ابراهيم الغريب – صحافي لبناني
الفساد يعمّق اقتصاد التهريبفي ظلّ الانهيارين الماليين في لبنان وسوريا، تحوّل التهريب إلى شريان اقتصادي رئيسي. مهرّبون، ضبّاط، وسماسرة يعيشون من هذه التجارة التي تدرّ ملايين الدولارات شهرياً. وبحسب مصادر أمنية لبنانية سابقة، فإن بعض المعابر “يُفتح ويُغلق بتنسيق سياسي محلّي مقابل رشى شهرية”. النتيجة: حدود سائبة تموّلها الفوضى وتغطّيها المصالح.
على امتداد الطريق بين طرابلس وحمص، تختفي ملامح أجهزة الدولة اللبنانية كأنها لم تكن يوماً هناك، حدود مفتوحة على مصراعيها، لا قانون يُطبّق، ولا جهة تحاسب.
في هذه المساحات المنسيّة، تتحرّك شبكات تهريب البشر والبضائع، تُديرها مافيات لبنانية وسورية بتنسيق غير معلن مع عناصر أمنية فاسدة، فيما يبقى البشر الحلقة الأضعف في تجارة تقتات على الخوف والجوع واليأس.
حدود الفوضى بعد سقوط النظام السوري
منذ سقوط النظام السوري في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، تحوّل الشريط الحدودي الشمالي إلى مسرح مفتوح للفوضى، ومع تصاعد العنف ضدّ أبناء الطائفة العلوية في الساحل السوري، لجأ كثيرون إلى خيار وحيد للنجاة: عبور النهر الكبير الجنوبي نحو الأراضي اللبنانية عبر طرق غير شرعية، يديرها مهرّبون يتقاضون أجورهم بالدولار، ويخضعون لحماية أمنية على ما يبدو.
في هذا التحقيق، يوثّق “درج” رحلة العبور من حمص إلى طرابلس لكشف حجم الفوضى والانتهاكات التي تُمارَس بحقّ الفارّين من جحيم الحرب والاضطهاد، وسط غياب شبه تامّ للسلطات.
طبقات اللاجئين
يروي علي حكاية هروبه، هو شابّ جامعي من اللاذقية، ويصف رحلته إلى لبنان بأنها كانت “رحلة نجاة محفوفة بالذلّ والخوف”، ويقول: “قال لي المهرّب ما تقول إنك علوي إذا سألوا. لما وصلت للنهر بخربة الأكراد، شفت عنصر أمن سوري يمد إيده على امرأة قدام زوجها المعصوب العينين. كنت مرعوب… بس ساكت. لما وصلت عالأراضي اللبنانية صار عندي نوبة خوف بعد ما كنت مكتم كل شي”.
قصّة وليد، الممرّض الذي يعمل في لبنان منذ سنوات، تختلف قليلاً. عاد إلى سوريا لفترة قصيرة بعد سقوط النظام، ثم رجع تهريباً إلى لبنان. لكن حتى في العودة، كان الانتماء الطائفي يحدّد السعر.
“سألني المهرّب إذا أنا سني ولا علوي. قلتله شو بيفرق؟ قال بيكلفك ٥٠ دولار إذا سني و١٥٠ إذا علوي. قلتله أنا سني من الرقة… ضحك وقال إذا كردي ١٠٠. يعني كل شي له تسعيرة!”.
بحسب خالد العواضلي المتحدث باسم منظّمة “سيدار للإغاثة الإنسانية”، وصلت إلى المنظّمة عشرات العائلات الفارّة من الساحل السوري “بحالة إنسانية ونفسية مدمّرة”، ويؤكّد جهاز إدارة الكوارث في عكّار أن عدد الداخلين عبر المعابر غير الشرعية “صار من غير الممكن إحصاؤه”، بعدما فقدت الدولة السيطرة الفعلية على تلك المعابر.
شبكة تهريب منظّمة
تحقّق “درج” من روايات شهود عيان ومهرّبين ينشطون بين طرابلس وحمص،أحدهم رفض التعاون بسبب “تضييق الأمن السوري”، فيما قدّم آخر تسجيلاً صوتياً يؤكّد أن العبور لا يزال ممكناً “لكن بسعر مضاعف”: “صار العبور بـ١٠٠ دولار بدل ٥٠، لأن عناصر الأمن السوري شدّوا شوي، بس فينا نمشي الأمور. في نقطة تانية أرخص، بس فيها ألغام”.
الأمر لم يتوقّف عند ارتفاع الأسعار، بل امتد إلى “تمييز طائفي” في المعاملة.
“السني بيمشي بسرعة… العلوي بيتدقق عليه، والكردي بيندفع عليه زيادة”.
هكذا تُختصر حدود الدول في سوق مفتوحة، حيث تُسعّر الأرواح حسب الهويّة.
رحلة العبور: من طرابلس إلى خربة الأكراد
فجر الخامس من تشرين الأوّل/ أكتوبر، انطلقت الرحلة من طرابلس إلى العبدة، ثم إلى المسعودية في سهل عكّار، حيث كان المهرّب بانتظاري. نقلني بسيارته إلى حرج قريب من النهر الكبير الجنوبي، قبل أن يسلّمني إلى آخر يقود درّاجة نارية.
في الطريق سألته ممازحاً: “شو لو كنت علوي من جبل محسن؟”، فأشار بيده إلى رقبته بمعنى “الذبح”.
على الضفّة السورية، كان عنصران من الأمن العامّ بانتظارنا. عبرت النهر بخطوات متوتّرة. دقائق قليلة فقط كانت كفيلة بنقلي إلى خربة الأكراد، ومنها إلى موقف الباصات، بمئة دولار فقط، اجتزت حدود دولتين غائبتين عن الوعي.
العودة… الطريق ذاته بالعكس
في رحلة العودة، لم يختلف المشهد، سائق سيّارة لاحظ ملابسي المتّسخة فعرض وساطته مع مهرّب مقابل ٢٠ دولاراً، وصلت إلى النهر برفقة امرأة سورية تريد العبور أيضاً. عبرنا على الأقدام بمساعدة مهرّب شابّ يقود درّاجة نارية. لم يظهر أيّ عنصر من الأمن السوري أو اللبناني. في الجهة اللبنانية، كان مهرّب آخر ينتظرنا ليسلّمنا إلى شابّ يقود درّاجة ثانية نحو العريضة، دون أيّ تدقيق أو سؤال.
غياب الدولة… وحضور المهرّب
في الاتّجاهين، لا وجود لأيّ جهاز أمني لبناني. الدولة تغضّ الطرف، تاركة الحدود مشرّعة أمام الفساد، بينما ازدهرت تجارة السلاح الآتي من سوريا، وتزايدت أعداد الضبّاط والموظّفين السابقين الفارّين إلى لبنان بطرق غير شرعية.
“درج” حاول التواصل مع الأمن العامّ اللبناني للحصول على تعليق رسمي، لكنّ الاتّصالات المتكرّرة بقيت من دون جواب، أما نائب عكّار محمّد سليمان، فأقرّ بوجود التهريب، لكنّه برّره بالبطالة: “ما فينا ننكر، بس الحل مش الملاحقة… الحل إنو الدولة تؤمّن فرص عمل لهالناس. الإعلام لازم يشوف كمان الجوانب الإيجابية بهالقرى”.
تاريخ طويل من التهريب بين لبنان وسوريا
تاريخ التهريب بين البلدين يعود إلى عقود، وتحديداً إلى فترة الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) حين تحوّلت الحدود الشمالية والشرقية إلى ممرّات للسلاح والوقود والمقاتلين.
ومع الوجود العسكري السوري في لبنان (1976–2005)، ترسّخت شبكات مصالح بين ضبّاط ومسؤولين من الطرفين، فصار التهريب اقتصاداً رمادياً موازياً، يغذّي نفوذاً سياسياً ويموّل الولاءات.
بعد اندلاع الحرب السورية في عام 2011، ازدهر هذا الاقتصاد أكثر.
الحدود الممتدّة لأكثر من 375 كيلومتراً باتت خارجة عن السيطرة الفعلية، مع ضعف التنسيق بين الجيش اللبناني والأمن العامّ من جهة، والأجهزة السورية من جهة أخرى.
ووفق تقارير منظّمة الهجرة الدولية (IOM) والمفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، يعبر آلاف السوريين سنوياً نحو لبنان عبر معابر غير شرعية، هرباً من التجنيد أو الاعتقال أو الفقر.
أما تقارير “هيومن رايتس ووتش” والعفو الدولية، فتوثّق تعرّض هؤلاء العابرين للابتزاز والعنف، وأحياناً للاعتداءات الجنسية، سواء من قِبل المهرّبين أو عناصر أمنية على الجانبين.
الفساد يعمّق اقتصاد التهريبفي ظلّ الانهيارين الماليين في لبنان وسوريا، تحوّل التهريب إلى شريان اقتصادي رئيسي. مهرّبون، ضبّاط، وسماسرة يعيشون من هذه التجارة التي تدرّ ملايين الدولارات شهرياً. وبحسب مصادر أمنية لبنانية سابقة، فإن بعض المعابر “يُفتح ويُغلق بتنسيق سياسي محلّي مقابل رشى شهرية”. النتيجة: حدود سائبة تموّلها الفوضى وتغطّيها المصالح.
على خطّ طرابلس– حمص، لا تبدو الحدود مجرّد جغرافيا تفصل دولتين، بل مرآة لانهيارهما المشترك. من يعبر النهر الكبير الجنوبي لا يغامر، بل يبحث عن فرصة للحياة، لكن ما دام المهرّب هو الحاكم الفعلي للمعابر، ستبقى هذه الحدود مشرّعة أمام البشر والبضائع والموت… فيما الدولتان، لبنان وسوريا، آخر من يعلم. المصدر موقع درج