ماريا عباس – النمسا .
عن “كوباني، الفاجعة والربع”
“كيف جلست وحدها المدينة كثيرة الشعب! كيف صارت كأرملة تبكي في الليل!”
مراثي إرميا- العهد القديم
بهذا الاقتباس العميق يفتح الكاتب الكردي جان دوست روايته، ليمهد لنا الدخول للحظة متخيلة عن فظاعة الحدث الجلل في المدينة ويقصد بها مدينة “كوباني” الكردية. محاولاً كشف ما خلفته الكارثة على المكان كهيكل خارجي، وعلى الإنسان وداخله الأكثر دماراً وإن كان لا مرئياً. الإنسان الكردي الشديد التعلق بأمكنته. كان الألم أعمق حتى من قلب النساء. عرفناه عبر أصواتهن، وأسمائهن، وحكاياتهنَّ، ومصائرهنَ. تخبرنا الرواية الكثير عن أحوال النساء الكرديات المقموعات سياسياً واجتماعياً واقتصادياً على امتداد تاريخ طويل سبق الفاجعة وربعها بكثير. كم تَشبهنا تلك المدينة وكم تشبهنا تلك النساء، يا لها من فاجعة.
رواية” كوباني.. الفاجعة والربع”
صدرت للروائي الكردي جان دوست رواية “كوباني.. الفاجعة والربع” باللغتين الكردية سنة 2017 م عن منشورات “دارا”، ولاحقا باللغة العربية سنة 2018 م عن “دار مسكيلياني” في تونس. كتبها في سياق الحرب السورية وما خلفتها وعن ما جرى لمدينة كوباني أثناء الحصار عليها والهجوم الوحشي من قِبل الجماعات الإرهابية “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو كما عُرف اختصارا للاسم “داعش”. اجتاحت الجماعة المدينة رافعين الراية السوداء ذات العلامة الفارقة وبخطٍ عربي كبير كُتب عليها “لا إله إلا الله محمد رسول الله”.
حاول جان دوست في هذه الرواية تقديم صورة مكثفة عن واقع المكان والسكان والنساء الكرديات والربط بين الهجمات العسكرية المنظمة التي شنتها “داعش” على المدينة بمن فيها سنة 2014 م وبين أحداث تاريخية حقيقية ألمت بالكرد. حيث وثق لمرحلة تاريخية شديدة الحساسية في تاريخ المنطقة بأكملها وما خلفته على الكرد كأصحاب قضية. واستطاع الربط بين الماضي والحاضر، بين الواقع والخيال وثم المدينة والعائلة الأساسية بأفرادها كمحور الرواية. كاشفاً ببراعة أدبية أصواتاً عادة ما تُهمش في سرديات التاريخ والتي غالبا يكتبها الرجال، إنها أصوات النساء. لتأتي الحكايات على شكل سير ذاتية مختصرة، وتعلن عن هشاشة وضع النساء الكرديات ومعاناتهم الطويلة. الألم الانثوي التاريخي العميق واضح وضوح الشمس. النساء هنَّ ضحايا الحروب بأجسادهنّ التي تتحول لساحات تصفية في كل حرب تُدار، النزوح والتهجير والفقدان، ليس فقدان الأحبة وحسب، بل فقدان الشعور بالأمان والألفة والحميمية مع الأمكنة وإحالة كل ما هو موجود لآلات تبث الخوف والقلق طوال الوقت.
استطاعت الرواية أن تؤرخ قوة الكرديات ومقدرتهنَّ على خلق أدواتهنَّ الخاصة في المقاومة إزاء كل ما يحدث لهنَّ، فكان خوض مغامرة الحبّ مقاومة وتمردا على القيم الذكورية في المجتمع الكردي، التمسك بالهوية الثقافية واللغة الكردية شكلا عظيماً من المقاومة ضد سلطة تقمع اللغة الكردية وثقافتها، البحث عن الكينونة والوجود كما في حالة المرأة التي تبحث عن النساء ليشاركنها زوجها الذي لم يحظ بعائلة كبيرة بسبب التهجير والهرب من سطوة الأتراك، ليتزوج بأربع نساء حتى تمكن أخيرا من الإنجاب. الانخراط في العسكرة وحمل السلاح، لعل هذه الأخيرة كانت لتظهر كل الجوانب الأخرى الهامشية في شخصية المرأة الكردية والأكثر بروزا من وجهة نظر ذكورية كمؤشر للسلطة والقوة المتحكمة بمصائر الشعوب. فكانت تجربة حمل السلاح وخوض المعارك مع تنظيم داعش بشكل منظم وعلني ضمن صفوف وحدات عسكرية خاصة باسم “وحدات حماية المرأة” YPJ.
إذا لم تظهر النساء فقط كضحايا للحرب أو للعادات والموروث الاجتماعي بكل قيمه الذكورية المتسلطة على رقابهنَّ، ولا حتى ضحايا قمع سياسي عام، لكن برزن كفاعلات حقيقيات لولا ادوارهنَّ حتى النمطية منها لما سارت الأمور إلى حالها الأفضل ولا حتى قدرة البقاء على قيد الحياة من رعاية العائلة وتسيير أمورها والبحث عن مقومات للحياة.
كانت قدرتهنّّ في إنتاج أشكال المقاومة خاصة بهنَّ تتناسب مع تقديرات شديدة الخصوصية في الحالة الكردية السورية. وعي النساء الكرديات عموماً بعيداً عن أية تصنيفات بهويتهن القومية والسياسية والثقافية من جهة، وإدراكهنَّ بأن تلك الحرب على مدينة كوباني وسكانها الكرد ليست مجرد حرب على السلطة، بل هي حرب وجودية.
لطالما تناول الأدب العنف ضد النساء كأحد المحاور الأساسية وإن اختلفت السياقات، تقاطع الواقع الاجتماعي والسياسي لدى الكرد سمة بارزة في الروايات والقصص والسرديات التي تتناول قضية المرأة الكردية ضمناً في القضية الأعم وهي القضية القومية للشعب الكردي كأمة تعيش صراعاً تاريخياً على الوجود والهوية.
ثم تأتي سياقات الحروب والنزاعات المسلحة بكل ما تحمله من نتائج كارثية من التهجير والنزوح والقتل وأهوال لا حصر لها من الانتهاكات التي تُمارس ضد النساء بأشكال عديدة من العنف الذي يطال أرواحهنَّ وأجسادهنَّ قتلاً، اغتصاباً، اختطافاً وإلى ما هنالك من ممارسات عنفيه، لتعكس الوضع الاجتماعي والقانوني والسياسي في ظل منظومة متكاملة متوارثة من القيم الذكورية الأبوبة كسلطة تتحكم بحيوات النساء.
أبرز الشخصيات النسائية في الرواية
الزواج المتعدد في المجتمع الكردي
“خجى”
وهو اسم دارج للإناث بين الكُرد، يُلفظ تحبباً لمقابله من الاسم في اللغة العربية خديجة، وهي والدة الحاج مسلم حمزاروف المهاجر، والتي تغدو أرملة في ريعان شبابها، تجد نفسها مسؤولة تمارس دورها كأم وكأب لطفل وحيد تشرف على رعايته وتربيته وتصرّ على تعليمه، تدير ما تركه لها زوجها المهاجر الوحيد من إرث، حيث يترك لها زوجها حانوتاً صغيراً وبعض المال، ولتخفيف العبء عن نفسها وكمساعدة لأخيها توظفه شريكاً لابنها، وتحاول ما بوسعها لتكون سيدة فاضلة وفق معايير مجتمعها. شاءت أقدارُ الحاج مسلم له أن يُحظى بالسيدة خجى أماً عظيمة تسخر كل حياتها لرعايته. وحُظي الحاج مسلم أيضاً كرجل ليس فقط بأعراف مجتمعه التي تمنحه سلطة واسعة، بل بشريعة دينية تُبرر له الزواج من أربعة نساء “مثنى وثلاث ورباع”.
“إيسلَم“
ابنة خاله وشريكه في الحانوت أصبحت زوجته الأولى، لكن ذلك لم يتُم بسهولة، ولم يتحقق له ذلك بسبب عادة كردية قديمة هي “الحيار” حيث يرفض ابن عم الفتاة أن تتزوج بمن تفضل أو أي شاب يتقدم لها ولكونه رجل يحق له المنع بأية طريقة. إلا إن الحظ كان حليفاً للحاج مسلم! لقد قُتل ابن عمها في حرب الجولان بين اليهود والعرب وراح ضحيتها آلاف الشبان ومن ضمنهم الكثير من شباب الكرد.
“زركة“
وهي الزوجة الثانية التي تزوج بها الحاج مسلم حين علمت زوجته الأولى بانها لن تستطيع ان تنجب له قبيلة تسنده وهو المهاجر بلا قبيلة، ومع إصرارها ورغم رغبتها العارمة بالأمومة وإنجاب الأطفال، ورغم حبها لزوجها وصعوبة الموقف عليها، أقنعته بالزواج عليها. زركة أيضاً كانت أرملة صغيرة السن فقدت زوجها في حرب تشرين عام 1973. وللمرة الثانية لم تكن هذه الزوجة محظوظة وحرمت من الإنجاب.
“أليفة البنغولية”
أليفة أيضاً أرملة شابة كانت قد تزوجت من شاب كردي من تركيا حين سُيق للخدمة العسكرية الإلزامية في صفوف الجيش التركي، ليُقتل في غزوة تركية لقبرص عام 1974م. عاد الزوج جثة هامدة في صندوق خشبي وثكلته أمه، وبكته أرملته. فكانت من نصيب الحاج مسلم المهاجر، ولغرابة الأقدار وللمرة الثالثة لم يُرزق بأطفال من نسائه الثلاثة. رجل واحد كلُ قبيلته من النساء.
عادت إيسلم لتردد له بعد ان اعتادت على مشاركته مع أخريات:
“يا مجنون يجب أن يكون لديك أولاد، لقد حلل الله للرجل أربعة نساء. تزوج هذه المرة أيضاً وأعدك بعدها بأنني لن أحدثك عن الزواج أبداً”53.
خانى
لا أعلم أن كان الحاج مسلم محظوظاً، أم هي الزوجة الرابعة للحاج مسلم التي حظي بها في 1984م وخصص لها منزله قرب المسجد الذي عمل على المواظبة فيه كإمام، وترك الأخريات يعشن في بيت ورثه من والده. خانه التي أنجبت له سلالته، فكانت الأكثر دلالاً إنها والدة محمد صالح الحاج مسلم الذي ولد على يد امرأة كردية هي الداية الماهرة خجى، حين كانت النساء الكرديات يولدن في بيوتهنَّ البعيدة عن صخب المدن وحداثتها. هؤلاء النسوة كنَّ رموزاً مهمشة وأصواتاً خافتة وضحايا لا يراها ولا يذكرها أحد. هذا التفصيل في الرواية كان مؤشراً لسلطة أبوية ذكورية مدعومة بقوانين منبثقة من الشريعة الإسلامية والتي لعبت دوراً بارزاً في ممارسات مجتمعية ضد النساء الكرديات اللواتي حرمن حتى من حق الاعتراض والتعيير. كان العرف الاجتماعي والعنف الاقتصادي والشريعة الدينية أقوى منهنَّ. يروي جان دوست حكاية مجتمعه في كوباني عبر شخوصه النسائية، فبرزت الأم بدورها المحوري مركزاً للقداسة كما هو موقعها في ثقافة المجتمع الكردي.
والرواية تقف بجلل وتعلن حدادا بلا نهاية على موت الأم خانى بمشهد مأساوي كان نتاج الحرب. امرأة تموت تحت أنقاض بيتها، وسقف بيتها المدمر يحتضن جسدها حد الالتصاق. الأم هو ذاك الحبل السري مع العالم كله تحولنَّ في كوباني إلى خسارة ما بعدها خسارة. البيوت والأمهات كلاهما مصادر الأمان، وكلاهما فُقد.
” لم يعّد للزمن أي معنى بعد موت أمي“349.
الحب في المجتمع الكردي
تطرق جان دوست لقضية الحب في أكثر من حكاية وبأزمنة مختلفة. حيث ورد على لسان خديجة ابنة الحاج مسلم المهاجر، وقصتها أكثر واقعية للعديد من الكرديات اللواتي حُرمن حرية اختيار شريك الحياة وغالباً لأسباب اجتماعية وعادات العشيرة، خديجة التي من خسرت وكسر قلبها، وطاردتها أشباح الموتى، صور أحبتها الذين فقدتهم، مشهد موتهم يتحرك في مخيلتها. تأكلها نار فقدها لابنها الذي غرق في بحر إيجة مع والده. وحين وصلت كناجية من الغرق، كناجية من الحرب لم تكن أفضل، بل تم تحويلها لمشفى للأمراض النفسية، لم يكن لقلبها الضعيف أن يتحمل حجم العذابات والخسارات وألم الفقدان، فقذفت بنفسها في نهر الراين بعد أن خرجت من مركز الدعم والرعاية. هوت وبعثرت الرياح الباردة شعرها في كل اتجاه، أصبح شالها على هيئة جناحي طائر عملاق أصيب بطلقات صياد فهوى من أعلى الشجرة. ومن قال بأننا ننجو من الألم حين نبقى على قيد الحياة؟
بليغاً كان ذاك البوح من خديجة لطبيبها الغريب!
“أنا مثل شجرة خريف يا دكتور، ريح هوجاء اسقطت عني أجمل أوراقي وقصفت أغصاني. لقد اقتُلعت من جذوري عن تربتي. ما من تربة أخرى تستطيع أن تضمني في بطنها. أنا شجرة معلقة في الهواء“122.
خديجة امرأة عاشت قصة حب عميقة بكل تفاصيلها الروحية والجسدية، كان تمرداً على العادات، مواجهة للموت، رغبة في الحرية، طريقة في الحياة، لكنها منعت من الارتباط بمن أحبت بسبب عادات لازالت الطبقية الاجتماعية متحكمة في علاقاتها وبنية مجتمعاتها، كونها ابنة رجل مهاجر مجهول العشيرة، رفض أهل حبيبها تزويج ابنهم منها. ومجددا كانت ضحية الحرب والنزاعات والنزوح، فقدت زوجها وابنها وعائلتها التي تشتت وفقدوا حياتهم في مصائر حزينة متشابهة. لتترك لنا سؤالاً عميقاً يستحق الإجابة:
“هل تستحق الحرية التي خرج الناس يطالبون بها كل هذه العذابات يا دكتور؟”134
الحب والحرب في عيون امرأة كردية
روشن الحاج صالح حمزاروف مهاجر أو (بهار كوباني) بمعنى ربيع كوباني بالكردية، وهو الاسم الحركي للمقاتلة الكردية، وبحكم العرف يحق لكل واحدة اختيار اسمها، روشن ذات الضفيرة الشقراء أو هفالى بهار كوباني أي الرفيقة. ما أصعبه من قرار أن تكون الفتاة عاشقة ومقاتلة في الوقت نفسه، ابنة أمها ومدينتها كوباني، وتكاد تكون نسخة للكثيرات من النساء والفتيات اللواتي قررنَّ الانخراط في صفوف القوات الكردية لحماية المرأة منذ بدء الإعلان عن تأسيسها عام 2013م. حين أعلنت روشن تمردها وكسرت حاجز الخوف وخرجت عن الأدوار النمطية للفتيات الكرديات بمواجهة داعش الإرهابي. كانت إرادتها أقوى من قيود المجتمع. لكنها بقيت وفية لمشاعرها ومتمسكة بالتواصل بطريقة ما مع حبيبها ميران، لجأت إلى الرسائل وتدوين يومياتها ووصف شوقها وحبها لمن اختارته حبيباً. وهل من أصعب ان تكون محبا للحياة بكل هذا الجنون، وثم تختار طريقا أسهل احتمالاته الموت بطلقة رصاص، أو تفجير لغم؟
في المعارك مع داعش، تصبح بهار كوباني في عداد الشهيدات، ذات الخمسة عشرة ربيعاً ، مجرد طفلة حولتها الحرب لضحية والتهمت كل أحلامها.
الحب اختيار، والحرب قرار وطالما دفعت النساء ثمن الخيار والقرار باهظاً.
كتبت الرفيقة بهار كوباني في إحدى يومياتها وهي في جبهات القتال مع رفيقاتها مقاتلات وحدات حماية المرأة الكردية في لحظة مع ذاتها مع روشن لحبيبها ميران، صوت الأعماق كان بليغاً:
“رأيتك معي في الليلة الفائتة في المنام، كنا بجانب شجرة. لكن لستُ أدري ما نوعها. كنا نستظل بظلها ويدي في يديك وفجأة اختفت الشجرة الغريبة. بعدها اختفيت أنت أيضاً…كان حلماً ذا نهاية غير سعيدة يا ميران، لا أعير الأحلام اهتماماً، لكن خوفي ازداد بعد ذلك الحلم. أنا لا أخاف من الموت. أخاف فقط من فقدانك”.262
يصبح مشهد السلاح سائداً، وصوت الرصاص أقوى، وتختنق أصوات القلوب ومن المُحال أن يتوقف الحب عن التدفق في قلوب النساء. ربما هذا الذي جعل منهنّ أيقونات للمقاومة.
مقاومة النساء الكرديات والقدرة على مقاومة الألم والعنف
عيشة
حكاية كل امرأة سورية، هذه المرأة الكردية التي تعيش مصيرها صامدة أمام منعطفات هائلة في حياتها الشخصية. تتزوج بعمر صغير ويُقتل زوجها، وحسب العادات الكردية يحق لهم تزويجها من أخ الزوج، نعم يتزوج الرجل من امرأة أخيه. وهذا ما حدث مع حمى حين قررت العائلة إبقاء عيشة وتزويجها من سلفها. وأنجبت منه ثلاثة أطفال هما سيامند وزوزان والرضيعة هيفي.
تعيش في بيت العائلة الكبير ضمن مشاحنات يومية، تعيش التهميش من قبل زوجها الممتلئ بالذكورية. وحين ينزح سكان المدن والقرى بسبب هجوم داعش، تنزح مع والدي زوجها وأطفالها إلى سروجى في الجهة المقابلة من كوباني ضمن حدود الدولة التركية. شابة جميلة حامل، تثير لعاب الطامعين في جسدها، تتعرض للتحرش من قبل أحد الأشخاص مقدمي الخدمة في المخيم، وبالكاد تقوى على الدفاع عن نفسها، مدركة الوصمة التي سوف تلاحقها ونظارات وأقاويل من حولها بالتواطئ. يدركها المخاض العسير في خيمة صغيرة، تساعدنها النساء، ستبحثن لها عن الداية زلخو، لتسهل ولادتها، عيشه تجابه بكل قوتها ولا ترضخ رغم هشاشة جسدها وسوء حالها، بولادتها لطفلتها التي أسمتها هيفي الذي غدا صوتها هو الصوت الوحيد الذي تسمعه، جاءت إشارة النصر بصرخة طفل ينادي من بعيد
” لقد تحررت كوباني من داعش”
عيشة حاولت جاهدة أن تصمد كشجرة باسقة بوجه الريح العصية، كان جلَّ ما ترغبه، رؤية زوجها مجدداً ومعانقته، كم شعرت بحاجتها لوجوده إلى جانبها، أرادت أن تبوح له بلا خوف عن كل ما أصابها، لتزيح عن كاهلها حمل ذنب ليس لها فيه سوى أنوثة جسدها. ستحدثه مطولاً عن حنينها لبيتها المدمر.
في محاولة مرهقة جاءت النماذج الكثيرة للنساء لتخدم الرواية وتُبصر قضية المرأة نوراً من العرفان لأدوارها المهمشة، السرديات المتنوعة كانت مؤشرات للقدرة الهائلة على تحمل المعاناة، والصبر أمام فقد الأبناء، الأزواج، الأمكنة، التهجير، القصف، الخوف، الاستغلال، العنف…
كانت التفاصيل الكثيرة والمتشابكة قادرة ضمن النصوص والعناوين الداخلية للرواية كشف الوعي بالذات وبالهوية وبقيمة الدور النسوي. النساء قادرات على قيادة المجتمع، تأمين الغذاء، الإسعاف والتمريض، تقديم الدعم والعون للمقاتلين، ناهيك عن الاستعداد الكامل في المعركة الإنسانية اليومية، لقد حولنّ كوباني إلى أسطورة، حين أصبحنَّ أيضاً قوة عسكرية كسرت الخوف والقيد بالمواجهة.
الرواية الوثيقة كوباني الفاجعة والربع
“تشير عقارب الساعة السوداء المعلقة على حائط في الصالون إلى الخامسة وأربعة عشر دقيقة صباحاً. إنها الفاجعة وأربعة عشر جرحاً إذاً. الفاجعة والربع تقريباً”13.
مؤشر يدخلنا لعالم أقرب لملحمة بين خيال جميل مرتبط بذكريات الكاتب نفسه ابن مدينة كوباني، وواقع كارثي أحلَّ بها، متنقلاً بين السطور بخوف مخنوق بين الحياة والموت، كنت أقرأ وأنا أسمع لهاث قلبي مخافة الارتطام بجثث وصور لن تمحى من ذاكرتنا بسهولة، كنت في سباق، وفي محاولة للاستمرار واللحاق بالكاتب وأحيانا الاختباء وراءه وهو يروي الفاجعة بكل تفاصيلها، ولا امتلك حتى قرار التخلي عن القراءة أو القفز فوق السطور.
هي ملحمة إنسانية وثق فيها عن الحبّ والرغبة، عن الخوف والحالة النفسية، عن الأمكنة والأزمنة وربط الاحداث ببعضها. كفلم روائي البطولة فيه للإنسان الكردي، وصراعه الوجودي لحفظ هويته.
تسربت رائحة البارود النفاثة، ورائحة الدماء المنبعثة من جثث الموتى من الكلمات وتصوير المشاهد، الموتى الكرد أبناء وبنات ذاك المكان، أبناء الأرض الكردستانية.
“يا بني! أعلم أن أية أرض لا تضم عظام أمواتك فهي ليست وطنك “ص56
يقارب الكاتب بحنكة بين القضية الفلسطينية وقضية الكرد
” انتبهوا ألا يصيبكم ما أصاب الفِلسطينيين، هم أيضاً حملوا مفاتيحهم معهم على أمل أن يعودوا إلى ديارهم التي أخرجوا منها ذات زمن مظلم…إن المفاتيح تصدأ. وإن قلب المرء يصدأ حين ينأى عن وطنه”.
تحول الكاتب لعالم أنثربولوجي ينقب عن آثار دفينة قيمة تستحق التنقيب، أراد إظهارها للعالم وتوثيقها، أصبح شاهد عيان على فاجعة حقيقية، لها بعدها الإنساني، وثق حياةً كاملة في مرحلة تاريخية مهمة سورياً وكوردياً.
“لابد من أن أطلق صرخة ما تعبر عن حزني، وغضبي. لا صوت يصدر عن حنجرتي“. .ص58
وأطلق صرخته حين فاجعة.