أثارت إشكالية التكرار، في اللغة والفن والثقافة الجماهيرية، كثيراً من النقاشات الفلسفية، خاصة مع تقدّم حركة التحديث والتمدين منذ نهايات القرن التاسع عشر. ففي المدن الكبرى، التي تُكَثِّف في نواتها الحضريّة إمكانيات تقنية وتواصلية غير مسبوقة تاريخياً، اكتسب التكرار بُعداً آلياً ونمطياً، وبات النسخ والاستنساخ متاحاً وحاضراً، بشكل يطرح أسئلة عن معنى «الأصل» و»الأصيل» نفسه. فبين أكداس النسخ المتعددة للجرائد، والكتب، والصور، الاسطوانات الموسيقية، بل حتى لافتات الشوارع وعلامات الطُرق، بدا أن الحضارة نفسها دخلت في دوامة من التكرار النمطي الخاوي من المعنى الراسخ.
الثقافة الجماهيرية زادت الإشكالية ثقلاً، إذ أن تكرار الإيقاعات والصيغ اللغوية والرموز والجماليات، التي تُعتبر مُبسّطة، و»آمنة» بكل المعاني، من العلاقة مع السلطة وحتى القدرة على تحقيق الربح، أدى لنشوء «جمهور» موحّد الذائقة، ومُعطّل القدرات النقدية، إلى درجة تدعو للقلق. بدا أن تلك الثقافة صُمّمت لإلغاء التعددية، وأصالة التجربة الجمالية، لحساب الاستهلاك، في حشد قابل للتطويع. ومع ازدهار البروباغندا، في النصف الأول من القرن الماضي، بدا أن الثقافة الجماهيرية طريق مباشر إلى الشمولية والفاشية. فمن تجميع الأجساد في المصانع، التي قد تنتظم في نقابات ستالينية أو فاشية، إلى استهلاك صناعة الترفيه، التي تُهيّئ الجمهور لعبادة غير مقدّسة لرمز، أو زعيم، وتصنع الأساطير المعاصرة، ظهرت المجتمعات الصناعية على هيئة ماكينات حرب، مجهّزة لارتكاب أسوأ الفظائع، مثل الإبادة الجماعية المنظّمة؛ الاستعمار؛ والحروب الكونية فائقة التدمير.
من جانب آخر، دافع فلاسفة ومنظرون، وصفوا أنفسهم أحياناً بـ»الطليعية»، عن التكرار، وأحياناً عن البروباغندا والثقافة الجماهيرية. فالتكرار بحد ذاته ليس تثبيتاً للمعنى بالضرورة، وإنما إعادة إنتاج له في سياقات متعددة، قد تولّد الاختلاف بطرق لا حصر لها. يبعدنا التكرار الآلي الحديث عن أي مفهوم للجوهر الثابت الأصيل، وهذا جيّد. وبين النُسخ المتكررة بلا نهاية، والمحاكاة لأصل مُتخَيّل، ومحاكاة المحاكاة، ربما تظهر خطوط متعددة للانفلات من السلطة؛ وفيما قد تصنع الثقافة الجماهيرية حشداً شمولياً، فإنها أيضاً قادرة على منح أفراد كثر آليات للفعل والتغيير والمقاومة، عبر ما توفّره من إمكانيات غير محدودة للتلقي والتعبير؛ فضلاً عن جمالياتها الخاصة، التي لم يدركها الفلاسفة النقديون الكلاسيكيون. فوسط التكرار والتنميط والتبسيط، بل حتى الرداءة، قد تتولّد معانٍ ورموز وتجارب شعورية، لم تخطر ببال منتجي الأعمال الجماهيرية أنفسهم، ويعيد البشر استملاك تلك المعاني والرموز، وتأويلها واستعمالها، بطريقة يصعب ضبطها من قبل أي سلطة.
ذاك كان جانباً من حوارات القرن العشرين، و»قضايا عالم أول» غالباً، فيما بدا أن ثقافة القرن الحالي، حول العالم، قد تجاوزتها، فالتكرار والنسخ الآلي، صار من البديهيات الثقافية، بل أمسى موضوعاً قديماً ومُتَجاوزاً بالمقارنة بالانتشار الرقمي الهائل للعلامات والرموز والدوال على شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وظهرت جماليات غير متوقّعة للتكرار، خاصة مع انتشار «الميمز»، والتنظيرات حول طبيعته، بوصفه ناسخاً ثقافياً، قادراً على إعادة استنساخ ذاته، وقد يمتلك قدرات نقديّة وتهكميّة غير مسبوقة.
باتت الأسئلة اليوم عن «اقتصاد الانتباه»، أي تحوّل الانتباه والتركيز البشري إلى مورد محدود، يتم التنافس عليه بين شركات التكنولوجيا الكبرى، لتحويله إلى بيانات مُسلّعة قابلة للتداول؛ وعن نمط الذات الناتجة عن تلقي وإنتاج «العلامات اللافتة للانتباه»، التي تعمل على مستويات متدنية من التركيز والوعي، وتنزع توطين الرموز والدلالات من أي إطار ثقافي مستقر، ثم تعيد توطينها في سياقات مؤقّتة وعابرة، أقرب لفقاعات سريعة التطاير والانفجار. الاحتفاء بالاختلاف نفسه بات شكلاً من أشكال التماثل والواحدية، مُنشئاً بدوره حشداً سهل الانقياد لكل «تريند» جديد. وعماد ذلك الحشد هم «المتنوّعون»، أي المستهلكون للعلامات الهوياتية والثقافية المنزوعة من سياقها. بالنسبة للمفكرين النقديين، من اليسار واليمين، فلم يعد من الواضح: هل نحن نعيش في «خطوط انفلات» لا نهائية، من أي معنى ودلالة وقيمة؛ أو نرزح تحت «عبودية تقنيّة» لا مثيل لها؟ وهل هناك ما هو إيجابي أو تحرري في كل هذا؟
الأبعاد السياسية لكل هذه الأسئلة شديدة الوضوح، إذ يبدو أن مفهوم «الفعل» و»الفاعل» السياسي نفسه تغيّر، مع كل هذه التغيرات في الخطاب والتواصل والصورة والأيديولوجيا: لم تعد توجد ذوات وهويات سياسية واضحة، ولا حيّز عام حقيقي، يمكن تداول الأفكار والحقائق فيه. وبالتأكيد لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي حيّزاً عاماً، مهما غرّد فيها القادة والسياسيون والمثقفون، ما دامت تعمل على مستوى لفت الانتباه، وتسجن المستخدمين في فقاعات تواصلية. مفهوم «الواقع» نفسه بات أكثر تعقيداً، ولم يعد من السهل فصل «الشيء بذاته» عن آليات تسويقه، وكأننا نعيش في محاكاة شاملة لـ»واقع» لا نعرف أين يقع فعلاً، وإن كان موجوداً أصلاً. الأمر أكبر من تزييف أو تضخيم أو تشويه الوقائع، فـ»الوقائع» نفسها تنشأ على تخوم غير محددة، بين الأشياء الفيزيائية، والبيانات، والصورة، والإعلان. يمكن التساؤل هنا: هل القوة الناتجة عن التسويق، وإعادة التعويم والترميز، وبناء شبكات العلاقات، والإعلام، مجرد مظاهر أو وهم؟ أم أنها «أمر واقع» جديد، يغيّر الحياة نفسها، ومصائر الناس؟
من هنا تبرز أهمية ما يسمى «العلاقات العامة» Public Relations في السياسة المعاصرة، وهي أكثر من مجرد ملحقات للقوة الفعلية على الأرض، وكذلك ليست مجرّد «هيمنة أيديولوجية» بالمعنى الكلاسيكي، وإنما قد تكون «القوة» نفسها، أو جانبها الأساسي، والتي قد تصل، في بعض الحالات، إلى صناعة أنظمة ودول وقادة، لا نعرف فعلاً درجة واقعيتهم، وإن كان يمكن التمييز بين وجودهم وإعادة تسويقهم ضمن عالم العلاقات العامة، وحضورهم السياسي والاجتماعي والمؤسساتي الفعلي. هنا يصبح للتكرار وظيفة، ربما لم يتخيلها أحد من المنظرين الكلاسيكيين: ليس تثبيت المعنى، أو التنويع عليه، أو الإفلات منه، وإنما تسويقه في سياق حملة مموّلة، ورفع أسهمه. بعد انتهاء الحملة ووقف التمويل، يتم نسيان المعنى المُسوّق سابقاً كأنه لم يكن، وينشأ واقع آخر، يسوّق بدوره معانيه ورموزه الخاصة. هل يعني هذا أن معظم «اللعبة» يدور في عالم العلاقات العامة، الذي بات المستوى الأكثر بروزاً وطغياناً من «الواقع»؟ وإذا كان على الناس أن يتأقلموا مع هذا، ولا يتحدّوا التيار السائد، فكيف سيفهمون ذواتهم، ويحترمونها، بعد انتهاء حملة علاقات عامة، بكل واقعها؛ واضطرارهم للانتقال إلى حملة جديدة، بمعانٍ مغايرة، أو حتى مناقضة لما تورطوا بتسويقه في الحملة الماضية؟ وهل يكون اعتزال كل عالم العلاقات العامة هذا، وبالتالي الانفصال عن الواقع، حلّاً يقي من التورط في «تريندات» وفقاعات، تنفجر بسرعة، مخلّفة وراءها ذواتاً «رخيصة»، يستثمرها ممولو حملات العلاقات العامة؟ هذه أسئلة ربما لم تخطر ببال أكثر ناقدي التحديث تشاؤماً.
بحث عن وجود
أسئلة الواقع وتعدد مستوياته، التي تطرحها سياسات العلاقات العامة التي نعيشها، تدفع للبحث عن نقطة ثابتة ما، يمكن تأسيس الوجود عليها، بين كل الحملات المتغيّرة، والتي تقلب الوقائع، والذوات معها، من حال إلى حال. ربما قد يكون نوعاً من السخرية القاتمة القول، إن مثل هذه النقطة، في الظرف الحالي، قد لا تكون موجودة في الحياة، بل في الموت، وبالتحديد القتل، خاصة في المناطق التي تعيش حروباً معقدة ومركّبة مثل منطقتنا. القتل، بالنسبة للقتيل على الأقل، ومحيطه الأقرب، واقعة لا يمكن النقاش فيها، ولا اللعب على مستوياتها. «لحظة وجودية» بكل معنى الكلمة، فهي نفي مباشر للحياة، يدفع من تبقى حيّاً إلى اتخاذ قرارات حاسمة، للحفاظ على البقاء، ليس من بينها المشاركة في حملات علاقات عامة، أو الخضوع الرخيص لها. عندما يستهدف القتل جماعة بشرية كاملة، على الهوية، فسينكشف لكثير من أفرادها معنىً وجودي لا لبس فيه: الحياة أو الموت، البقاء أو الفناء.
بالطبع، يمكن استثمار القتل نفسه في حملات العلاقات العامة، وإعادة بناء وقراءة سياقاته وأرقامه ونتائجه، بل تقديم ناجين منه، ومقربين من ضحاياه، يخدمون بخطابهم وشهاداتهم غايات الحملة. رغم هذا، يبقى جانب حقيقي لا يمكن تجاوزه، يقع خارج أي حملة، وهو أن القتل وقع، والدم سُفك. «الوجودي» تَكشّف، ولم يعد دمجه متيسّراً في حملة، مهما بلغ تمويلها. وقد تظهر في ما بعد أيديولوجيات وحركات سياسية، بل شعوب وقوميات، على أساس تلك اللحظة الوجودية، فتصبح قابلة للاستثمار، بل حتى التلاعب، ولكن، حين حدوثها الأولي، لن يبقى العالم القائم كما كان، مهما تمّ التسويق له، ستكون حدّاً فاصلاً، وستؤدي لقطيعة ما، تُنشئ معانٍ ومفاهيم جديدة، تؤسس لعالم مختلف، وهذا ما لن تستطيع العلاقات العامة تلافيه. قد يكون لدينا كثير من اللحظات الوجودية، في منطقة بات استمرار الحياة فيها مُهدّداً، ولذلك فإن الإدارة والتمويل الجيد للعلاقات العامة، لن يستطيعا إنهاء الأزمات، إذ سيستمر من عاشوا اللحظة الوجودية في خوض الصراعات. وقد يتطلّب أي حل جدي العودة إلى الواقع، بمعانيه الكلاسيكية، وتثبيت مفاهيم وقيم ومُثل راسخة، مثل العدالة، والحق، والحرية، يتأسس عليها عالم ما بعد الصراع، وتقتنع به أطرافه المتعددة، أو سيستمر كل طرف في بناء عالمه المنفصل، بقيمه ومفاهيمه الخاصة، التي ستصبح «القضية» بالنسبة له. ولا بد من التذكير بأن القضايا قد تكون مدمِّرة لحامليها، بما لا يقل عن تدميرها لأعدائها، إذا لم تبنَ بشكل صحيح ومفيد.
ربما يُكسب هذا مفهوم العزلة أبعاداً جديدة، فهي نوعٌ من التمسّك بالوجودي في خضم حملات العلاقات العامة، وسواء كانت عزلة أفراد، أو مجموعات بشرية بأكملها. فإنها طريقة للحفاظ على الذات، بكل المعاني، أي بمعنى الحفاظ على استمرارية الحياة، والوجود الاجتماعي والثقافي؛ أو حتى بمعنى القدرة على التعرّف على الذات، واحترامها.
تواصل العزلة
قد تكون العزلة، للمفارقة، شكلاً من أشكال التواصل. إذ كيف عرفنا سِيَر من اختاروا العزلة عبر التاريخ، لو لم تكن عزلتهم ناطقة، إن صح التعبير، واستطاعت التعبير عن نفسها بشكل شديد التأثير؟ يسعى المنعزلون عادة إلى قول ما يرونه «الحقيقة»، بأساليب متعددة، ليس فقط بعد انتهاء عزلتهم، بل أحياناً أثناءها، على الأقل لمن يريد الاستماع، أو يكون مؤهّلاً له. ليس بالضرورة أن يكون الأمر روحانياً للدرجة التي يوحي بها، فقد يكون المنعزلون تنظيماً سياسياً، أو جماعة أدبية، أو مجموعة بشرية تحاول إعادة إنتاج هويتها، بل قد لا تكون العزلة، في بعض الحالات، نتيجة أحداث مأساوية أو دموية، بل خياراً حراً، دوافعه التمسّك بالحق في التعبير عن الذات والعالم. أحد الأمثلة المعاصرة، وربما غير المتوقعة، عن العزلة عالية الصوت، مجموعة «دوغما 95»، وهي مجموعة من السينمائيين الدنماركيين، الذين قرروا، منذ منتصف التسعينيات، اعتزال أساليب الإنتاج السينمائي المألوفة، والقطيعة التامة معها، وبناء عقيدتهم الخاصة، لينتجوا أفلاماً يرون أنها تقول «الحقيقة»، التي ضيّعتها السينما المعاصرة. لم يبقوا معزولين طويلاً، فقد أسسوا لموجات سينمائية كاملة، واشتُهر بعضهم عالمياً، مثل لارس فون ترير، وتخلوا تدريجياً عن «الدوغما»، و»عهد الطهارة» الذي أقسموا عليه، لحساب أساليب جديدة من التعبير عن «الحقيقة».
بعيداً مجدداً عن «العالم الأول»، فربما نحتاج إلى قول ما رأيناه من حقيقة، في اللحظات الوجودية، التي اضطررنا لمواجهتها، مهما بلغت قوة وتمويل حملات العلاقات العامة، ومهما دفعنا ذلك إلى العزلة. هنا قد يكتسب التكرار معنى جديداً، ففي مواجهة التكرار الذي تمارسه تلك الحملات، يجب التركيز على الحقائق، وتسمية الأشياء بمسمياتها، والتأكيد على نزع بديهية المقولات والمفاهيم المُروّجة، وإظهار تناقضها، وابتذال الذوات التي ترددها. إنه أسلوب آخر في التكرار، يعيد الاعتبار لمفهوم «المعنى» نفسه، وذلك قبل أن نفكّر بتثبيت أي معنى محدد، أو تفكيكه وتجاوزه.
توجد كثير من الأسئلة والإشكاليات والتحديات، التي يفرضها ذلك النوع من العزلة، ويجعلها حالاً متوتراً وقلقاً، وليس سكونيّاً مدّعياً للحكمة. إنها عزلة صاخبة إن صح التعبير. وربما نحتاج صخباً كثيراً، وتنويعات متعدد من التكرار، وأنماطاً مبتكرة من التواصل، ومستويات جديدة من اللغة، للتعبير عن القطيعة، والعزلة الضرورية المرافقة لها. قد ينتج هذا ذواتاً فردية واجتماعية وسياسية جديدة، ليست قابلة للاندراج في «حملة». وهذا مكسب، ليس فقط على المستوى المعنوي والذاتي، بل لضمان استمرار الحياة.
كاتب سوري
المصدر القدس العربي