تبدو واشنطن اليوم أكثر علانيةً في سعيها لتكريس التحوّل السوريّ الجديد، وتحويله إلى مسارٍ نهائيّ يضع دمشق في خانة الحلفاء أو الشركاء السياسيين للولايات المتّحدة داخل المشهد الدولي العام. فالإدارة الأميركية لا تخفي رغبتها في أن تكون سوريا، بعد أكثر من عقدٍ من الصراع والعزلة، ركيزةً في إعادة رسم توازنات المنطقة بما يخدم استراتيجيتها الشرق أوسطية، خصوصاً في ظلّ التحوّلات الإقليمية المتسارعة.
ترى واشنطن أنّ ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من تغيير في المقاربة السورية تجاه بعض الملفات الإقليمية يمثّل فرصة نادرة لتثبيت واقعٍ جديدٍ، يقوم على قطع ممرّ طهران – بيروت الذي طالما شكّل شريان النفوذ الإيراني في المنطقة، وتقويض قدرة طهران على التأثير داخل ما يُعرف بـ“الهلال الشيعي”. وفي هذا الإطار، تعمل الولايات المتّحدة على ترجمة التحوّل السياسي والأمني السوري إلى نتائج ملموسة على الأرض، تُضعف حضور إيران وتمنح واشنطن هامشاً أوسع للتحكّم في خرائط النفوذ الجديدة.
في المقابل، تدرك دمشق أنّ الاستفادة من هذا الانفتاح الأميركي والغربي قد تشكّل ورقة ضغطٍ مهمّة في وجه العبث الإسرائيلي في الجنوب السوري، الذي تجاوز حدود الغارات الجوية إلى تدخّلٍ مباشر في الشؤون المحلية عبر دعم فصائل محدّدة أو فرض معادلات أمنية واقتصادية تخدم مصالح تل أبيب. ومن هنا، تسعى سوريا إلى تحويل أي دعمٍ أو تقاربٍ أميركي إلى مظلةٍ سياسية تتيح لها استعادة بعض من سيادتها الميدانية المفقودة، ووقف الانتهاكات المستمرة على أراضيها.
وبين هذين الاتجاهين – الأميركي الطامح إلى إنهاء نفوذ إيران، والسوري الساعي إلى تحصين الداخل – يبقى السؤال الأهم: هل يمكن فعلاً تحويل هذا التقاطع المؤقت في المصالح إلى تحالفٍ استراتيجي طويل الأمد؟ أم أنّه مجرّد فصلٍ جديد في لعبة التوازنات التي ما زالت تعصف بسوريا والمنطقة منذ أكثر من عقدٍ من الزمن؟