تستوقفُ المراقبَ للشأن السوري اليوم مفارقةٌ حادّة؛ فبدلاً من أن تتحول السلطة الانتقالية إلى رافعة لمشروع وطني جامع، نراها تُعيد تثبيت الروابط ما قبل الوطنية التي طالما مزّقت الكيان السوري. تُرفَع راية الطائفة والعشيرة والجماعة الدينية على حساب فكرة الأمة، ويُستعاد منطق «المجتمع المغلق» الذي لا يعرف عقداً اجتماعياً مدنياً، إنما يكتفي بولاءات ضيقة تقوم على الأخوّة الدينية أو العصبية.

هنا يُمكن استدعاء مفهوم «الدولة ضد الأمة» كما صاغته أدبيات علم السياسة؛ وهو مفهوم يصف اللحظة التي تُصبح فيها الدولة جهازاً سلطوياً يعمل لحماية هويّات ما قبل وطنية أو مصالح شبكات ضيقة، بدلاً من أن يكون إطاراً جامعاً يُنتج هوية وطنية مشتركة. عندها تتعارض الدولة مع عملية «بناء الأمة» بدلاً من أن تقودها، فتتحول إلى قوة تشظٍّ لا قوة توحيد. ومع صعود السلطة الانتقالية في سوريا على قاعدة ولاءات دينية وعشائرية، يغدو السؤال مُلحِّاً: هل نعيش اليوم نسخةً سورية من هذا النموذج، حيث يتقدّم المجتمع المغلق ويُقوَّض أفق الأمة، فيتشكل واقع مقلوب تُستعمَل فيه الدولة لإضعاف الوطنية بدلاً من ترسيخها؟

هنا تبرز ظاهرة يمكن أن نصفها بمصطلح «الأغلبية المسروقة»، حيث تدّعي السلطة الانتقالية تمثيل الأغلبية السُّنّية في سوريا، لكنها في الواقع تختزلها في تمظهر ديني إسلامي وتصادر حقها في التعبير عن تَعدُّدها الداخلي. فالأغلبية السُّنية، بوصفها حقيقة ديموغرافية وتاريخية، ليست كتلة صمّاء، بل طيفاً واسعاً من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين الذين قدّموا تصورات متباينة للوطنية السورية. غير أن السلطة، في بحثها عن شرعية سهلة، تُحوّل هذا الطيف إلى قناع إيديولوجي يوهم بوجود إجماع خلفها. وهكذا تغدو الأغلبية أداةً لإقصاء الأمة بدل أن تكون قاعدةً لتشكيل عقد اجتماعي جامع.

لا يقوم تمثيلُ السلطة الانتقالية المُفترَضُ للأغلبية السُّنية على مشروع عقائدي متماسك، بل على ما يُمكن وصفه بأنه تمظهر شرعي تستعير فيه السلطةُ من اللغة الدينية ما يكفي للإيهام بمرجعية تتجاوزها، من دون أن تدخل فعلياً في بناء إيديولوجي سلفي صريح. إنها تُنتج صورةً لأغلبية مقنّعة، أغلبية يُفترَض أنها ناطقةٌ باسمها، فيما هي في الواقع محجوبة ومُختزَلة في قوالب خطابية ضيقة. بهذا المعنى، لا يعود الصوت السُّني تعبيراً عن تنوعه الاجتماعي والسياسي، بل يتحول إلى قناع جاهز يُستعمَل لتبرير ممارسات السلطة وإقصاء المختلفين عنها، سواء كانوا من الأقليات الدينية أم من داخل الكتلة السُّنية ذاتها.

من الأمة المتخيّلة إلى المجتمعات الممزقة

الأمة، وفق مقاربة بندكت أندرسون، هي «مجتمع مُتخيَّل» يجمع بين الأفراد الذين لا يعرف بعضهم بعضاً، لكنهم يتخيلون انتماءً مشتركاً يتجاوز حدود الطائفة والعشيرة. وفي الحالة السورية، لم يترسّخ هذا الخيال الوطني بسبب سياسات متعاقبة قامت إمّا على تطييف السلطة، أو على تسطيح الهوية الوطنية بالعروبة، أو على تمظهرات دينية ضيّقت أفق الانتماء. وما يحدث اليوم يُضاعف هذا المأزق، إذ تستبدل السلطة الانتقالية مشروع الأمة بمشاريع جماعات مغلقة تنتمي إلى تاريخ الولاءات ما قبل الوطنية. وهكذا يعود الكيان السوري إلى منطق التفكك الذي طبع تاريخه منذ الانتداب، حين قُسِّمَ على أسس طائفية ومناطقية، وصولاً إلى زمن الأسدية التي جعلت الدولة جهازاً أمنياً يَحكُمُ دون عقد اجتماعي جامع.

بدلاً من مقاربة القضايا السياسية الكبرى عبر مؤسسات وطنية أو آليات تعاقدية، لجأت السلطة مثلاً إلى جعل العشائر واجهة أولى في ملفات معقدة. وقد ظهر ذلك جلياً في اعتمادها على بعض المجموعات العشائرية للتدخل في السويداء، ثم في التلويح مجدداً بورقة العشائر في شمال شرق سوريا، وكأن العقد الاجتماعي يُمكن أن يُختزَل في ولاءات قَبَلَية ظرفية. هذا السلوك كشف بوضوح عجز السلطة عن الاضطلاع بدورها التعاقدي الجامع، واستعاضتها عن ذلك بولاءات آنية تُعيد إنتاج الانقسام بدل أن تفتح أفقاً لتجاوزه.

هذا النمط لا يُؤسّس لدولة حديثة، بل يُعيد إنتاج ما يسميه ابن خلدون «العصبية»، أي ذلك الرابط القَبَلي القائم على الولاء للدم والقرابة، والذي قد يُشكل قوة في لحظة الصراع لكنه لا يصلح قاعدة لبناء عمران سياسي مستقر. فالعصبية عند ابن خلدون قادرة على «حمل الدولة» في بداياتها، لكنها تُهدد بانحلالِها حين تستحيل بديلاً عن الشرعية المدنية. وما تفعله السلطة الانتقالية اليوم هو استدعاء مُتجدد لهذه العصبيات في لحظة يُفترَض أن تكون لحظة تأسيس دستوري، فتُحوِّلُ القدرةَ الكامنة لفكرة الأمة إلى مجرد تجميع لقوى متفرقة ومتناحرة.

المجتمع المغلق

يتكامل هذا النهج مع ما وصفه كارل بوبر بـ«المجتمع المغلق»، وهو المجتمع الذي تُحدَّد فيه الانتماءات سلفاً بالولادة والدين والعشيرة، فلا مجال فيه للتعاقد الحرّ أو للمواطنة المتساوية. في مثل هذا المجتمع، يغيب الأفق النقدي وتنعدم القدرة على المراجعة الذاتية، إذ يُنظَر إلى الفرد كجزء من كتلة عضوية لا كذات حرة مستقلة. وتَمظهُرُ السلطة الانتقالية عبر الولاءات العشائرية والطائفية يُرسّخ هذا النمط من «المجتمع المغلق»، ويقطع الطريق على إمكان التحول نحو «المجتمع المفتوح» القائم على العقلانية والحقوق الفردية والقدرة على التغيير. والنتيجة أن الخطاب الوطني الجامع، الذي كان يُفترَضُ أن يُشكّل حجر الأساس في مرحلة انتقالية، يُستبدَل بخطاب تفتيتي يُعيد إنتاج منطق «الآخر–العدو» بدل «المواطن–الشريك».

ويُفاقمُ هذا الواقعَ أن السلطة لا تكتفي باستدعاء العصبيات، بل تُمارس أيضاً تهميشاً صريحاً لبعض المكونات السورية، ليس فقط عبر الإقصاء السياسي، وإنما كذلك عبر إشاعة خطاب تمييزي وطائفي يتسرّب من الإعلام الرسمي المحدود ويُترَك ليستفحل في الفضاء الإعلامي الافتراضي. وفي هذا الفضاء تُغذَّى الكراهية ضد الأكراد والعلويين والدروز، بل وحتى ضد قطاعات من السنة أنفسهم ممن يعارضون السلطة القائمة أو يرفضون التمظهر الديني وخطاب الإسلام السياسي. هنا تتجسد المفارقة: فبدلاً من أن تؤسس السلطة الانتقالية لإعلام وطني مضاد لخطابات الكراهية، فإنها تغضّ الطرف عنها، فتُساهم في إعادة إنتاج «المجتمع المغلق» وتمنحه شرعية ضمنية.

في العراق، جرى بعد 2003 تأسيس نظام محاصصة طائفية–إثنية يوزّع السلطة بين الشيعة والسّنة والكرد، لكنه فشل في بناء دولة مواطنة لأنه جعل الانتماء الطائفي شرطاً للشرعية السياسية. أمّا في سوريا الانتقالية، فإن الخطاب المُموَّه بإيحاءات سلفية لا يطرح المحاصصة أصلاً، بل يتذرّع بأن «الأغلبية السُّنية» تُمثل الشرعية الطبيعية للحكم، ما يجعل التعدد السوري مجرد فائض ينبغي تهميشه أو استبعاده. وإذا كان العراق قد قوننَ الطائفية في دستور ومؤسسات، فإن سوريا الانتقالية تُمارس الإقصاء تحت ستار «الأغلبية»، وهو ما يجعلها أكثر خطراً، إذ تُقصي الآخر عبر خطاب أحادي يختزل الأمة في هوية واحدة ويُلغي عملياً مفهوم العقد الاجتماعي. وبهذا يُعاد تعريف التعدُّد لا كثراء وطني، بل كفائض غير مرغوب فيه، عبء يجب تحييده أو دفعه إلى الهامش.

استبداد الأغلبية المسروقة

وقد يُستحضَر في هذا السياق ما صاغه ألكسيس دو توكفيل في كتابه الديمقراطية في أميركا من تحذير حول «استبداد الأغلبية»، أي الخطر الكامن في أن تتحول الديمقراطية إلى آلية تُمكّن الأغلبية من فرض رؤيتها ومعاييرها على الأقليات تحت غطاء الشرعية الشعبية. غير أنّ ما نشهده في سوريا الانتقالية لا ينطبق عليه هذا المفهوم إلا بصيغة مشوَّهة، إذ لسنا أمام أغلبية واقعية تُمارس سلطة مباشرة، بل أمام صورة مُتخيَّلة لأغلبية تُنتَج خطابياً وتُستثمَر سياسياً.

فالسلطة الانتقالية لا تُعبّر عن الأغلبية السُّنية بقدر ما تتمظهرُ بلبوسها، فتقدّمها ككتلة واحدة صمّاء تمنح شرعية جاهزة، فيما هي في حقيقتها متعددة ومتناقضة ومحرومة من التعبير عن ذاتها. ولسنا هنا إزاء استبداد الأغلبية كما وصفه توكفيل، بل أمام استبداد الأغلبية المسروقة: أغلبية يُعاد تشكيلها كقناع إيديولوجي، تُختزَل في إيحاءات شرعية ضيقة، ويُقدَّم التماهي معها بوصفه شرطاً ضمنياً للانتماء الوطني.

بهذا المعنى، تتحول الوطنية السورية من إمكانٍ جامعٍ إلى أفق منغلق، إذ تُفرَغ الأمة من مضمونها التعددي، وتُعاد صياغتها كجماعة أحادية الصوت والرؤية. ليست الأغلبية هي التي تستبد، بل الخطاب الذي يُصادِرها ويُعيد إنتاجها كواجهة، ليجعل من الدولة جهاز حماية لصورة متخيَّلة لا لمجتمع متنوع.

وإذا كان منطق السلطة الانتقالية يقوم على إعادة إنتاج الولاءات ما قبل الوطنية، فإن أبرز تجلياته يتمثل في استدعاء سلطة «الشيخ» و«الأمير» بوصفهما مرجعية بديلة عن الأمة والدولة. وفي هذا السياق، يغدو المجتمع نفسه، عبر زعاماته الدينية والعشائرية، أداةً تُستعمل ضد الأمة، فتتوارى مؤسسات القانون خلف شرعية تقليدية–عصبوية، وتتحول السياسة من إطار تعاقدي جامع بين مواطنين متساوين إلى طاعة للعصبية.

منطق الشرعنة بالعصبية

تُستدعَى سلطة «الشيخ» أو «الأمير» بوصفها مرجعية عليا في تقرير الشأن العام، غير أن هذه المرجعية لا تنتمي إلى أي هيكل رسمي مُعلَن، ولا يُشير إليها أي إطار مؤسسي واضح، إذ تعمل كسلطة موازية تنمو في الفراغ الإداري وتتمدّد في المساحات التي تضعفُ فيها قدرة الدولة على التنظيم والضبط. بذلك لا يكون الأمر مجرد نفوذ اجتماعي أو ديني تقليدي، إنما يتحوّل إلى شبكة تأثير غير رسمية تُقوّضُ المؤسسات القائمة، وتجعل القرار السياسي والإداري مُرتهناً بإشارات تصدر عن رجال دين مرتبطين بالسلطة، أو عن شخصيات أمنية وزعامات تقليدية تملك قدرتها على التدخل من خارج البنية القانونية.

بهذا المعنى، نحن أمام شكل من «تديين السياسة» و«إضفاء الطابع العَقَدي على الإدارة» يجري من خارج الدولة، فيتحول المجال العام إلى فضاء تُحدَّد فيه الشرعية عبر الولاء للمرجعيات غير الرسمية بدلاً من أن تُبنى على مبدأ المواطنة. هنا تكمن خطورة الظاهرة: فالسلطة الانتقالية بذلك تُتيح إنتاج منظومة حكم ظلّ تتحرك فوق المؤسسات، وتستند إلى شرعية عَقَدية أو عشائرية تتحرّر من أي قيد قانوني. وبذلك يتراجع دور القانون وتُختزَل الدولة إلى جهاز هشّ مُحاصَر بسلطات غير رسمية.

وفي هذا الإطار، تغلّفُ السلطةُ الانتقالية خطابها بمرجعية شرعية ضيقة تُقدَّم على أنها تمثل الأغلبية، فيتم استحضار نموذج «الأمير» الذي يحتكر ويوجّه القرار، لتتحول بعض المؤسسات إلى انعكاس لإرادة فرد أو جماعة دينية، لا إلى نتاج عقد اجتماعي جامع. وفي المقابل، يتقدّم «الشيخ» بوصفه المرجع النهائي الذي تُبَتُّ عنده في النزاعات والخلافات، ليُعاد بذلك إنتاج ما يُسميه ابن خلدون «العصبية»، حيث تغدو الطاعة لشخص أو جماعة محددة أقوى من الالتزام بالقانون.

ما يترتب على هذا الواقع هو تآكل فكرة سيادة القانون نفسها. فحين يُصبح «الشيخ» أو «الأمير» المرجع الأخير، يغدو القاضي أو الإداري مجرد منفّذ لا صاحب قرار. وحين تعلو خطابات التمييز الطائفي والإقصاء، التي تجد فضاءً رحباً في الإعلام أو في المؤسسات الموازية، يتحوّل النسيج الوطني إلى فسيفساء من الولاءات الجزئية، كل منها يبحث عن حماية مرجعيته الخاصة. وهنا لا نكون أمام دولة وطنية جامعة، بل أمام «جمهوريات صغرى» مغلقة تستمد شرعيتها من موروث عقدي أو عشائري، لا من دستور أو قانون.

هذا المستوى يُعيدنا إلى ما وصفه كارل بوبر بـ«المجتمع المغلق»، حيث تتحدد هوية الفرد وحقوقه مُسبَقاً عبر انتمائه العائلي أو الديني، لا عبر مواطنته المتساوية. في مثل هذا المجتمع، تُصبح الولاءات الخاصة بديلاً عن الانتماء الوطني، وتغدو الأمة نفسها مجرد «فراغ» يُملأ بمراكز قوى طائفية أو دينية. وهكذا تُفرَّغ فكرة الأمة من مضمونها لصالح منطق «الأمراء والشيوخ» كتمظهرات سلطوية موازية، أي لصالح سلطات تتقدّم على الدولة وتُعيد إنتاج التجزئة بدل العمل على تجاوزها. وبذلك يغدو المجتمع، بتركيبته العصبوية ومراكزه التقليدية، أداة تُوظَّف ضد الأمة، فيتكرّس المشهد السوري اليوم بوصفه تجسيداً حياً لمعادلة «المجتمع ضد الأمة».

بهذا الترتيب، لا تكون سلطة «الشيخ» و«الأمير» سوى الوجه الأكثر جلاءً لانقلاب السلطة الانتقالية على مشروع الأمة. فحين يتحول المرجع في القرار العام من القانون إلى العصبية، ومن المؤسسة إلى الشيخ، يغدو المجتمع نفسه أداة ضد الأمة، ويُعاد إنتاج منطق الدولة كجهاز فوقي يُكرِّس الانقسام بدلاً من تجاوزه. إن استدعاء هذا الموروث العَقَدي بوصفه أداة للشرعية لا يقتصر على تكريس ولاءات ما قبل وطنية، بل يقطع أيضاً الطريق على إمكان تخيّل وطن جامع. وهنا تتجلى بصورة حادّة أطروحتنا المركزية: دولة مشدودة إلى شخوص ورموز ما قبل مدنيّة، عاجزة عن التحول إلى دولة أمة لأنها لا ترى في المجتمع سوى طوائف وعشائر وجماعات ينبغي تدبيرها، لا مواطنين ينبغي إشراكُهم.

مآلات الوطنية السورية 

ما مستقبل الوطنية السورية إذن؟ وهل يمكن لمشروع الأمة أن ينهض في ظلِّ سلطة تُشرعِنُ الانقسام؟ الاحتمال الأقرب هو مزيد من التشرذم: انكماش الهوية الوطنية أمام صعود الهويات الجزئية، وتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع. غير أن التاريخ السوري يبيّن أن سياسات الإقصاء والتجزئة كثيراً ما أفرزت مقاومات جديدة؛ فكما وَلَّدَت سياسات الانتداب حركة الاستقلال، وأنتجت الأسدية ثورة الكرامة، قد يدفع انسداد الأفق تحت السلطة الانتقالية الراهنة إلى مقاومات مدنية وسياسية تسعى إلى استعادة المشروع الوطني. لكن الخطر الداهم يبقى في إعادة إنتاج الاستبداد، هذه المرة في صورة دينية–أمنية أكثر قسوة وأشد عزلة عن روح الأمة.

المفارقة التي نعيشها اليوم لحظة كاشفة: سوريا تقف عند مفترق طرق حاسم، بين خيار إعادة التأسيس على قاعدة وطنية مدنية تعددية، وخيار الانزلاق إلى مزيد من التجزئة الأخلاقية والسياسية. السلطة الانتقالية حتى الآن اختارت الطريق الثاني، فأعادت إنتاج العصبيات وضربت فكرة الأمة في الصميم. ومع ذلك، لم تُمحَ الوطنية السورية من الأفق؛ فهي ما تزال مشروعاً قابلاً للتجدد، مشروعاً يطمح إلى عقد اجتماعي جديد يتجاوز الطائفة والعشيرة والجماعة الدينية. يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيتمكّن السوريون من تحويل لحظة «المجتمع ضد الأمة» إلى نقطة انطلاق نحو أمة جامعة، أم سيظلون أسرى معادلة مقلوبة: دولة ضد مجتمع، ومجتمع ضد أمة؟