عمّار المأمون – كاتب سوري
الشرع حمل السلاح ووجّهه ضد سوريين آخرين، لم يدافع عنهم، بل قتلهم لأسباب أيديولوجيّة. كما هجّرت هيئة تحرير الشام قرى مسيحية ودرزية حين استتبّ لها الحكم في إدلب، بل إنها نبشت قبر شيخ متصوف وأخفته في مكان مجهول. لا نعلم إذاً أي “ظلم” يتحدث عنه الشرع حين حمل السلاح وأراد دفعه عن الناس!
كُلّلت تحولات أحمد الشرع “البراغماتية” ومسار “نزع التشدد” الذي مرّ به، بزيارته البيت الأبيض. دخل الشرع المكتب البيضاوي، قابل دونالد ترامب، وتبادلا الصور والهدايا والضحكات، لحظة تدشين الوجه الجديد لـ”الحرب على الإرهاب”، أحمد الشرع، أبو محمد الجولاني، الجهادي السابق، ورئيس المرحلة الانتقالية، الذي سيعود إلى دمشق مع قبعة “ماغا”، علامة الولاء لترامب.
احتفى السوريون – الأميركيون بزيارة الشرع، وعمل داعمو اليمين الأميركي من السوريين الجمهوريين على استقبال الشرع أفضل استقبال، بل إن طارق نعمو، من سهّل اللقاء بين الشرع وبين براين ماست، قال إنه مستعد للتخلي عن كرديته في سبيل سوريا، هكذا هم المفرطون في وطنيتهم إذاً، يسلخون هوياتهم في سبيل بلادهم، حسّ وطنيّ عال يتمحور حول أحمد الشرع نفسه. حسّ وطني دفع بمعاذ مصطفى، المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ، إلى وصف ما حصل في واشنطن بأنه “ترتيب ربانيّ”، وأن الشرع يأتي رجل مثله كل مئة عام!
ظهر الشرع أيضاً في لقاء على فوكس نيوز، أبرز القنوات الداعمة لترامب، والتي أخطأ القائمون عليها، ووضعوا صورة الشرع وراء العلم السوري القديم! لكن هذه تفاصيل. رئيس سوريا الجديدة لا يهمه القناة وتيارها السياسي، المهم “سوريا” وطمأنة الأميركيين بألا علاقة له بأحداث 11 أيلول/ سبتمبر، إذ كان بعمر الـ19، ولم يكن له حينها قرار.
تكررت حجة “طيش الشباب” على لسان أحمد الشرع لتبرئة نفسه من ماضيه الجهادي في العراق وفي سوريا، ماض تشهد عليه مئات الجثث، لكن هي رعونة شابّ أمضى النصف الأول من حياته في السجون الأميركية بالعراق، والنصف الثاني في الأنفاق متخفياً في سوريا، حيث بايع داعش، ثم القاعدة، ثم أسس جبهة النصرة، ثم هيئة تحرير الشام، وكلها مصنّفة كجماعات إرهابية، وارتكبت من الجرائم ما ارتكبته. لكن ذلك كله لا يهمّ، فورة مراهقة، وسوريا بلد معقّد، وحسب ترامب، الشرع ذو ماض “قاس” وهو الشخص المناسب للحكم ، لكن لا إرادة للسوريين في أي شيء مما سبق.
يرسم الشرع في أميركا ماضيه كما يشاء، ويخاطب كل جمهور كما يريد، تبرأ من القاعدة بحجة الشباب، لكنه أكّد أنه “مقاتل” وحارب تنظيم داعش وخليفته، لكنه أيضاً يعيد رسم حياته الشخصية، فحين سئل عن الصحافي الأميركي المفقود في سوريا أوستن تايس، أكد أن جهود السلطة السورية لم تتوقف لإيجاد خبر عنه، وأن والدته التقت والدة تايس، فهي أيضاً، أي والدة الشرع، ظنت ابنها ميتاً لسنوات!
مقارنة تتجاهل أن تايس لم يختر أن يختطفه النظام السوري ويختفي أثره بعدها، بينما أحمد الشرع، اختار طريق “الجهاد”، و”الاختفاء” بعد عودته إلى سوريا من العراق، والخوض في الجماعات الجهاديّة، لكن هذه هي “البراغماتية”، تلك التي لا يفهمها أحد سوى مطبّلي الشرع وبعض المستشرقين، ناهيك بأنه في لقائه مع الواشنطن بوست، وتحت صور الشطرنج المريبة، يطالعنا الشرع بدرس عن أخلاقيات القتال قائلاً: “القتال ليس شيئاً مشيناً إن كان لأجل أهداف نبيلة، خصوصاً إن كان المرء يدافع عن أرضه والناس الذين يعانون من الظلم… حين يقرر أحدهم حمل السلاح، عليه أن يمتلك خلفية أخلاقية قوية جداً”.
تصريح مثالي طوباوي، يغفل فيه مؤسس جبهة النصرة، أنه استهدف الجيش الحر مرات عدة، وخطط لتفجيرات استهدفت من حمل السلاح أيضاً ضد النظام السوري، ناهيك بأن الشرع نفسه، لم يتبنَّ “الثورة السورية” والعلم الجديد إلا متأخراً، لم يكن هدف الشرع حينها إسقاط النظام أو تحرير السوريين، حصل ذلك لاحقاً بعد التعاون مع التحالف الدولي والهدنة مع روسيا ونظام الأسد.
الشرع حمل السلاح ووجّهه ضد سوريين آخرين، لم يدافع عنهم، بل قتلهم لأسباب أيديولوجيّة. كما هجّرت هيئة تحرير الشام قرى مسيحية ودرزية حين استتبّ لها الحكم في إدلب، بل إنها نبشت قبر شيخ متصوف وأخفته في مكان مجهول. لا نعلم إذاً أي “ظلم” يتحدث عنه الشرع حين حمل السلاح وأراد دفعه عن الناس!
تسأل الصحيفة الشرع بوضوح عن خطته لـ”ضمان عدم استمرار الهجوم على الأقليات”، فيجيب قائلاً: “إنهم يتحدثون عن تهديد وجودي لإيمانهم ومللهم”، يتابع أن التعايش في سوريا بين الجماعات الدينية المتنوعة قائم منذ 1400 عام. اختيار التاريخ الهجري هنا ذو دلالات عدة، لكن لا يهم الآن، يتجاهل الشرع، القائم على السلطة في دمشق، أن مجازر الساحل والسويداء تمت بتواطؤ مع القوات الحكومية أو تسهيل منها، ونتيجتها استباحة فئات من السوريين وإذلالهم بسبب دينهم و”ملتهم”، وإهانتهم بصورة واضحة! أفلا يُعتبر هذا تهديداً للتعايش!
أكثر تصريحات الشرع التي تثير الاستفزاز، قوله التالي: “قاتلت في حروب عدة، لكني لم أتسبب أبداً بموت شخص بريء”، هكذا نرى بأعيننا كيف يتم تزوير التاريخ وغسيل الماضي الجهادي من دون مساءلة من مطبّلي السلطة الجديدة، جبهة النصرة، بقيادة أبو محمد الجولاني، فخخت وفجّرت في مدن سورية عدة، استهدفت منشآت النظام والمدنيين. هؤلاء الضحايا المدنيون لا عدالة لهم، موتى غير معترف بهم، كونهم كانوا يعيشون “في مناطق سيطرة النظام”.
ادعاء عدم التسبب بـ”موت شخص بريء” مشين للضحايا وأهلهم وللشرع نفسه الذي ينكر تاريخه بعبارات منمّقة، تاريخ نعلم أنه لن يحاسَب عليه ولا أي أحد من الفصائل وقادتها، كون العدالة الانتقالية في سوريا لا تمس سوى “مجرمي النظام البائد”، هي البراغماتية الفصامية إذاً، أبو محمد الجولاني ليس أحمد الشرع أبداً، لكن، في الحالتين، كلاهما مسؤول عن قتل أبرياء، الأول “يُبرأ” لأنه كان شاباً طائشاً، والثاني ما حجته؟ مشغول بلعب كرة السلّة!
الشرع وبعد الحديث عن انضمامه الى التحالف الدولي لقتال تنظيم الدولة، أضحى الوجه الجديد لمكافحة الإرهاب، “منصب” يتولاه بمباركة من ترامب الذي لم يوفر فرصة للإعجاب بالجهادي السابق. نعته بالقويّ وذي الماضي القاسي، ثم تبادل الضحكات معه ورشّه بالعطر، هكذا يهندم أفسد رئيس في العالم الابن الأخير للجهاد العالميّ، هكذا هو الاستشراق الجهادي، صور ناصعة لجهادي سابق يلعب الشطرنج ، كل شيء معقّم، ولا تهم الحقيقة، فضمن الاستشراق الجهادي، تاريخ الدماء لا يشوش على الصورة، والأهم، لا أعداء لسوريا سوى داعش، وكأن روسيا لم تقصف الشرع نفسه، والتحالف لم يقصف ويقتل في المنطقة الشرقية من سوريا، كل الدول الكبرى بريئة من دماء السوريين!
اكتمل إدراج الشرع على الساحة العالمية، أخطاء “طيش الشباب” لا حساب عليها، والتاريخ الجهادي يمكن التغاضي عنه ببزّة نظيفة وصور ناصعة، ولقاء على “فوكس نيوز”، وآخر مع “الواشنطن بوست”. رجل سوريا الجديد جاهز لتدشين “الشرق الأوسط الجديد” بنكتة. يعطّر ترامب الشرع بما وصفه بالعطر “الأفضل على الإطلاق” ويهديه زجاجتين، الأولى له والثانية لزوجته، ويسأله:” كم زوجة لديك ؟” فيرد الشرع وهو يضحك: “واحدة”.
يتكرر المشهد أمام الكاميرات حين يقول الشرع لترامب، إن هناك هدية لميلانيا، فيقول الشرع: “القطعة الثانية للسيدة الأولى، كم زوجة لديك أنت؟”، يرد ترامب:”حتى الآن واحدة”.
“حتى الآن واحدة”، هكذا إذا هو نادي الرجال ذوي الماضي “القاسي”، سؤال عن عدد الزوجات، مسايرة للنكات السمجة، تبادل عطور وهدايا، أعداء سابقون ثم أصدقاء مفرطو الرجولة، قصف متبادل ثم ضحكات ونفض غبار الماضي وأشلاء ضحاياه، والنساء نكتة للتندر!
أما عن نتائج الزيارة، ففعلياً لا شيء جديد، لم يُرفع قانون قيصر! بل رُفع الشرع ووزير داخليته عن قوائم الإرهاب، أي لا عراقيل أمامه إن أراد لعب كرة السلّة في أي مكان في العالم!