما يفعل الأميركيون والإسرائيليون اليوم، وإنه يجد طرقاً للتفجُّر ماكرة وغير مُتوقَّعة، وإن السبيل الوحيد لتجنب تَفجُّراته هو عدم رعايته هنا أو هناك.
ما يُكسَبُ بالعنف، حتى إذا كان مشروعاً، يجب أن يُعاد كَسبه بالفكر والقواعد كي يصبح اجتماعاً وحضارة. أما إذا لم يكن مشروعاً، مثل أمثلة الإبادات وحروب العدوان التي ذكرناها للتو، فإنه يُسقِطُ نفسه بنفسه بعد حين. تطول الأحيان السابقة للسقوط ما بين سنوات وعقود وأجيال. لكن يبدو أن القاعدة وراء السقوط هي رجحان وزن العنف في البناء السياسي أو الاجتماعي أو الحضاري القائم.
وعموماً فإن أساس الحضارة هو الأفكار الإنسانية والقيم العادلة والقواعد المُطَّردة والمؤسسات المتوازنة، القوى التي تتيح للبشر التَحكُّمَ بما قد يضطرون إليه من عنف. إذ يبدو أن استئصال العنف كلياً من الوجود البشري ممتنع. والخيار الباقي لنا هو ضبطه والتحكُّمُ به.
7
وهذا اليوم مسألة عالمية وليست مطروحة في بلدان دون غيرها. لأن العالم أكثرُ وحدةً من أي وقت سبق، فلا مجال لتصدير العنف إلى الخارج لأنه لم يعد ثمة خارج، أو لنقل لأن العنف المُصدَّرَ سيعود بصور متنكرة مثلما شهدنا في الحقبة النازية، ومثلما شهدنا أثناء الإبادة الإسرائيلية المدعومة غربياً في غزة. ما نفعله في العالم نفعله لأنفسنا، يقول إيمانويل وولرشتاين، أي أن ما تقوم به حيال الآخرين أو ضدهم يُغيِّرك، فتتشكل بفعلك، وبخاصة إن كان هذا الفعل متكرراً. ثم إنه قد يمكن عكس عبارة وولرشتاين، والقول إن ما نفعله لأنفسنا، بخاصة حين نكون فاعلين عامين، وبالأخص حين نكون فاعلين عامين مؤثرين: منظمات، شركات، دول، مليارديرات (فلنفكر في جفري أبستين وشبكة علاقاته وجزيرته الكاريبية وأفعاله) هو فعلٌ في العالم، يُغيره، يُشكِّله على صورتنا. وحين يكون فعلاً مُفسِداً أو عنيفاً أو تمييزياً، فإنه يخلقُ ممكناتٍ للإفساد والتمييز والعنف في نطاقات أوسع من نطاق فعله الأول. هناك فجور أبستيني في حرب نيتنياهو وترمب الراهنة.
اليوم، القانون الدولي والمؤسسات الدولية في أزمة، فلا تستطيع ضبطَ عنف الأقوياء المنفلت. ونسير نحو أوضاع يتفوق فيها المكون العنفي للسياسة على المكون الفكري والقيمي والقانوني، ونحو رجحان هائل لوزن مالكي العنف، وأبرزهم إدارة ترمب، في النطاق الدولي، وإسرائيل في إقليمنا، ما يضع أميركا عالمياً وإسرائيل إقليمياً في موقع مُناظِر لموقع أجهزة المخابرات في بلد تحكمه دكتاتورية عاتية. تَسبَّبَ هذا بكثير من الأذى سلفاً، وهو مستمر في ذلك. ولا ريبَ أنه سينقلب يوماً على أميركا وإسرائيل، مثلما انقلبَ على الحُكْم الأسدي بعد سنوات طويلة.
-