
في سياق دردشة شخصية، فاجأني صديق من أوساط تجار دمشق، قبل فترة وجيزة، بـ”نظرية” مفادها، أن سوريا يجب أن تبني نهضتها على مبدأ “صفر ضرائب”. وقد ظننت أنها وجهة نظر شخصية. لذا لم أناقشه مطوّلاً فيها، جراء استهجاني لمعقولية طرحها أساساً في الحالة السورية. لكنني فوجئت بعد أيام، بدفاع شرس عن “النظرية” ذاتها من صحافي يعمل بالشأن الاقتصادي. وفهمت أنه بنى قناعته على آراء تجار تحدث إليهم، ساقوا له أمثلة على دول تبنت هذه “النظرية”، وحققت نهوضاً اقتصادياً مشهوداً له.
تستند هذه “النظرية” إلى نظرية أخرى أكثر شيوعاً، مفادها امتلاك سوريا لمصدر تمويل ريعي ضخم، متمثّلاً في ثرواتها الباطنية. وهو مصدر جدير بتمويل نهوضها الاقتصادي المأمول، وفق هذه النظرية. وقد يكون دحض النظرية الثانية، أكثر صعوبة من دحض الأولى. كما أن انتشارها أوسع نطاقاً بكثير. وإن تجاوزنا الجدل في مدى جدارة الرهان على “الريع” في سوريا، لتمويل نهوضها الاقتصادي، نجد أن دول الخليج ذاتها -والتي تملك بالفعل مصدر تمويل ريعي ضخم- تراهن منذ أكثر من عقدين على التحوّل من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي وخدمي، تُموَّل خزينته العامة من الضرائب على الشركات والواردات والاستهلاك. وفي نماذج الدول الأخرى التي لا تفرض ضرائب مباشرة على الدخل، نجد أنها تفرض ضريبة “قيمة مضافة” أو ضرائب انتقائية على بعض السلع، أو تتميز برسوم حكومية عالية لتغطية تكاليف الخدمات.
وإن كان الغرض الأول من استيفاء الضرائب يتمثّل في تمويل الخدمات العامة التي تقدّمها الدولة، فإن الغرض الثاني لا يقل أهمية عنه، وهو إعادة توزيع الدخل، وتقليص الفوارق الطبقية. وهي حاجة ملحة في سوريا المثخنة بتناقض حاد. فقر مدقع نراه متبدياً في بعض أحياء المدن والأرياف، وثراء ملفت يمكن التقاطه في عوالمه الخاصة، والكثيرة.
أخذَ هذا التناقض يتصاعد تدريجياً، منذ العام 2000. حينما انتهج رأس النظام البائد، بشار الأسد، سياسة اقتصادية أكثر انفتاحاً على رأس المال الخاص. رافق ذلك ازدياد ملحوظ في قدرة قطاع الأعمال على الضغط على آليات صنع القرار بما يتناسب مع مصالحه. وهو ما كان يتماشى مع اتجاهٍ نحو “اللبرلة”، كان أحد أبرز الأسباب العميقة لانفجار العام 2011، لأنه لم يراعِ الحاجة لتوزيع عبء الانتقال من اقتصاد مغلق تديره الدولة الراعية اجتماعياً للطبقات محدودة الدخل، إلى اقتصاد مفتوح تراهن فيه خزينة الدولة على التخلص من أعباء الدعم الاجتماعي.
تتكرر المعضلة ذاتها اليوم. لدينا خزينة لا حِملَ لها على دعم اجتماعي واسع النطاق. ينسجم ذلك مع اتجاه نحو اقتصاد مفتوح يراهن على حرية العمل الاقتصادي. بالتوازي، تعمل الجهات الرسمية المعنية على خلق بيئة جاذبة للاستثمار والنشاط الاقتصادي. فتخفض الضرائب، وتتجاوب مع مطالب قطاع الأعمال، خصوصاً التجار، في معالجة شكاواهم واعتراضاتهم. يجتمع الرئيس شخصياً مع تجار وصناعيي دمشق وريفها. ويخفّض وزير المالية نسبة السلفة الضريبية على المستوردات، كحل وسط، مع قطاع التجار المعترض على مبدأ “السلفة” أساساً. تقوم كل فلسفة الدولة على إرضاء رجل الأعمال، كي يشغّل رأس ماله في البلاد. كل ذلك مفهوم، ومبرر بشدة، في ظل شح الموارد المتاحة للخزينة. والحاجة الملحة لخلق فرص عمل.
لكن، على الضفة المقابلة، غير مفهوم وغير مبرر، تلك النظرة السلبية المكثّفة التي يملكها معظم تجارنا -وصناعيينا أيضاً- حيال مفهوم “الضريبة”. وهو ما نجد ترجمته في مؤشرات التهرب الضريبي واسع النطاق في سوريا، وعَكسِ كل الضرائب على سعر السلعة النهائي المقدّم للمستهلك. حتى لو كان ذلك على حساب تضييق هامش السوق المحلية عبر خفض القدرة الشرائية للسوريين، لصالح تعظيم الأرباح. وهو ما يعبّر عن عقلية قصيرة الأفق، لا تأخذ بالاعتبار مقومات استدامة النشاط الاقتصادي، بل تقوم على عقلية الربح الآني والمباشر.
ولحسم الجدل حول جدوى الضرائب، نجد في تجربة الغرب “الرأسمالي” دروساً بليغة. فذاك الغرب شهد ثورات واضطرابات نجمت أساساً عن فرض الضرائب، قبل القرن التاسع عشر. وكانت البورجوازية المحرك الرئيس لها. ومن ثم، عاش منذ القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين، اضطرابات أخرى، كان محركها الرئيس اليساريون، تجسيداً لمصالح الطبقات الوسطى والفقيرة. لم تستقر بلدان الغرب إلا حينما وصلت إلى توازن مقبول بين مصالح رأس المال ومصالح أغلبية المجتمع من الطبقات الوسطى والفقيرة. توازن كان عماده مجدداً الضرائب.
قد يقول قائل، من الطبيعي أن يسعى التاجر أو رجل الأعمال لرفع حصيلة أرباحه، بوصفها “غريزة”. وقد يقول آخر في بلد كسوريا تحتاج بصورة ملحة لكل صاحب رأس مال، الأولوية للعمل الحر بأقل قيود وضرائب ممكنة. لكن، ماذا عن الاستقرار الاجتماعي؟ ألا تخشون ثورة جياع؟ هو سؤال مشروع بمواجهة نظرة قصيرة الأفق لمصلحة رأس المال. فهذه المصلحة، عمادها بعيد المدى، الاستقرار. ودافع إغناءها، ارتفاع القدرة الشرائية لأغلبية جمهور السوق.