غسان المفلح- كاتب وسياسي: المصدر
سأبدأ من حيث البحث عن الجدوى العملية، بعيداً عن الشعارات، بسؤال مباشر: هل السلطة في دمشق تمتلك ميزان قوى محلياً وإقليمياً ودولياً لكي تفتح ملف العدالة الانتقالية وتطبيقه على كامل الأراضي السورية؟
نظرياً، قامت النخب السورية المهتمة بهذا الملف بتفكيكه تفصيلياً.
من ينظر للوحة يرى أن هنالك أيضاً شبه إجماع نظري على تطبيق هذه العدالة الانتقالية المنتظرة.
بتقديري إن هذا السؤال مركزي في قضية العدالة الانتقالية، لأنها بالنهاية مهما حاولنا مناقشتها ومن أي زاوية كانت، فإنها تحتاج إلى ميزان قوى داخلي وخارجي.
ميزان القوى الداخلي يتعلق بمقدرة السلطة على جلب المطلوبين للعدالة من أي منطقة في سورية.
السلطة ليس لديها الإمكانية لذلك، لا في السويداء ولا في الجزيرة السورية ولا في بعض مناطق العلويين، ولا في مناطق ريفية أخرى.
حتى نتحدث بمنتهى الصراحة؛ من أهم أسباب الإشكاليات التي حدثت ولا تزال تحدث في مناطق الساحل والسويداء أن هنالك رفضاً شعبياً تجلى منذ أول يوم للتحرير في مناطق العلويين، وخرجت اعتصامات ودعوات من أجل عدم تسليم المطلوبين، إضافة إلى تصريحات الشيخ حكمت الهجري الذي أعلنها أكثر من مرة: إن “هؤلاء أولادنا ونحن نتكفل بهم”.
بعض أولاده هؤلاء هم من يقودون بعض فصائله العسكرية الآن، إضافة إلى ذلك، لا توجد إمكانية للسلطة في دمشق لدخول منطقة الجزيرة السورية.
من جهة أخرى، قيادة ردع العدوان عندما دخلت مناطق الساحل أعلنت شعاراً: “اذهبوا وأنتم الطلقاء”. فتعاملت مع الملف بوصفه ملف “أهلية بمحلية”.
هذا ليس منطق دولة ولا قانون، لكن الناس قبلتها في فضاء التحرير، كلنا يعرف ما جرى بعد ذلك، لا أريد الدخول في تفاصيله.
النخب التي تتحدث عن أن أهل الساحل وبقية مناطق العلويين ليس لديهم مانع من تطبيق العدالة الانتقالية، كلام تنقضه الوقائع على الأرض، خاصة خلال الأشهر الأولى للتحرير.
مع ذلك، فالسلطة – وفقاً لما تمتلكه – من ميزان قوى محلي، استطاعت جلب الآلاف للسجون ومن دون أن تجري أي محاكمة لهم حتى اللحظة.
لا شبه إجماع شعبي حول الملف ولا سلطة واحدة على كافة الأراضي السورية. والسلطات التي تتقاسم السيطرة مختلفة في التعامل مع هذا الملف.
التظاهرات الأخيرة التي خرجت في الساحل رغم أن كثيراً من مطالبها محقة، إلا أنها خرجت ضمن فضاء حركية فلول الأسد بزعامة الشبيح غزال غزال. فهل يسلم غزال غزال نفسه وأصدقاءه من رموز الإجرام السابق؟
السؤال: لماذا رضخت السلطة لمطالب الناس بفتح ملف العدالة الانتقالية وشكلت لجنة من أجل ذلك، من دون أن يكون لديها إمكانية فعلية لتطبيقها؟!
كتبت منذ الأسبوع الأول للتحرير أنه على الضحايا السوريين من نظام الأسد المخلوع أن يعضوا على جراحهم، لا عدالة انتقالية حقيقية في الأفق السوري.
نأتي على المستوى الإقليمي في العراق وإيران ودول أخرى وخاصة لبنان، حيث الألوف من المطلوبين من بقايا نظام الإجرام الأسدي، فهل تستطيع السلطة بميزان قواها الحالي استعادتهم؟
على المستوى الدولي، في روسيا أيضاً كبار رؤوس الإجرام الأسدي، وهم من يجب أن يحاكموا أساساً. ما هي إمكانية السلطة في استعادتهم أو استعادة بعضهم؟ ماذا تمتلك من ميزان قوى دولي من أجل هذا الهدف؟ حتى تسلم روسيا هؤلاء القتلة يجب أن تتوفر قوة دولية تضغط وقادرة على تحقيق هذا الإنجاز.
هذا لجهة ميزان القوى في تحقيق العدالة الانتقالية.
ننتقل لسؤال عملي آخر: هل من مصلحة الدول الوازنة وخاصة أميركا وأوروبا الغربية فتح هذا الملف؟ لنلاحظ أن الأمم المتحدة التي هي حاضرة في أي ملف عدالة انتقالية لا تعطي هذا الملف أي أهمية، ولا أجهزتها تحاول أن تطرح حلولاً ما أو دعماً ما، لأنها في النهاية تعرف موقف الدول الفاعلة في المجتمع الدولي.
من جهة أخرى، بالعودة إلى محاكمات نورنبيرغ التي تمت في عامي 1945 و1946، نجد أنه ترأس خلالها قضاة من القوات المتحالفة، بريطانيا العظمى وفرنسا والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، جلسة لسماع اثنين وعشرين من مرتكبي الجرائم العظمى النازية.
منذ هذه المحاكمات، تحدث محاكمات عدالة انتقالية من دون تدخل وإشراف دولي في أي بلد حدث فيه انتقال من نظام جرائم أو من حروب أهلية. لكن في دولة مثل ألمانيا، كانت الدول المنتصرة حاضرة حتى بتعيين قضاة.
لنختم هذه العجالة بالتذكير بالترتيب الأوبامي لاحتلال الثورة السورية، وتورط عدة جهات دولية وإقليمية في سوريا سواء من خلال دعم نظام الأسد المخلوع وجزاريه أو من خلال ملف الإرهاب. والتواطؤ الدولي الإقليمي برعاية باراك أوباما من أجل احتلال الثورة من جيوش دول كبرى في العالم، أميركا وروسيا وإيران وتركيا وقواعد لدول أخرى، قنوات مالية سوداء فتحت من أجل ذلك.
وبالتالي، هل من مصلحة هذه الدول فتح ملف العدالة الانتقالية مع رموز النظام المخلوع؟ لا مصلحة لها، لنكن واقعيين. لا نريد أن نوهم أهلنا السوريين أن العدالة الانتقالية الفعلية قادمة وعلى الأبواب.
أهلنا السوريين، اعتبروا سقوط النظام المخلوع والتحرير هو العدالة الأكبر. من تم القبض عليهم هم في الغالب مجرمون صغار وتجب محاكمتهم، لكن العدالة الانتقالية الحقيقية يجب أن تطول رؤوس الإجرام من العائلة الأسدية ـ
أولاً وهذا لا يعني أن السلطة لا تريد عدالة انتقالية أو ليس من مصلحتها، بالعكس تماما، من مصلحتها. وباعتقادي هي تريد إنهاء هذا الملف بما يضمن حق الضحايا السوريين، لكنها لا تملك الإمكانية لذلك، إضافة لنقطة أخرى، وهي ما تم من جرائم بحق المدنيين في الساحل والسويداء من قبل قوى مرتبطة بالسلطة جعل الملف أكثر تعقيدا.
لتكتفِ السلطة بما عندها الآن وتفتح باب المحاكمات، لكن بعد أن يتم الوصول لتفاهمات مع فصائل السويداء وقسد وفصائل تركيا.
هذا اقتراحي المتواضع وفق قراءتي للوحة الانتقالية السورية.
