أيوب سعد – صحافي عراقي
قبل الانتخابات العراقيّة، ظهرت مادة انتخابية تدّعي السخرية من نوري المالكي لكنها في العمق تصُوِّر الرجل على أنه العرّاب الذي لا تُولد حكومة إلا بتوقيعه، ولا يُفتح باب السياسة إلا بمباركته!
بالأمس، رشّح حزب الدعوة زعيمه نوري المالكي لمنصب رئاسة الحكومة، ثم ما لبث أن سحب بيان الترشيح من دون أن يفسر أسباب سحبه. المالكي شخصية مثيرة للجدل في العراق، وهو حكم بلاد الرافدين بين الأعوام 2006 و2014، وهي سنوات حفلت بحرب أهلية وتُوجت بسيطرة تنظيم “داعش” على أكثر من ثلث مساحة العراق، وهو ما اعتُبر فشلاً هائلاً وهزيمة غير مسبوقة لحكومة المالكي.
في عراق ما بعد 2003، لم تُبنَ السياسة على المؤسسات بقدر ما صيغت ملامحها على وقع الأزمات، وحُفرت في ذاكرة الناس بأسماء زعماء ارتبطوا بسنوات الدم والفوضى والانقسامات.
وفي مقدمة هؤلاء يقف نوري المالكي، ليس بصفته رئيس وزراء سابقًا فحسب، بل كواحد من أبرز الوجوه التي طبعت مرحلة كاملة من تاريخ البلد، مرحلة لم تبرأ منها الذاكرة العراقية بعد، مهما حاولت الدعاية السياسية إعادة تشكيل الصور أو تلطيف الحكاية.
قبل الانتخابات التي انتهت قبل أيام، وفي ظل اشتداد الحملات الدعائية، ظهرت مادة انتخابية غير مباشرة، تدّعي السخرية من المالكي لكنها في العمق تعرضه بصفته “الأب السياسي” للعملية السياسية العراقية.
مواد قصيرة انتشرت على مواقع التواصل وتداولها عراقيون على نطاق واسع، صُوِّر فيه الرجل على أنه العرّاب الذي لا تُولد حكومة إلا بتوقيعه، ولا يُفتح باب السياسة إلا بمباركته.
بدا المحتوى ساخرًا، خفيفًا، لكنه حمل في طياته ما هو أخطر من المزحة، اعترافًا شعبيًا، غير مباشر، بأن المالكي هو العمود الخفي في بنية النظام السياسي، مهما تغيّرت أسماء الفائزين والخاسرين.
السخرية، في بلادٍ أنهكتها الكوارث، قد تتحول أحيانًا إلى أداة نسيان، لكن العراق ليس ساحة يمكن فيها للمشاهد الطريفة أن تمسح مشاهد الرعب، خلف كل نكتة تُطلق عن نوري المالكي، هناك آلاف الأمهات اللواتي ينتظرن أبناء لم يعودوا من مجزرة “سبايكر” التي ارتكبها تنظيم “داعش” عام 2014.
هناك مئات الآلاف من النازحين الذين خرجوا من الموصل وصلاح الدين والأنبار يوم سقطت المحافظات الثلاث بيد داعش. وهناك جيش كامل كُسرت هيبته وموازنات انتُهكت، وفرص نهبت، وبلد كامل دفع ثمن قرارات سياسية متهوّرة. السخرية، ببساطة، أداة خطابية لا يمكنها أن تكون بديلاً عن الذاكرة.
عودة العرّاب من باب جديد
بعد إعلان النتائج الأولية للانتخابات، جاءت المفاجأة المتوقّعة: حلّ ائتلاف دولة القانون بقيادة المالكي في المركز الثالث، خلف ائتلاف “الإعمار” بقيادة السوداني وتحالف “تقدم” بقيادة الحلبوسي. وحصد ائتلاف الإعمار والتنمية 46 مقعدًا في البرلمان، بينما نال تحالف تقدم 36 مقعدًا، واكتفى دولة القانون بـ 29 مقعدًا فقط.
فخلال أيام قليلة، امتلأت مواقع الأخبار بصور قادة سياسيين، سُنّة وشيعة، يتوافدون إلى مقر المالكي، زيارات جماعية، اجتماعات مغلقة، وابتسامات ملتقطة بعد لقاءات “تشاورية” تُطرح عليها علامات استفهام كبيرة، بدا المشهد وكأنه إعادة إنتاج للرسالة التي روّجتها الدعاية الساخرة، مهما تغيّر الترتيب الانتخابي، يبقى المالكي لاعبًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه في معادلة تشكيل الحكومة.
هنا تفقد السخرية وظيفتها، وتتحول إلى حقيقة سياسية، المالكي لم يغادر المشهد، بل عاد إليه من باب تأثير لا يُقاس بعدد المقاعد، بل بعمق الجذور التي زرعها خلال سنوات حكمه داخل مفاصل الدولة.
صورة المالكي في ذاكرة الناس
السؤال الأهم الذي يفرض نفسه أمام هذا الحضور المتجدّد، هو: هل فقد العراقيون ذاكرتهم؟ هل يمكن للسخرية أن تُعيد تشكيل صورة رجل يرتبط اسمه بثلاث من أكبر الكوارث السياسية والأمنية في تاريخ العراق الحديث؟
الواقع أن الذاكرة العامة ليست سهلة المحو، هناك وقائع لا يمكن تجاوزها بالدعاية: سقوط الموصل وصلاح الدين والأنبار، مجزرة سبايكر ، الفشل السياسي والأمني الذي مهّد لصعود داعش، الموازنات المنهوبة والهدر العام.
وفي هذا السياق، تبرز واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الوعي العراقي، والمتعلقة بما حدث للأموال العامة خلال فترة حكم المالكي، إذ إن العراقيين لا يتذكرون تلك السنوات فقط عبر مشاهد الحرب والانهيارات الأمنية، بل أيضاً عبر الفجوات الهائلة في الاقتصاد الوطني وما رافقها من شبهات فساد واختفاء أموال طائلة.
وعلى رغم ثِقَل الحقائق التي تكاد لا تغادر الذاكرة، ظلّ المشهد العراقي يحبس أنفاسه أمام أرقام يصعب تصوّرها. ففي عام 2016 كشف تقرير صادر عن المركز العالمي للدراسات التنموية في لندن، عن ضياع ما يقارب الـ120 مليار دولار من فوائض الموازنات خلال فترة تولّي نوري المالكي رئاسة الوزراء. فعلى امتداد الأعوام 2006 – 2014، حقق العراق فوائض مالية ضخمة كان يمكن أن تغيّر وجه الدولة وتضعها على مسار التحديث الحقيقي، إذ بلغ مجموع الموازنات في تلك المدة نحو 700 مليار دولار، تسرّبت معظمها عبر شبكات الفساد بدل أن تُستثمر في الإعمار والتنمية.
وجد رئيس الوزراء حيدر العبادي، عند تسلّمه السلطة من المالكي، خزينة شبه خالية لا تتجاوز موجوداتها الـ700 مليون دولار فقط، بينما كانت البلاد تواجه انهيار أسعار النفط وتراجع الإيرادات وتكاليف الحرب على داعش. وبدلاً من أن ترتفع احتياطيات البنك المركزي مع ازدياد الموازنات العامة من 100.5 مليار دولار في 2012 إلى 145.5 مليار دولار في 2014، تراجعت الاحتياطيات من 88 مليار دولار إلى 67 مليار دولار، وصولاً إلى 43 مليار دولار هذا العام، أي بانخفاض إجمالي يصل إلى 45 مليار دولار، وبمعدل تراجع سنوي يناهز الـ9 مليارات دولار تُستنزف في استيراد سلع غير منتجة.
ويكشف التقرير أيضاً أن إيرادات العراق في شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير من عام 2016 بلغت 3.269 مليار دولار فقط، بينما باع البنك المركزي 5.821 مليار دولار لتغطية الاستيرادات، بفارق تم سحبه مباشرة من الاحتياطي. كما حوّل البنك خلال أعوام 2012 – 2015 نحو 6.5 مليار دولار عبر صكوك شراء تبيّن لاحقاً أنها صادرة عن شركة وهمية، وأن الأموال ذهبت إلى حسابات شركات لا وجود لها.
وعلى رغم هذا السيل من الأرقام، والخراب المالي الذي يظلّ جزءاً مؤلماً من ذاكرة العراقيين، لم يُفتح باب محاسبة حقيقية، ولم يُسأل المالكي عن تلك الحقبة الثقيلة، بل ظلّ رقماً ثابتاً في معادلة العملية السياسية، لا ينسحب منها ولا تُقصيه تداعيات الفساد الذي عاش العراق نتائجه القاسية حتى اليوم.
مدارس لم تُبنَ، مستشفيات لم تُجهّز، مشاريع لم تُنجز، وجيل كامل دفع ثمن هدر تاريخي خلال الفترة 2006 – 2014 لن يُمحى بسهولة.
المفارقة أن الدعاية الساخرة، سواء جاءت من خصوم المالكي أو مؤيديه، قد خدمت الرجل من حيث لا يحتسب، فقد أخرجته من خانة “المسؤول عن الانهيار” إلى خانة “الشخصية المثيرة للضحك”. وهذا التحويل يخفف من ثقل الاتهامات عبر تحويلها إلى مادة طريفة، لكن المشكلة ليست في طبيعة النكتة، بل في البيئة السياسية التي تُحوّل المآسي إلى محتوى ترفيهي.
لم يكن تشبّث المالكي بالسلطة مجرد رغبة سياسية عابرة، بل كان نتاج مزيج معقّد من جبروت المنصب وإغراء النفوذ وتضخم مراكز القوة التي تراكمت حوله طوال سنوات حكمه.
فالسلطة في العراق ليست موقع قرار فحسب، بل شبكة مصالح وولاءات وموارد تجعل الخروج منها أصعب من الدخول إليها. ومع تضخم هذه الشبكات، بدا المالكي أكثر تمسكًا بعرش الحكم حتى مع تزايد الفشل الإداري واتساع رقعة الخراب الذي لحق بمؤسسات الدولة. فإغراء النفوذ، حين يختلط بالمال والسلاح، يتحوّل إلى قيد لا يحرر صاحبه، بل يجعله أسيرًا لما بناه، حتى وإن كان فوق ركام وطن منكوب.
الدولة العميقة أم ذاكرة الدولة؟
المالكي ليس مجرد سياسي، هو رجل بنى شبكة نفوذ داخل مؤسسات الدولة خلال ثماني سنوات، لا يزال تأثيرها ممتدًا حتى اليوم، فإن تأثيره لا يقاس بعدد المقاعد، بل بعمق الجذور التي رسخها داخل النظام، لكن هذا لا يلغي الذاكرة الجمعية، التي ما زالت ترى في عهده نقطة الانحدار الكبرى.
السخرية قد تُعيد تشكيل الخطاب، لكنها لا تمحو الألم، والدعاية قد تُخفف صورة السياسي، لكنها لا تُعيد الأموال المفقودة، ولا تعيد أبناء “سبايكر”، ولا تعيد المدن التي سقطت، وفي النهاية، قد يعود المالكي إلى الواجهة، لكن الذاكرة العراقية بكل دموعها وخسائرها ودهشتها لن تعود إلى الوراء.
المصدر موقع درج