عصام حوج. كاتب
لا تزال السلطة في دمشق تتعامل مع المسألة السورية وكأنها مجموعة من “الملفات” المنفصلة: ملف الشمال الشرقي (الأكراد)، وملف السويداء (الدروز)، وملف الساحل (العلويين)… وكأن السوريين جزر متباعدة لا يربط بينها وطن واحد ولا يجمعها وجع واحد. هذا النهج يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا لا تُجمع هذه الملفات على طاولة واحدة، مادامت كلها تعبيرات عن أزمة وطنية واحدة؟
هل تتصرف السلطة بهذا الشكل لأنها لا تؤمن أصلاً بوجود شعب سوري واحد، بل ترى البلاد كتجمع هويات منفصلة يجب التعامل معها كل على حدة؟ أم لأنها لا تدرك طبيعة الأزمة العميقة التي تعيشها سورية، وتظن أن معالجة كل ملف بمعزل عن الآخر سيؤدي إلى استقرار؟ الواقع يشير إلى العكس: تجزئة الملفات عمّقت الشرخ، وأطالت عمر الأزمة، وفتحت الباب واسعاً للتدخل الدولي، إذ بات كل ملف من هذه الملفات مرتبطاً بطرف خارجي يتفاوض عليه.
وهنا يبرز التناقض الأكبر: كيف يمكن للسلطة أن ترفع شعار “عودة سلطة الدولة” و“استعادة السيادة”، بينما تقبل عملياً بمسار يقسّم القرار الوطني، ويحوّل كل منطقة إلى ملف تفاوضي مع جهة خارجية؟ وما معنى أن يتأزّم الوضع في السويداء كلما تجدد الحديث عن قرب اتفاق بين “قسد” والسلطة؟ من صاحب المصلحة في إبقاء هذه الملفات مشتعلة ومتباعدة؟
الحقيقة أن سورية تعيش أزمة وطنية شاملة ومأزقاً وجودياً لم ينجُ منه أحد. أزمة طالت البشر والاقتصاد والثقافة والتاريخ، ودفعت البلاد إلى حافة تقاسم النفوذ وشرعنة التقسيم. وفي مواجهة مأزق بهذا الحجم، لا يمكن لأي طرف أن يزعم القدرة على الحسم منفرداً؛ فقد أثبتت السنوات أن كل طرف حاول الانتصار وحده وجد نفسه في مأزق جديد.
لذلك لا مهرب من التوافق الوطني، ولا توافق بلا تفاوض وحوار حقيقي، علنيّ وواضح، ومن دون شروط مسبقة، وبإدارة سورية. يمكن للعامل الدولي أن يدعم الحوار بحكم تشابك التحالفات الإقليمية والدولية، لكن لا يجوز أن يصبح بديلاً عن الحوار بين السوريين أنفسهم.
فالحوار ليس “تبويس شوارب”، كما يفسر البعض، بل هو شكل من اشكال الصراع، ولكنه صراع حضاري بديل عن السلاح الاعمى، صراع يقوم على اساس البرامج السياسية تتنافس من خلاله التيارات السياسية حول من يمتلك برنامج حقيقي لاستعادة سوريا الى السوريين – كل السوريين.
السوريون اليوم لم يعودوا بحاجة إلى مفاوضات مجتزأة ولا إلى وعود مبعثرة، بل إلى اعتراف بأنهم شعب واحد، مهما تعددت قومياتهم وأديانهم وطوائفهم. فالتعددية خصيصة سورية أصيلة، لكنها لا تنفي أن هناك أزمة وطنية واحدة تخص الجميع، وأن الخروج منها يتطلب رؤية مشتركة، ومسؤولية مشتركة، ومستقبلاً يُكتب على طاولة واحدة لا عشر طاولات.