
-
-
منى رافع. .كاتبة
-
قالت الصبية ذات العيون الطيبة: «حمص كل يوم فيها قتل، كل يوم كل يوم كل يوم…».
وقال رجلٌ اعتذرَ عن الوقوف بسبب ألم في ظهره: «الدولة تُديرها ميليشيا..».
وقال رجل استرسلَ شعره الأشيب حتى رقبته: «بغض النظر عن جذر المشكلة، يجب أن ننسى الجذر وأن نطوي صفحة الماضي ونفتح صفحة جديدة..».
وقلتُ أنا بقلب مكسور وبرأس مطرق: كذلك هو كذلك.
كنّا حوالي عشرين شخصاً في اجتماعات متتالية في حمص، وكنتُ بالكاد أحفظ الوجوه والأسماء، لكن ما أذكره هو التنوع الشديد في المشاركين؛ كنا خليطاً غير متجانس في الأفكار والتوجهات والمحافظات التي ننحدرُ منها، وفرحتُ في نفسي أني سألتقي سوريين من مدن وبلدات متنوعة.
وكذلك كان كذلك
كنتُ أستطيعُ تحديد مواقف الأشخاص من بعض الكلمات التي يستخدمونها:
السقوط يقابله التحرير.
الشرع يقابله الجولاني.
الهيئة يقابلها الأمن العام.
مجازر الساحل يقابلها أحداث الساحل.
وقِس على ذلك..
كانت لغتنا مختلفة، لكن نوايانا كانت متشابهة.
لم أكن أعلم لمَ دعيت، ولا من دعاني، كما أنّ عناوين الاجتماعات لم تكن غريبة عني تماماً، لكني سرعان ما وجدتُ نفسي منسجمة مع أناس لا يشبهونني، ووجدت ذلك دليلاً على أني مازلت إنسانة صالحة، و«آدمية».
مرة، منذ سنوات بعيدة، كتبتُ قصة عن رجل آدمي كانت زوجته تخونه، وكان يعلم بذلك إذ دأبَ الجيرانُ والمعارفُ على الاتصال به من أرقام غريبة ليقولوا له كلمتين: «ضب مرتك»، كان الرجل أباً لعدة أطفال وكانت امرأته فاتنة في أوائل الثلاثينات، وكان قلبه متعلقاً بها بجنون، وكان الرجل معروفاً بطيبته وسماحة نفسه وطيب خُلُقه، ومشهوراً بأنه «الآدمي» في حيه. حينها، تجاهل كل الاتصالات وكل الدلائل، وأصرّ على الحفاظ على زوجته، وكي لا أطيل كثيراً في رواية ما حدث، انتهت القصة بأن تم الطلاق بينهما بهدوء واتفقا بسلام على تقاسم رعاية الأطفال فيما بينهما، لكن الرجل أصيبَ بوصمة عار هائلة.
بعد أن نُشِرَت القصة في جريدة، قال لي أحد الرجال، وهو شاعر حمصي راحل بالمناسبة: «إي شو هالآدمي هااااااد؟!»؛ أحسستُ بحرقة في صدري، وبأن سخريته تناولتني بطريقة أو بأخرى، لا لشيء إلا لأني حينها كنتُ أقصد بالرجل الشعبَ «الآدمي» المغلوب على أمره: «كم يبدو هذا التشبيه بائساً وطفولياً الآن».
وكذلك كان كذلك.
أوادم وآدمي وآدمية، والآدمُ في معجم الدوحة هو الإنسان شديد السمرة، وبحسب المعجم المحيط: أديمُ الليل ظُلمته، وأديمُ النهار بياضه، وأديمُ الأرض وجهها. أمّا آدمي وآدمية وأوادم فلن تجدها في المعاجم العربية عند البحث الأول، لكنك ستجدها في المعاجم الحمصية، إذ كانت شرطاً أساسياً للرجل من أجل القبول به زوجاً، وشرطاً أساسياً للمرأة من أجل القبول بها زوجة، وشرطاً للرجل والمرأة للحصول على رضى المجتمع. أمّا الآن فقد أصبحت تحمل دلالة سيئة، إلى جانب معناها المتعارف عليه، لا سيما إن قيل «آدمي زيادة»، إذ ستحملُ معنى «أحمق قليلاً لكنه يخاف الله والمجتمع» أو ستُصبح «لا يحسن التصرف لكنه يخاف الله والمجتمع» أو «غشيم لكنه يخاف الله والمجتمع» وقِس على ذلك. وعكس الآدمي في اللغة الدارجة هو «ابن الحرام»، وهي بالمعنى الحمصي، وغير الحمصي، تُستخَدم لوصف الإنسان «الخبيث، النافذ» وما إلى ذلك.
وقد أصبحَ المرء يوصف آدمياً الآن حتى يضيقَ ذرعاً بها، ويُطالبك بعينين حمراوين شبه دامعتين بأن تتوقف عن مناداته بذلك.
والمرأةُ أصبحت تُوصَف آدميةً الآن حتى تضيق ذرعاً بها، وتُطالبك بعينين حمراوين دامعتين أن تتوقف عن مناداتها بذلك.
وبين المدح والمذمة تبقى سمة آدمي-ة تتأرجح بين كل المعاني، ولا تستقر على هدف.
* * * * *
قال الرجل الشائب ذو العينين الصافيتين: «استقَبَلَنا آلُ منذر في السويداء أحسنَ استقبال».
وقال الرجل الذي اعتذر عن الوقوف مُصرِّاً مرة ثانية: «الدولة تُديرها ميليشيا».
وردَّ شابٌ قال إنه يقرأ التاريخ: «لو أن الدولة تديرها ميليشيا لما كنّا نتحدث هنا الآن».
وقالت الصبية ذات العيون الطيبة: «القتل كل يوم كل يوم».
وقالت صبية طُلبَ منها أن تكون في الهيئة الناخبة ورفضت: «لا يجب أن ننسى أن هناك ثارات ودماً».
وقال الرجل الذي استرسل شعره الأشيب حتى رقبته مجدداً: «بغض النظر عن جذر المشكلة، يجب أن ننسى الجذر وأن نطوي صفحة الماضي ونفتح صفحة جديدة».
وقال شاب عرّفَ عن نفسه بالصليب الذي يضعه: «الدولة أحسنت التصرف حين حصلت المشكلة في وادي النصارى».
وقلتُ أنا بِوجوم، وبحواجب شبه مرفوعة: كذلك هو كذلك.
بحلول اليوم الثالث للاجتماعات ازدادت حدة النقاشات، وارتفع سقف الكلام كما لم يرتفع منذ عشرات السنين. كنتُ سعيدة بما يجري ومذهولة، كان الدم في عروقي يتجدد مع كل كلمة تنتقد هنا أو تُصحح الزَّلَل هناك.
لكن لم تكن تلك كل القصة، فما إن يأتي «البريك» حتى يتجمع الناس ولو لدقائق في «شِلَلٍ» متفرقة؛ تتهامس شلّة أولى بما في معناه «إنهم لا يفهمون أنّ الشرع صمام أمان ولولاه لانفلت عليهم الناس»، بينما تتهامس شلّة ثانية بما في معناه: «إنهم لا يفهمون أن الوضع سيء جداً، وإن بقي الوضع هكذا سيكون هناك ردة فعل دموية». يجتمعون بعد «البريك» مجدداً، ويتحادثون كأنّ شيئاً لم يكن.
يجمعنا الحديث بالعلن، ويفرقنا الحديث بالسر، وأنا لا أعلم مع مَن أقف، وإلى جانب مَن أنضم.
ولست أطلب الحياد من نفسي ولا من أحد، لكني أطلبُ البُعدَ عن الغوص في الدم.
في اليوم الأخير للاجتماعات، ورغم أننا بدأنا نعتادُ بعضنا بعضاً، إلا إنه لم يكن بالإمكان أن نتعامى عن حقيقة واقعة، فالشروخُ الموجودة لا يمكن التغاضي عنها ولو جمعتنا «أركيلة» وسندويشة «شاورما».
تبدو كل الصِّلات هشّة وكل الضحكات آنية. لستُ متأكدة إن كنت أبالغ، لكني أتساءل بصدق: ما الذي سيحصل لو أعُطينا مزيداً من الوقت لنكون معاً، هل سننسى الجروح؟!
على أي حال، ما زلتُ أشعرُ أنني أحسد الشهداء رغم فرحي بأنني شهدت السقوط/ التحرير.. سمُّوه ما شئتم..
يسألني البعض خلال الاجتماعات عن وجهة نظري بشأن الوضع في حمص، فأُطلق تنهيدة طويلة وأقول باختصار: «الوضع جيد وسيء في آن». قبل أن أبدأ شرح قصدي، تقفز صبية من خلفي وتهمس في أذن إحدى السائلات: «الوضع سيء.. سيء جداً»؛ أدّعي أني لم أسمع، وأهزّ رأسي بغباء وأقول بإحباط صامت: كذلك هو كذلك.
* * * * *
المعجم صامتٌ عن كلمة أوادم، وأنا مصرّة على أن أجدها؛ أكتب آدمي في البحث لكنه يصرّ أن يعطيني كلمة أَدْمى، وكلمة أدمى معروفٌ معناها. أتساءل إن كان هناك رابط بين «الدم» و«الآدم» فلا أجده. أبحث مجدداً، هذه المرة أبحث عن «آدم»، وهو أبو البشر كما يقول القرآن، لكن آدم هو من أنزلنا من جنة السماء إلى عذاب الأرض، لا لشيء إلا لأنه فضولي وبشري حلمَ بالخلود.
تقول الأسطورة التي ذكرها محمد مستجاب في كتابه نبش الغراب إن آدم وحواء حين نزلا الأرض، بعد عقاب الله لهما، بقيا يبحثان عن بعضهما آلاف السنين، وفي النهاية رأته حواء من دون أن يراها، فطارت فرحاً، لكنها جلست على صخرة قريبة لغاية في نفسها، فلما رآها آدم طار قلبه من الفرح أيضاً، لكنها ابتسمت وقالت له بأنها كانت جالسة هنا منذ نزولها على الأرض، وبأنها لم تتحرك من مكانها قيد أنملة. تنتهي هنا النسخة الذكورية من الأسطورة. أشفق على نبينا آدم في هذه النسخة، وأبتسم كالبلهاء حين أتذكرها.
لكن لماذا كلمة «آدمي» بالذات؟ لمَ ليست كلمة أخرى؟ أضعُ أل التعريف فتنحلُّ المعضلة أخيراً، وتتدفق المعاني من معجم المعاني عن كلمة الآدمي.
آدمي: إنساني لطيف ذو أخلاق، ويقول مُجمَّع اللغة العربية في القاهرة بأنه «الإنسان»، والأوادم هو جمع آدم. كان الأمر أبسط ممّا أتصور، لكن يبدو أنني اعتدتُ تعقيدَ الأمور.
وكأن ما نعيشه يحتاج مزيداً من التعقيد.
وكذلك هو كذلك
-